فسد الوعاء.. لكن
     
 

" ففسدَ الوعاء الذي كان يصنعهُ من الطين بيد الفخاري، فعادَ وعملهُ وعاء آخر، كما حسن في عيني الفخاري أن يصنعهُ " (سفر إرميا النبي 18 : 4).

كلام رمزي بكل تأكيد.. يرمز إلى آدم الذي صنعهُ الله من الطين، من تراب الأرض، لكنهُ وللأسباب التي تناولناها بالتفصيل، فسدَ هذا الوعاء.. لكنَّ الفخاريَّ الأعظم لم يتراجع عن تحقيق قصده، بل عملَ وعاء آخر كما حسن في عينيه..

نسل مشوَّه جاءَ من آدم وحواء.. يحمل في قلبه وتكوينه نتائج وبذار خطيئة الآباء.. يحمل في قلبه عدم طاعة لله.. عداوة لوصاياه وتوجيهاته.. شك في صلاحه.. شعور بأنَّ وصاياه ثقيلة ولا يُمكن تنفيذها.. جموح فاضح نحو الاستقلالية عن الله في إدارة الحياة.. تمرُّد على الله.. نسل يصرخ:
" لتكن مشيئتي أنا.. وليسَ مشيئة الله ".

ويُخبرنا سفر التكوين القليل عن طباع هذا النسل:
" ورأى الرب أن شرّ الإنسان قد كَثُرَ في الأرض، وأنَّ كل تصوُّر أفكار قلبه، إنما هوَ شرِّير كل يوم... وفسدت الأرض أمام الله وٱمتلأت الأرض ظلمًا ".
(سفر التكوين 6 : 5 – 11).

ولم يتحسَّن هذا النسل على مرِّ العصور، فداود النبي يقول:
" قال الجاهل في قلبه: ليس إله، فسدوا ورجسوا رجاسةً، ليس من يعمل صلاحًا، الله من السماء أشرفَ على بني البشر، لينظر هل من فاهم طالب الله، كلّهم قد ٱرتدوا معًا فسدوا، ليس من يعمل صلاحًا ليس ولا واحد " (المزمور 53 : 1 – 3).
وبقيَ هكذا حتَّى أيام بولس الرسول، الذي ٱقتبسَ من كاتب المزمور، وقال:
" كما هوَ مكتوب، أنَّهُ ليس بار ولا واحد، ليسَ من يفهم، ليسَ من يطلب الله، الجميع زاغوا وفسدوا معًا، ليسَ من يعمل صلاحًا، ليس ولا واحد... وطريق السلام لم يعرفوه، ليس خوف الله قدام عيونهم " (رسالة رومية 3 : 10 – 18).

نسل مُشوَّه.. هذه هيَ المشكلة الأولى..
أمَّا الثانية فهيَ الأخطر:
نسل محكوم عليه بالموت..
" موتًا تموت " قال الله لآدم إن أكلَ من شجرة معرفة الخير والشر:
" وأمَّا شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها، لأنَّكَ يومَ تأكل منها، موتًا تموت ".
(سفر التكوين 2 : 17).

وليسَ موتًا جسدي فقط.. بل موت روحي.. موت أبدي..
ٱنفصال نهائي وأبدي عن الله.. ينبوع الحياة..

إله مُحب.. محبتهُ غير مشروطة.. مُشتاق أن يُعيدنا إلى محضره وإلى الشركة معهُ..
إلى المكان الذي سقطنا منهُ.. نعم وبكل تأكيد..
ينتظر عودتنا بفارغ الصبر.. كما كان ذلكَ الأب ينتظر عودة ﭐبنهِ الضال..
لكنهُ في الوقت نفسه، إله قدوس وعادل، يكره الخطيئة.. ولا يُمكن لخاطئ.. لوعاء فاسد.. أن يتواجد في محضره..
وهنا تبرز الحاجة إلى من يُصالحنا مع قداسته وعدله..

أيوب أدركَ هذه الحقيقة.. أدركَ أنهُ خاطئ.. مُذنب.. نتاج وعاء فاسد.. ستأتي عليه اللعنات والرعب والعصا طالما بقيَ في هذا الوضع..
وهوَ يحتاج إلى مُصالح:

" أنا مُستذنب فلماذا أتعب عبثًا؟ ولو ٱغتسلت في الثلج، ونظفت يديَّ بالأشنان (الصابون)، فإنَّكَ تطرحني في مستنقع نتن تَكْرَهني ثيابي، لأنَّهُ ليسَ إنسانًا مثلي فأُجاوبهُ، نمثل معًا للمحاكمة، ليسَ بيننا مُصالح يضع يده على كلينا، ليرفع عني عصاه ولا يبغتني رعبه ". (سفر أيوب 9 : 29 – 34).

هنا لم يُحاول أيوب تبرير نفسهُ.. لم يُحاول الدخول في التحليل والجدل.. لم يُحاول ٱتهام الله.. لأنَّهُ أدركَ أنَّه مُذنب، ولأنَّهُ أدركَ أنَّهُ الله وليس إنسانًا تستطيع أن تُجاوبه، وتأتي بهِ إلى المحاكمة.. لم يُضيِّع وقتهُ وسني عمرهُ في هذه المتاهات، بل قفزَ إلى الحاجة الوحيدة التي تجعل عصا الله ترتفع عنهُ..
وبالمعنى الحقيقي التي تجعل نتائج الخطيئة.. الموت الأبدي.. يرتفع عنهُ..
الحاجة إلى واحد:
مُصالح يضع يده على كلينا !!!

لكن كما يقول المثل العامي:
" المُصلِح أو المُصالح.. إلو تلتين القتلة ".
وبالفُصحى:
" المُصالِح يتحمَّل ثلثي العقاب ".
لكنَّ مُصالحنا مع الله تحمَّل كل العقاب الذي كانَ ينبغي أن نتحمَّلهُ نحن:
" الموت "
" لأنَّهُ إن كُنَّا ونحنُ أعداء قد صولحنا مع الله بموت ٱبنهِ، فبالأولى كثيرًا ونحن مُصالحين نخلص بحياته، وليس ذلك فقط، بل نفتخر أيضًا بالله، بربنا يسوع المسيح، الذي نلنا به الآن المصالحة، من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد (آدم) دخلت الخطيئة إلى العالم، وبالخطيئة الموت، وهكذا ٱجتازَ الموت إلى جميع الناس، إذ أخطأَ الجميع... لأنَّهُ كما بمعصية الإنسان الواحد (آدم) جُعل الكثيرون خطأة، هكذا أيضًا بإطاعة الواحد (الرب يسوع المسيح)، سيُجعل الكثيرون أبرارًا " (رسالة رومية 5 : 10 – 12، 19).

كلام آخر لتتَّضح لنا كيف تمت عملية المصالحة:
" لأنَّهُ فيه (أي بيسوع المسيح) سُرَّ أن يحل كل الملء، وأن يُصالح بهَ الكل لنفسه، عاملاً الصلح بدم صليبه بواسطته، سواء كان ما على الأرض، أم ما في السموات، وأنتم الذين كنتم قبلاً أجنبيين، وأعداء في الفكر، في الأعمال الشريرة، قد صالحكم الآن في جسم بشريته بالموت، ليُحضركم قديسين وبلا لوم ولا شكوى أمامه ".
(رسالة كولوسي 1 : 19 -  22).

أينما قرأت عن هذا الموضوع في الكتاب المُقدَّس، لن تجد سوى طريق واحد للمصالحة:
المُصالِح ينبغي أن يموت.. ينبغي أن يتحمَّل الحكم الإلهي الصادر في جنة عدن على عصيان آدم.. والبشرية جمعاء من بعده:
" موتًا تموت ".

وماتَ المُصالح.. ماتَ على الصليب.. دافعًا أُجرة عصياننا وتمرُّدنا وخطايانا:
" ولكن الله بيَّنَ محبتهُ لنا، لأنَّهُ ونحنُ بعد خطأة مات المسيح لأجلنا ".
(رسالة رومية 5 : 8).

" الذي أُسلِمَ من أجل خطايانا، وأُقيم لأجل تبريرنا " (رسالة رومية 4 : 25).

" فإنني سلَّمتُ إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضًا، أنَّ المسيح ماتَ من أجل خطايانا حسب الكتب " (رسالة كورنثوس الأولى 15 : 3).

" الـذي بذل نفسه لأجل خطايانا، ليُنقذنا من العالم الحاضر الشرير، حسب إرادة الله وأبينا " (رسالة غلاطية 1 : 4).

لا يوجد كلامٌ أوضح من هذا.. فسدَ الوعاء.. عصيان آدم وخطيئته جلبا الموت الأبدي عليه.. ثمَّ ٱجتازَ هذا الموت إلى البشرية جمعاء، إذ الكل أخطأوا.. فإمَّا أن تبقى البشرية جمعاء في حالة الموت.. لتُواجه مصيرًا نهائيًا صعبًا وخطيرًا في بحيرة النار والكبريت.. وإمَّا يموت أحد ما عنها.. وهذا ما حصل..
مات الفادي عنها..
دفع الثمن..

وتبقى المرحلة الثانية..
وعاء جديد.. نسل جديد بلا لوم.. نسل مُقدَّس.. يستطيع العودة مجدَّدًا إلى محضر الله.. المكان الذي طُرِدَ منهُ بسبب عصيان آدم:
" وأنتم الذين كنتم قبلاً أجنبيين، وأعداء في الفكر، في الأعمال الشريرة، قد صالحكم الآن في جسم بشريته بالموت، ليُحضركم قديسين وبلا لوم ولا شكوى أمامه ".
(رسالة كولوسي 1 : 21 -  22).

هذا هوَ الهدف.. لكن تبقى الطريقة لتحقيقه.. وهنا يأتي دورنا من جديد..

لنذهب معًا إلى سفر المزامير:
" ... يتحدَّثون عن الرب للجيل الآتي، يأتون ويُخبرون ببره وبمعجزاته، شعباً لم يُولد بعد " (المزمور 22: 30 – 31).

" يُكتب هذا للجيل الآتي الذي سيُخلق، فيُسبِّح الرب " (مزمور 102 : 18).
نبوءات من وحي الروح القدس عن جيل.. عن نسل سيأتي، ولم يكن قد وُلِدَ بعد..
فماذا كانَ ينتظر ليولد؟

" ... وحينَ يُقدِّم نفسهُ ذبيحة إثم، فإنَّهُ يرى نسلهُ، وتطول أيامهُ، ومسرَّة الرب بيده تنجح " (سفر إشعياء النبي 53 : 10).

حين يموت الرب على الصليب، ويُقدِّم دمهُ الثمين.. من أجل غفران الخطايا.. ويدفع أُجرة خطايانا.. يفتح الباب لولادة النسل الجديد.. الوعاء الجديد الذي يصنعهُ الفخاري الأعظم كما يحسن في عينيه..
وكيفَ يكون هذا؟
سؤال سأله نيقوديموس أحد مُعلِّمي الشريعة، منذُ ألفي سنة للرب يسوع المسيح:
" أجاب يسوع وقالَ لهُ: الحقَّ الحقَّ أقول لك: إن كانَ أحد لا يولد من فوق، لا يقدر أن يرى ملكوت الله... لا تتعجَّب أني قلت لك ينبغي أن تُولدوا من فوق... أجابَ نيقوديموس وقالَ لهُ: كيف يمكن أن يكون هذا؟ ...
كما رفعَ موسى الحيَّة في البرية، هكذا ينبغي أن يُرفع ٱبنُ الإنسان، لكي لا يهلك كل من يؤمن بهِ، بل تكون له الحياة الأبدية " (إنجيل يوحنا 3 : 3 – 15).

يُرفع ٱبن الإنسان على الصليب، كذبيحة عن آثامانا ومعاصينا.. يفتح الباب لولادة النسل الجديد.. وعندما نأتي إليه.. ننظر إليه مُعلَّقًا على الصليب، ونؤمن بهِ من كل القلب.. نؤمن بموته من أجلنا.. يأتي دمهُ الثمين علينا ويغسلنا من كل خطايانا ونتائج خطايانا.. ويأتي الروح القدس علينا.. ويُولدنا من فوق.. ولادة لأرواحنا التي ماتت بسبب ٱنفصالها عن الله ينبوع الحياة.. ويسكن فينا إلى الأبد.. ويُعيد لنا الشركة التي فقدناها معهُ.. وبهذا الروح نصرخ " يا أبا الآب " ويشهد هذا الروح لأرواحنا بيقين لا يستطيع الكون كله التشكيك بهِ:
بأننا أولاد الله.. نسل جديد.. نسل الرب يسوع المسيح !!!

" إذ لم تأخذوا روح العبودية أيضًا للخوف، بل أخذتم روح التبنِّي، الذي به نصرخ يا أبا الآب، الروح نفسهُ أيضًا يشهد لأرواحنا أننا أولاد الله " (رسالة رومية 8 : 15 – 16).

والآن وبعد كل هذا.. ماذا تنتظر يا قارئي العزيز الذي لم تختبر بعد خلاص الله، ولم تُصبح من النسل الجديد الذي يرث الحياة الأبدية وينجو من بحيرة النار والكبريت.. من الموت الأبدي؟
نعم.. ماذا تنتظر؟
أن تُمضي سني عمرك وأنت بعيد عن وجه الله.. غارق في ظلام أفكارك وتحليلاتك؟

الرب يقول اليوم للجميع دون ﭐستثناء:
ﭐنهضوا يا شعبي..
ﭐنهضوا يا من دُعيَ ﭐسمي عليكم..
ﭐنهضوا من هذا النوم العميق الغارقين فيه..
ﭐنهضوا وتعلَّموا من كلمتي التي وضعتها في متناول الجميع..
لا يهمّني لأي طائفة تنتمي، وما هيَ المعتقدات التي نشأت عليها، وما هيَ التقاليد التي تُمارسها، وما هيَ أوجه الخلاف بين طائفة وأخرى، وبين مذهب وآخر.. فأنا ليسَ لديَّ طائفة أو مذهب، أنا يسوع المسيح رب الجميع دون ﭐستثناء..
والموضوع ليسَ جملة ممارسات وواجبات دينية، ﭐستأسرت أفكاركم وحجبت عنكم حقيقة الأمور وجوهرها..
والموضوع ليسَ موضوع الذهاب إلى الكنيسة أيام الآحاد والأعياد..
الموضوع أكبر جدًّا، وأشمل وأعمق وأدق وأخطر..
إنها حرب بكل ما لهذه الكلمة من معنى..
إنها حرب يشنّها عليكم الشيطان ومملكته.. الشيطان والملائكة الذين تمرَّدوا وسقطوا معه، مشحونين بالغضب والحقد على كل خليقتي، وهم يعملون ليل نهار لإيذائكم وخداعكم وجذبكم إلى الخطايا والرذيلة والشرور، بهدف الاستباحة بوصايا الله وتوجيهاته، لكي يأتي العقاب عليكم..
إنّهم يجلبون عليكم الأمراض والعذاب والمعاناة والحروب والكوارث والويلات... ويجعلونكم تعتقدون أنَّ الآب السماوي الذي لم يُشفق عليَّ، وضحَّى بي من أجلكم، هوَ من يُسبِّب لكم هذه الأمور، لكي يُشوِّهوا صورته ويُبعدوكم عن المجيء إليه..
إصحوا يا شعبي وتعالوا إليَّ لتجدوا الراحة لنفوسكم..
تعالوا إليَّ تائبين عن بعدكم وﭐستهتاركم وخطاياكم، وﭐغتسلوا بدمي الذي قدمتهُ لكم على الصليب، لكي أُطهِّركم من كل خطاياكم، وأمحوا الصك الذي يحمله الشيطان ضدكم..
تعالوا إليَّ لكي أُعطيكم سلطانًا أن تُصبحوا أولادي..
تعالوا إليَّ وﭐنضموا إلى ملكوتي.. ﭐنضموا إلى جيشي لأُعطيكم سلطانًا تدوسون به كل قوة إبليس، ولكي تتحرَّروا من كل القيود التي ربطكم بها على مر الأيام..
تعالوا إليَّ لكي تُشفوا من كل أمراضكم الجسدية والنفسية..
تعالوا إليَّ لكي أمنحكم الفرح والسلام والراحة والطمأنينة والبحبوحة...
تعالوا إليَّ لكي تحملوا الشعلة وتذهبوا وتُخبروا كم صنعتُ بكم، وكما أخذتم مجَّانًا ونلتم الخلاص والحرية، تُعطون مجَّانًا، وتجمعون معي الخراف المُشتَّتة والمُجرَّحة والبعيدة..

ﭐستفيقوا.. ﭐستفيقوا.. ﭐستفيقوا..
فأنا ما زلتُ فاتحًا ذراعيَّ وسأبقى.. مُنتظرًا كل واحد منكم بفارغ الصبر..

 
 
   
عودة إلى الفصل الأول