" وعرفَ آدم حواء ﭐمرأتهُ فحبلت وولدت قايين... ثُمَّ عادت فولدت أخاه هابيل... وعادَ قايين يتظاهر بالودِّ لأخيه هابيل. وحدثَ إذ كانا معًا في الحقل أنَّ قايين هجمَ على هابيل وقتلهُ " (سفر التكوين 4 : 1 - 8).
قايين هوَ من قتلَ هابيل أخاه.. ولا يُشير هذا المقطع لأي دور ظاهر لإبليس..
فلماذا نتهمهُ إذًا؟
لكنَّ الله خلق الإنسان على صورته ومثاله.. كاملاً خلقهُ..
فمن أينَ تسرَّبت نزعة القتل إلى قايين؟
رسالة رومية تُلقي لنا الضوء على هذا الموضوع الهامّ، عندما تقول:
" ألستم تعلمون أنَّ الذي تُقدِّمون ذواتكم لهُ عبيدًا للطاعة، أنتم عبيد للذي تُطيعونه، إمَّا للخطيئة للموت، أو للطاعة للبر " (رسالة رومية 6 : 16).
فآدم وكما سبقَ وشرحنا بالتفصيل، عصا الله، وأطاع الشيطان ونفَّذ لهُ رغبته، فأصبح عبدًا لهذا الشيطان.. إنَّهُ مبدأ روحي هام ينبغي أن نعرفهُ لكي نفهم كيفَ تسير الأمور في الحرب الروحية.. والأسباب التي تقف وراء الكثير من الحروب والكوارث والمعاناة في هذا الكون، والتي يجهلها أغلب الناس..
والرسول يوحنا يكشف لنا القناع عندما يقول:
" ليس كما كانَ قايين من الشرير وذَبَحَ أخاه... " (رسالة يوحنا الأولى 3 : 12).
ذَبْح.. وقَتْل قايين لأخيه هابيل كانَ من الشرير.. من إبليس..
نعم.. نُطيع إبليس.. فنُصبِح عبيدًا لهُ.. للخطيئة.. للموت..
ونُطيع الرب..فنُصبح عبيدًا لهُ.. للحياة.. للبر..
والرب يسوع ذهبَ خطوة أبعد من هذا الكلام.. لكي يُوضحهُ لنا بطريقة لا تقبل الجدل، ويُحذِّرنا من نتائجه المُدمِّرة لأنَّهُ يُحبّنا، وقد سبقَ وذكرنا كلامهُ في بداية هذا الفصل، لكن نظرًا لأهمية هذا المبدأ الروحي، فمن المُفيد إعادة إلقاء الضوء على ما قالهُ الرب:
" ولكنكم الآن تطلبون أن تقتلوني، وأنا إنسان قد كلَّمكم بالحق الذي سمعه من الله... أنتم تعملون أعمال أبيكم. فقالوا لهُ: إننا لم نولد من زنى، لنا أب واحد وهو الله، فقالَ لهم يسوع: لو كانَ الله أباكم لكنتم تحبونني، لأني خرجت من قِبَل الله وأتيت... أنتم من أب هوَ إبليس، وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا، ذاك كانَ قتَّالاً للناس من البدء، ولم يثبت في الحق، لأنَّه ليسَ فيه حق... " (إنجيل يوحنا 8 : 40 – 44).
ليسَ الإنسان عبدًا لمن يطيعهُ فحسب.. بل هوَ ٱبنًا لهُ.. يحمل في داخله صفات أبيه.. وهذا الأب إبليس قالَ عنهُ الرب أنَّهُ قتَّال للناس من البدء.. وعندما أطاعهُ آدم في جنَّة عدن.. أصبحَ عبدًا لهُ.. لا بل ٱبنًا لهُ..
بالطبع ليسَ ٱبنًا بالمعنى الحرفي.. فإبليس لم يُنجب آدم ولا يُمكنهُ إنجاب أولاد..
لكن ٱبنًا بالتصرفات وتبنِّي مواقف إبليس وتنفيذ رغباته وشهواته..
أصبح يُشبه إبليس بالتصرُّف وبالشهوات وبالطباع.. وهكذا ٱنتقلت شهوات إبليس بما فيها القتل إلى آدم ونسله من بعده.. وقايين الذي كانَ من الشرير واحد من هذا النسل !!!
حقيقة مرَّة.. لكنها في النهاية حقيقة ينبغي مواجهتها كما هيَ..
فإمَّا تكون ٱبنًا لله.. وإمَّا تكون ٱبنًا لإبليس.. ولا توجد بُنوَّة أُخرى !!!
ٱبنًا لله تحمل صفاته ولديك شهواته.. تُطيعه للحياة للبر.. وتصرفاتك تعكس هذه البنوَّة..
أو ٱبنًا لإبليس تحمل صفاته ولديك شهواته.. تُطيعه للخطيئة للموت.. وتصرفاتك تعكس هذه البنوَّة أيضًا..
ولا أُريدك أن تنزعج أو أن تنجرح من هذا الكلام.. فليسَ ذلكَ هدفي قطعًا.. بل إنَّ هدفي هوَ كشف الحقائق المُستترة لكي أُساعدك.. وأجعلك تلمس لمس اليد، وتكتشف الأسباب الحقيقية التي تقف وراء نزعة وميل الإنسان إلى ﭐرتكاب الخطايا والشرور، لكي تتعامل معها وتتحرَّر منها، وتغدو ﭐبنًا لله، تحمل صفاته، وتسلك في طرقه، عوضًا عن تضييع الوقت في مواجهة الأسباب المُزيَّفة والوهمية، والتي لن تأتي بنتيجة تُريحك وتحل مشاكلك، وهذا ما يُريده الشيطان بالتحديد..
فاليهود حينها، شعب الله الذين دُعيَ ﭐسمهُ عليهم كما تؤكِّد لنا الكلمة، ﭐنزعجوا من الرب، عندما واجههم بهذه الحقيقة، وقالوا لهُ:
" إننا لم نولد من زنى، لنا أب واحد وهو الله ".
لكنَّ الرب، وبالرغم من محبته غير المشروطة، وقلبه الوديع، ونعمته الفيَّاضة، قالَ لهم:
" لو كانَ الله أباكم لكنتم تحبونني، لأني خرجت من قِبَل الله وأتيت... أنتم من أب هوَ إبليس، وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا ".
قالَ لهم ذلكَ الكلام، لأنَّ محبتهُ لهم، لم تكن مُجرَّد مشاعر، بل كانت محبة حقيقية، هدفها الأساسي أن تفضح تزييف العدو، وتُنجِّي ذلكَ الشعب من قبضته..
وإن كنَّا نُحب الرب، ونكره الشيطان، ينبغي أن تكون محبتنا للرب حقيقية وعملية، والبرهان على محبتنا للرب يسوع، أو البرهان على بُنوَّتك لله، ليست المشاعر التي تحملها في قلبك أو العبارات التي تُطلقها، كما يدَّعي الكثيرون قائلين:
نحنُ نؤمن بالله ونحبه..
لأنَّ الرسول يعقوب قالَ كلامًا كبيرًا وجريئًا وقد تراه قاسيًا، لكن هدفهُ كان أن يهز الناس لكي يجعلهم يُدركون الحقيقة قبلَ فوات الآوان لكي يفلتوا من قبضة إبليس وخداعه:
" أنتَ تؤمن أنَّ الله واحد؟ حسنا تفعل، والشياطين يؤمنون ويقشعرون، ولكن هل تريد أن تعلم أيها الإنسان الباطل أنَّ الإيمان بدون أعمال ميت " (رسالة يعقوب 2 : 19 – 20).
لذا ينبغي أن يتخطَّى إيمانك بالرب ومحبتك لهُ المشاعر والعبارات المنطوقة، ليكون إيمانًا عاملاً ومحبةً عملية، لأنَّ من يُحب الرب يحفظ وصاياه المُدوَّنة في الكتاب المُقدَّس ويعمل بها.. هكذا تفحص نفسك وتحكم إن كنتَ تحب الله وتؤمن بهِ أم لا..
وهكذا تفحص نفسك إن كنتَ ٱبنًا لله أو لإبليس !!!
لأنَّ الرب لا يقبل بأن يكون أحد على الحياد إذ قال:
" من ليسَ معي فهوَ عليَّ، ومن لا يجمع معي فهوَ يُفرِّق " (إنجيل متى 12 : 30).
لستَ مع الرب كما يريد هوَ.. إيمانك ليسَ عملي.. ومحبتك ليست عملية أي أن تحفظ وصاياه وتعمل بها.. وتسألهُ دائمًا عن توجيهاته لكَ..
إذًا أنتَ ضد الرب.. مع إبليس وفي معسكره.. وشهوات إبليس تُسيطر على حياتك..
إنها كلمة الرب وليست ﭐستنتاجات شخصية ودراسات فلسفية..
وهدفها ليسَ تحقيرك وإهانتك كما سبقَ وذكرت.. بل مساعدتك لكي تأتي إلى الرب وتقف في معسكر القديسين.. لأننا جميعًا وقبلَ أن نعرف الرب معرفة حقيقية وعملية، كنَّا في معسكر الشيطان.. إن أدركنا ذلكَ أم لا !!!
والأرجح أن أغلب الناس.. وقسم من المؤمنين بينَ الحين والآخر.. يسيرون مع إبليس ليسَ عن دراية وسابق تصّور وتصميم.. بل عن جهل وعدم دراية، لقد نجحَ إبليس في خداعهم دون أن يدروا.. ولهذا جاءَ هذا الكتاب لكي يفتح عينيك التي أعماها إبليس:
" الذين فيهم إله هذا الدهر (أي إبليس) قد أعمى أذهان غير المؤمنين لئلا تُضيء لهم إنارة إنجيل مجد المسيح الذي هو صورة الله " (رسالة كورنثوس الثانية 4 : 4).
شهوات أبيكم تريدون أن تعملوا، ذاك كانَ قتَّالاً للناس من البدء، ولم يثبت في الحق، لأنَّه ليسَ فيه حق...
من هنا جاءت شهوة القتل لدى قايين.. من أبيه إبليس..
والرسول يعقوب في العهد الجديد يؤكِّد لنا هذه الحقيقة الدامغة عندما يقول:
" من أينَ الحروب والخصومات بينكم؟ أليسـت من هنا، من لذّاتكم المُحاربة فـي أعضائكم " (رسالة يعقوب 4 : 1).
وقَتَلَ قايين هابيل.. لا بل قتلَ إبليس هابيل..