الشرارة الأولى
     
 

أو السبب المُباشر..
" وأُثيرُ عداوةً دائمةً بينكِ وبين المرأة، وكذلكَ بينَ نسليكما.
هوَ (أي نسل المرأة) يسحق رأسكِ، وأنتِ تلدغين عقبهُ " (سفر التكوين 3 : 15).

القسم الأول من هذه الآية يقول:
عداوة دائمة بين الحيَّة ونسلها من جهة، وبين المرأة ونسلها من جهة أُخرى..
فمن هيَ تلكَ المرأة؟

فلنلقِ نظرة معًا على سفر الرؤيا لكي نتعلَّم من كلمة الله:
" وظهرت آية عظيمة في السماء، ٱمرأة متسربلة بالشمس والقمر تحت رجليها، وعلى رأسها إكليل من إثني عشرَ كوكبًا، وهيَ حُبلى تصرخ مُتمخِّضة ومُتوجِّعة لتلد، وظهرت آية أُخرى في السماء، هوَّذا تنين عظيم أحمر لهُ سبعة رؤوس وعشرة قرون، وعلى رؤوسه سبعة تيجان، وذنبه يجر ثلث نجوم السماء فطرحها الى الأرض، والتنين وقف أمام المرأة العتيدة أن تلد حتى يبتلع ولدها متى ولدت، فولدت ٱبنًا ذكرًا عتيدًا أن يرعى جميع الأمم بعصا من حديد، وٱختُطِفَ ولدها إلى الله وإلى عرشه، والمرأة هربت إلى البرية حيث لها موضع مُعَد من الله، لكي يعولوها هناك ألفًا ومئتين وستين يومًا، وحدثت حرب في السماء، ميخائيل وملائكته حاربوا التنين، وحارب التنين وملائكته ولم يقووا، فلم يوجد مكانهم بعد ذلك في السماء، فطُرِحَ التنين العظيم، الحيَّة القديمة المدعو إبليس والشيطان، الذي يضل العالم كلّه، طُرِحَ إلى الأرض وطُرِحت معهُ ملائكته، وسمعتُ صوتًا عظيمًا قائلاً في السماء: الآن صارَ خلاص إلهنا وقدرته وملكه وسلطان مسيحه، لأنَّهُ قد طُرِحَ المشتكي على إخوتنا، الذي كان يشتكي عليهم أمام إلهنا نهارًا وليلاً، وهم غلبوه بدم الخروف وبكلمة شهادتهم، ولم يُحبُّوا حياتهم حتى الموت، من أجل هذا ٱفرحي أيتها السموات والساكنون فيها، ويلٌ لساكني الأرض والبحر، لأنَّ إبليس نزل إليكم وبه غضب عظيم، عالمًا أنَّ لهُ زمانًا قليلاً، ولمَّا رأى التنين أنهُ طُرِحَ إلى الأرض ٱضطهدَ المرأة التي ولدت الابن الذكر، فأُعطيت المرأة جناحي النسر العظيم، لكي تطير إلى البرية، إلى موضعها، حيثُ تُعال زمانًا وزمانين ونصف زمان من وجه الحيَّة، فألقت الحيَّة من فمها وراء المرأة ماء كنهر لتجعلها تُحمل بالنهر، فأعانت الأرض المرأة، وفتحت الأرض فمها وٱبتلعت النهر الذي ألقاه التنين من فمه، فغضب التنين على المرأة، وذهبَ ليصنع حربًا مع باقي نسلها، الذين يحفظون وصايا الله، وعندهم شهادة يسوع المسيح " (سفر الرؤيا 12 : 1 – 17).

يتكلَّم هذا المقطع عن ٱمرأة متسربلة بالشمس، والقمر تحتَ رجليها، وإكليل من ٱثني عشر كوكبًا على رأسها، وهذه المرأة كانت على وشك الولادة..
فمن تكون؟

1 - نعرف أنَّ طفلها هو المسيَّا المُنتظر، وهـذا واضح مـن وصـف الطفل في الآية
الخامسة ومن ﭐختطافه أو صعوده إلى عرش الله، وهذا ما يعود ويؤكِّدهُ لنا المزمور
الثاني:
" ﭐجتمعَ ملوك الأرض ورؤساؤها، وتحالفوا ليُقاوموا الرب ومسيحهُ... قـال لـي
الرب: أنتَ ﭐبني أنا اليوم ولدتك. ﭐطلب منِّي فاُعطيك الأُمم ميراثًا، وأقاصي الأرض
مُلكًا لكَ. فتكسرهم بقضيب من حديد... " (المزمور 2 : 2 – 9).
فالمرأة إذًا هيَ أم المسيَّا..

2 - ما دامت أم المسيَّا فلا بدَّ أن تكون مريم العذراء، وهذا صحيح من الناحية الجسديـة
الصرف، فالرب يسوع المسيح تجسَّد من مريم العذراء.. لكن من الناحية الروحية أو
المغزى الروحي لهذه الآية.. فإنَّ المـرأة المذكـورة وما ستتعرَّض لهُ من ٱضطهاد
وهروب إلى البرية، لا يتناسب مع هذا الافتراض قطعًا، أي أن تكون مريم العذراء..

3 - كافـة الآيات فـي هذا المقطع توحي بأنَّ هذه المرأة، هيَ شعب الله الذي جاءَ منهُ
     الرب يسوع في الجسد..
فلو ألقينا نظرة على العهد القديـم، نـرى أنَّ شعب الله فـي تلكَ الحقبة، كانَ يُدعى
" عروس الله "، فالنبي إشعياء يقول:
" لأنَّ بعلكِ هوَ صانعك " (سفر إشعياء النبي 54 : 5).

     والنبي هوشع يؤكِّد هذه الحقيقة عندما ينقل لنا كلام الله لشعبه:
" وأخطبـكِ لنفسي إلـى الأبد، وأخطبكِ لنفسي بالعدل والحق والإحسان والمراحم،
أخطبك لنفسي بالأمانة فتعرفين الرب " (سفر هوشع النبي 2 : 19 – 20).

ونحنُ نعرف أنَّ المسيح جاءَ من شعب الله، عندما وُلدَ من مريم العذراء..
إذًا ودون أدنى شك، فإنَّ هذه المرأة هيَ شعب الله في العهد القديم..

والرسول بولس في العهد الجديد يؤكِّد لنا هذه الحقيقة عندما يقول:
" بولس عبد ليسوع المسيح، المدعو رسولاً، المُفرز لإنجيل الله، الذي سبقَ فوعد به بأنبيائه في الكتب المُقدسَّة، عن ﭐبنه، الذي صارَ من نسل داود من جهة الجسد ".
(رسالة رومية 1 : 1 – 3).

" الذين هم إسرائيليون (أي شعب الله في العهد القديم)، ولهم التبنِّي والمجد والعهود والاشتراع والعبادة والمواعيد، ومنهم كانَ الآباء، ومنهم جاءَ المسيح حسب الجسد... ".
(رسالة رومية 9 : 4 – 5).

أضف إلى ذلكَ أنَّ هذه المرأة كان على رأسها إكليل من ٱثني عشرَ كوكبًا.. وهذه الكواكب ترمز إلى أسباط شعب الله الإثني عشر.. في العهد القديم..
 

والآن لنلقِ نظرة على القسم الثاني من هذه الآية:
هوَ (أي نسل المرأة) يسحق رأسكِ، وأنتِ تلدغين عقبهُ.

       وبالانكليزية:
" And you will (lie in wait) and bruise his heel " .
- (lie in wait ) تعني: يكمن.. يتعقَّب.
- (bruise ) تعني: يكدم.. يخدش.. يجرح.. يسحن.. يسحق.
فتُصبح الترجمة التفسيرية لهذه الآية كما يلي:
" هوَ.. أي الرب يسوع المسيح.. نسل المرأة، يسحق رأسكِ أيتها الحيَّة القديمة أي إبليس، وأنتِ أيتها الحيَّة القديمة أي إبليس، تكمنين، تتعقَّبين، تكدمين، تخدشين، تجرحين، تسحنين، وتسحقين عقبه ".

كلمة عقب تعني حرفيًا: كعب أو كعب القدم.
وكما نعلم جميعنا، فإنَّ إبليس تعقِّب المرأة.. الشعب الذي سيولد منهُ الرب، وكَمَنَ لهذا الشعب وللرب في عدَّة حقبات من الزمن وفي عدَّة مواضع، مُحاولاً قتلهُ وإفشال مجيء من سيسحق رأسه.. لكنهُ لم ينجح.. ثمَّ على الصليب سحقَ عقب الرب، أي جسد الرب البشري، أو بشرية الرب يسوع..

والنبي إشعياء يؤكِّد لنا ما نقوله عندما قال:
" وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا... " (سفر إشعياء النبي 53 : 5).

لكن هذه نصف الحقيقة.. أمَّا الحقيقة الكاملة فهيَ:
أنَّ الرب يسوع المسيح.. نسل المرأة.. سحقَ رأس الشيطان على الصليب..
كما سنرى ذلكَ لاحقًا بالتفصيل..

نعم.. فمن تلكَ اللحظة التي نطق بها الله في جنَّة عدن، تلكَ الكلمات التي تأملنا بها، ٱنطلقت شرارة الحرب الأولى..

وذهبَ إبليس ليصنع حربًا، علَّهُ لا يأتي الذي سيسحق رأسهُ..
وإن أتى.. سيُحاول ﭐبتلاعهُ..

 
 
   
عودة إلى الفصل الثاني