التشكيك المدمّر
     
 

أسئلة كثيرة طُرِحت.. وتُطرح.. وستبقى تُطرح..
1- لماذا سمح الله للشيطان أن يُجرِّب آدم؟
2 - لماذا لا يرمي الله الشيطان منذُ الآن في بحيرة النار والكبريت، ويُريح البشرية منهُ؟
3 - لماذا وضع الله لآدم هذه الشجرة.. ألم تكن فخًّا لهُ؟
4 - لماذا يسمح الله بالحروب والزلازل والويلات؟
ولماذا.. ولماذا.. ولماذا؟

عزيزي القارئ: إنَّ الله لم يخلق شيطانًا أبدًا.. بل خلق ملاكًا كاملاًَ:
" أنتَ كامل في طرقك من يوم خُلقت حتى وُجِدَ فيك إثم " (سفر حزقيال النبي 28 : 15).

ومع آدم ذهبَ خطوة أبعد، فخلقهُ على صورة الله ومثاله، رمز الكمال..
لكنَّ الله أرادَ لمخلوقاته أن تكون حرَّة الإرادة والاختيار كما سبقَ وذكرنا..
وليست مجرَّد آلات جامدة يُسيِّرها بآلة تحكُّم..
والإثنان: الشيطان وآدم، كانا يستطيعان دون أدنى شك، أن يختارا بملء إرادتهما أن يثقا بالله وبصلاحه، وأن يُطيعا الله ويخضعا لخطته ومشيئته الكاملة والصالحة، لكنهما لم يفعلا.. بل تمرَّدا عليه وعصيا أوامره..

نعم.. كانَ لآدم ملء الحرية لكي يختار الوقوف إلى جانب الله والوثوق بهِ..
لا بل كانَ لهُ القدرة والسلطان في الوقت نفسه، أن يقول لإبليس: " لا ".
ويطردهُ بعيدًا عنهُ.. فهوَ لم يكن ضعيفًا ومتروكًا إطلاقًا..
ألم نقرأ قبلَ قليل أن الله سلَّط آدم وحواء على كل شيء؟
" وتسلَّطوا على سمك البحر، وعلى طير السماء، وعلى كل حيوان يدبّ على الأرض ". (سفر التكوين 1 : 28).

كانَ لهُ السلطة على تلكَ الحيَّة التي كانت تدبّ على الأرض..
لكنهُ لم يُواجهها، ويُمارس سلطانه عليها.. بل على العكس.. صدَّق كلامها..
وثقَ بها أكثر من الله..

لا بل حاول ٱتهام الله بأنهُ يقف وراء قبوله بما أملتهُ عليه تلكَ الحيَّة القديمة عندما قال لهُ:
" ... المرأة التي جعلتها معي، هي أعطتني من الشجرة فأكلت " (سفر التكوين 3 : 12).
أنتَ جعلتها معي.. والتي جعلتها معي.. جعلتني أُخطئ.. إذًا أنتَ المسؤول.

ونسيَ ما قالهُ سابقًا عنها:
" ... هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي، هـذه تُدعى ٱمرأة لأنها من ٱمرئٍ أُخِذَتْ " (سفر التكوين 2 : 23).
شكَّك في قصد الله.. لا بل ٱتهمَ الله.. وما زلنا نحنُ نفعل مثلهُ..

لكن بالرغم من كل ذلكَ، فإنَّ آدم وحواء ٱعترفا بأنهما أخطآ، عندما حاولا تبرير ما قاما به، والمعروف أنَّ من يُبرِّر ما فعلهُ، فذلكَ يعني أنهُ قد أخطأَ:
فحواء قالت: الحيّة غرّتني فأكلت..
وآدم قالَ كما ذكرنا: المرأة التي جعلتها معي، هي أعطتني من الشجرة فأكلت..

فإن كانَ آدم وحواء قد ٱعترفا ضمنًا أنَّهما أخطآ، وهما اللذان كانا في قلب الحدث حينها، فلا تُزايد أنتَ وتعتبرهما مظلومين، مُشكِّكًا بصلاح الله، ومُتَّهمًا إياه بتهم واهية، لكي تُبرِّر تصرفاتك الخاطئة، وعدم طاعتك لله ووصاياه، ولا تكن " ملكيًا أكثر من الملك " كما يقول المثل..

أحبائي: لن يأتي يوم ونحنُ في هذا الجسد، ولنا هذا الذهن المحدود، نستطيع فيه أن نُدرك كل الأسرار، ونستطيع أن نُدرك فكر الله اللامحدود وحكمته وقصدهُ البعيدين كل البعد عن التفحُّص والتقصِّي، وهذا ما قالهُ لنا الرسول بولس:
" يا لعمـق غنى الله وحكمته وعلمه، ما أبعد أحكامه عن الفحص، وطرقه عن الاستقصاء " (رسالة رومية 11 : 33).

ورجالات الله الذين سبقونا، وكانوا قريبين منهُ أدركوا ذلكَ وأخبرونا..
فالنبي موسى الذي رأى الله وجهًا لوجه، وكانَ مُحبَّبًا على قلب الله قال:
" السرائر للرب إلهنا، والمُعلنات لنا ولبنينا إلى الأبـد، لنعمل بجميـع كلمات هذه الشريعة " (سفر التثنية 29 : 29).

الأسرار للرب، وهوَ يعلم ماذا ينبغي أن يُخبرنا، وماذا لا ينبغي أن يُخبرنا، لكن لنكتفِ بما أعلنهُ الرب لنا في كلمته، نعمل بها، فننجح وننال بركات الله، وننتصر في كل ما نقوم بهِ..

وبولس الرسول الذي ٱختُطِفَ إلى السماء، ورأى إعلانات فائقة للطبيعة، وسمعَ كلامًا لا يسوغ لإنسان أن يتكلَّم بهِ، أخبرنا قائلاً:
" فإننا ننظر الآن في مرآة، في لغز، لكن حينئذٍ وجهًا لوجه، الآن أعرف بعض المعرفة، لكن حينئذٍ سأعرف كما عُرفت " (رسالة كورنثوس الأولى 13 : 12).

قد تكون بعض الحقائق وبعض الأمور كلغز بالنسبة لكَ، وقد تعرف عنها القليل، لكن هنا تكمن أهمية الكلام الذي قالهُ الرب لتوما:
" طوبى (أي هنيئًا) للذين آمنوا ولم يروا ".

كما ذكرنا فإنَّ أذهاننا المحدودة لن تستطيع ٱستيعاب الكثير من الأمور..
وأنا شخصيًا أعتقد، أنَّ لله قصدًا من عدم جعلنا نعرف كل الأسرار..
لكي يعرف من يثق بهِ ومن يؤمن بهِ ومن يُحبّه دون أن يرى ودون أن يلمس، وهؤلاء هُم من يُحاربهم إبليس ولا يقدر عليهم..
ولهؤلاء ستكون الغلبة !!!

من يغلب..
كلمة كرَّرها الرب مرَّات عديدة في سفر الرؤيا، فلا بدَّ لنا من التوقُّف عندها لكي نتعلَّم:
" من يغلب فسأُعطيه أن يأكل من شجرة الحياة التي في وسط فردوس الله... من يغلب فلا يؤذيه الموت الثاني... ومن يغلب ويحفظ أعمالي إلى النهاية فسأُعطيه سلطانًا على الأمم... من يغلب فذلك سيلبس ثيابًا بيضًا، ولن أمحو ٱسمهُ من سفر الحياة، وسأعترف بٱسمه أمام أبي وأمام ملائكته، من يغلب فسأجعله عمودًا في هيكل إلهي، ولا يعود يخرج إلى خارج... من يغلب فسأُعطيه أن يجلس معي في عرشي، كما غلبت أنا أيضًا وجلست مع أبي في عرشه... من يغلب يرث كل شيء، وأكون لهُ إلهًا وهو يكون لي ٱبنًا ".
(سفر الرؤيا 2 : 7، 11، 26، 3 : 5، 12، 21، 21 : 7).

من يغلب.. ستكون لهُ كل تلكَ البركات والامتيازات التي نطقَ بها الرب.

لكن من هوَ الذي يغلب؟
" لأنَّ كل من وُلِدَ من الله يغلب العالم، وهذه هي الغلبة التي تغلب العالم إيماننا ".
(رسالة يوحنا الأولى 5 : 4).

كل الذين آمنوا بالرب يسوع المسيح كمخلِّص شخصي لهم، ووُلِدوا من الله، وُلِدوا من جديد، يغلبون.. بإيمانهم..
نعم.. الإيمان.. الثقة والإيقان بأمور لا تُرى ولا تُلمس..
1 - إيمانهم بصلاح الله ومحبته وعدله وصدقه.. دون أن يروا أو أن يلمسوا..
2 - يؤمنون عندما تكون كل الظروف مُعاكسة ومُعارضة لكلمة الله..
3 - يؤمنون عندما يقف العلماء والفلاسفة والاكتشافات والاختراعات ضد كلمة الله..
4 - يؤمنون عندما يُحاول إبليس وكل مملكته تشكيكهم بصلاح الله ومحبته..
5 - يؤمنون عندما لا يفهمون ويُدركون كل شيء..
6 - يؤمنون أنَّهُ ولو حصلت كوارث وحروب وأمور سيِّئة، ولم يفهموا الأسباب ومن يقف وراءَها.. يقولون: إننا لا نعرف من فعلَ ذلكَ ولماذا يحصل ذلكَ، لكننا نعرف شيئًا واحدًا:
أنَّ الإله الذي ضحَّى بٱبنهِ الوحيد من أجل كل البشرية، ولم يُشفق عليه، لا يُمكن
أن يصدر عنهُ هكذا أعمال، بل هوَ إله كل نعمة صالحة..
لهؤلاء الغلبة فقط !!!

عزيزي القارئ:
مهما حاولتُ ومهما حاولَ غيري، لجهة إبراز صلاح الله ومحبته وصِدْق كلمته ووعوده.. ومهما قدَّمنا من الآيات والوثائق والحقائق والبراهين والاختبارات الشخصية..
والمُعجزات حتَّى..

فإن لم تتواضع وتفتح قلبك لكلمة الرب وتؤمن بهِ، لن يستطيع الكون كلَّهُ أن يُساعدك.. فالناس الذين عاصروا الرب ورأوا معجزاته بالعين المُجرَّدة.. ﭐنقسموا إلى قسمين:
1 - قسم منهم آمنَ وتبع الرب وربح نفسهُ وربح الحياة الأبدية.. وربحَ الحرب الدائرة..
2 - وقسم آخر رفض الرب وخسر نفسه وخسر الحياة الأبدية.. وخسرَ الحرب الدائرة..

وحتَّى الذين رأوا الرب يسوع يُقيم لِعازر من الموت بعد مضي أربعة أيام على موته، ٱنقسموا إلى قسمين أيضًا:
1 - قسم منهم آمنوا بالرب وتبعوه..
2 - وقسم آخر منهم تركوه وذهبوا إلى الفريسيين وأخبروهم لكي يقتلوا يسوع..

ولا تُحاول دعم ﭐعتراضاتك وتحليلاتك المُناقضة لكلمة الله، بالبراهين العلمية والفلسفية.. وبحكمة هذا الدهر.. وما أكثرها.. لأنَّ الله وبسبب قساوة قلب الناس وكبريائهم، وجموحهم إلى الفلسفة والحكمة البشرية لمحاولة الوصول إليه أو لنقض كلمته.. شاء أن يُخفيها عن الحكماء حسب هذا الدهر.. ويُعلنها للأطفال.. للبسطاء.. أنقياء القلب.. الذين يُصدِّقون كلمته ويؤمنون بها كما هيَ.. أخفاها عن الفلاسفة والمُجادلين، وأظهرها للذين قد تعتبرهم جُهَّالاً، حيثُ يقول لنا الرسول بولس:
" فإنَّ كلمة الصليب عند الهالكين (أي الذين لا يؤمنون بالله وبكلمته) جهالة، وأمَّا عندنا نحن المُخلَّصين فهيَ قوة الله، لأنَّهُ مكتوب: سأُبيد حكمة الحكماء وأرفض فهم الفهماء، أينَ الحكيم، أينَ الكاتب؟ أين المُجادل في هذا الزمان؟ ألم يُجهِّل الله حكمة هذا العالم؟ لأنَّهُ إذ كانَ العالم في حكمة الله لم يعرف الله بالحكمة، ﭐستحسنَ الله أن يُخلِّص المؤمنين بجهالة الكرازة، لأنَّ اليهود يسألون آية، واليونانيين يطلبون حكمة، ولكننا نحن نكرز بالمسيح مصلوبًا، لليهود عثرة ولليونانيين جهالة، وأما للمدعوين (أي الذين يؤمنون بالله وبكلمته) يهودًا ويونانيين، فبالمسيح قوة الله وحكمة الله، لأنَّ جهالة الله أحكم من الناس، وضعف الله أقوى من الناس، فٱنظروا دعوتكم أيها الإخوة، أن ليسَ كثيرون حكماء حسب الجسد، ليسَ كثيرون أقوياء، ليس كثيرون شرفاء، بل ﭐختارَ الله جهَّال العالم ليُخزي الحكماء، وﭐختارَ الله ضعفاء العالم ليُخزي الأقوياء، وﭐختارَ الله أدنياء العالم والمُزدرى وغير الموجود، ليُبطل الموجود، لكي لا يفتخر كل ذي جسد أمامه " (رسالة كورنثوس الأولى 1 : 18 – 29).

تُعارض الله.. وتُشكِّك بصلاحه ومحبته.. وتعتبر نفسك حكيمًا.. وتطلب البراهين الحسّية والعلمية.. وتناقض أحكامهُ.. وترفض كل الفرص التي تُقدَّم لكَ لكي تخلص..

لكنكَ تنسى أنَّهُ مهما فعلت وقدَّمت من براهين مُناقضة لأحكامه، فهوَ في النهاية خالق الكون وكل ما فيه، وصاحب القرار النهائي، بمصير البشر أجمعين.. وقد وضعَ بينَ يديك الطريق الذي يقودك إلى السماء.. إلى الحياة الأبدية بجانبه.. والطريق الذي يجعلك تُمضي سني حياتك على هذه الأرض مُتمتِّعًا بكل خير وبركة.. وحذَّرك من الطريق الذي يقود إلى بحيرة النار والكبريت..
فيا عزيزي المؤمن.. يا من ٱختبرتَ الخلاص.. وأصبحتَ من عائلة الله.. لا تُضيِّع سني عمرك في التحليل وطلب التبريرات والتفسيرات لكل ما يحدث.. بل ثق من كل قلبك بهذا الإله العظيم.. ولا تسمح لسموم العدو أن تملأ ذهنك وتُعطِّلك عن العمل لله.. بل إنهض وحارب وحقق الانتصارات.. لكي تكون من الغالبين الذين يحيون على هذه الأرض مُتمتِّعين بكل البركات..
ولكي تكون من الذين يُحاربهم إبليس لكنهُ لا يقدر عليهم..

ويا عزيزي القارئ.. يا من لم تختبر بعد الخلاص.. ولم تفتح قلبك للرب المُخلِّص.. وما زلتَ تحيا في الظلمة بعيدًا عن وجه الله، مُتجاهلاً توجيهاته ووصاياه.. غارقًا في التحليلات وآراء العلماء والفلاسفة، والشك المُدمِّر.. سامحًا لإبليس بأن يملأ ذهنك بالسموم..

لا تفوِّت الفرص التي يمنحك إياها الله، بل تعالَ إليه الآن.. تائبًا عن خطاياك وأفكارك.. وٱفتح قلبك للرب، مُعترفًا بموته على الصليب عوضًا عنكَ، مغتسلاً بدمهِ الثمين الذي قدَّمهُ لكَ، وٱطلب منهُ أن يمنحك الحياة الأبدية، لكي تغدو من الغالبين الذين لا يؤذيهم الموت الثاني.. الموت الأبدي.. ولكي لا ينجح إبليس في نهاية المطاف أن يأخذك معهُ إلى بحيرة النار والكبريت، وأنتَ ما زلتَ غارقًا في التحليل، وٱتهام الرب تهمًا واهية..

 
 
   
عودة إلى الفصل الأول