المحطَّة الثالثة:
" وقال الرب لأبرام: إذهب من أرضك، ومن عشيرتك، ومن بيت أبيك، إلى الأرض التي أُريك، فأجعلك أُمَّة عظيمة وأُباركك وأُعظِّم ٱسمك وتكون بركة، وأُبارك مباركيك، ولاعنك ألعنه، وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض، فذهب أبرام كما قال لهُ الرب ".
(سفر التكوين 12 : 1 – 4).
ٱختارَ الله أبرام.. ودعاه ووعدهُ أنَّهُ سيُقيم منهُ أُمَّة عظيمة، وستتبارك فيه جميع قبائل الأرض..
لماذا أبرام الذي أصبحَ ٱسمهُ إبراهيم فيما بعد، وليسَ أحد آخر سواه؟
وهل عند الله محاباة أو تمييز بينَ الناس؟
بالطبع لا.. فالبرغم من أنَّ أحكامه غير قابلة للتفحُّص بأذهاننا المحدودة.. لكنَّ الكتاب المُقدَّس أعلنَ لنا الكثير عن شخصية إبراهيم، التي جعلت الله يختاره ليُقيم منهُ نسلاً مُباركًا، يأتي منهُ الرب يسوع المسيح حسب الجسد فيما بعد..
فمجرَّد أن طلب الله من إبراهيم أن يترك أرضهُ وعشيرته وبيت أبيه، حتى أطاعهُ وٱرتحلَ، وهوَ لا يعلم أين يأتي..
وماذا نقول عن إبراهيم عندما طلب الله منهُ أن يُقدِّم ٱبنهُ إسحاق ذبيحة؟
لم يتردَّد لحظة واحدة عن تنفيذ أمر الله.. مُبديًا طاعةً قلَّ نظيرها حتى لا نقول:
لا يوجد نظيرها !!!
" وحدثَ بعد هذه الأمور أنَّ الله ٱمتحنَ إبراهيم، فقال لهُ: يا إبراهيم، فقالَ: هأنذا، فقالَ خُذ ٱبنك وحيدك الذي تُحبه إسحاق وٱذهب إلى أرض المريَّا وأصعده هناك مُحرقة على أحد الجبال الذي أقول لكَ. فبكّّرَ إبراهيم صباحًا وشدَّ على حماره وأخذَ ٱثنين من غلمانه معهُ وإسحاق ٱبنه وشقَّقَ حطبًا لمحرقة، وقامَ وذهب إلى الموضع الذي قالَ لهُ الله... ثمَّ مدَّ إبراهيم يده وأخذَ السكين ليذبح ٱبنهُ... ونادى ملاك الرب إبراهيم ثانيةً من السماء وقال: بذاتي أقسمت يقول الرب، إنِّي من أجل أنَّكَ فعلتَ هذا الأمر، ولم تُمسك ﭐبنك وحيدك، أُباركك مباركة، وأكثر نسلك تكثيرًا كنجوم السماء وكالرمل الذي على شاطئ البحر، ويرث نسلك باب أعدائه، ويتبارك في نسلك جميع أُمم الأرض، من أجل أنَّكَ سمعت لقولي " (سفر التكوين 22 : 1 – 18).
لأنَّكَ لم تُمسك ﭐبنك وحيدك عنِّي.. ومن أجل أنَّكَ سمعت لقولي..
هكذا يختار الله..
وهؤلاء هُم من يختارهم الله..
وليست ٱختياراته ٱعتباطية..
وليسَ عندهُ محاباة أو تمييز !!!
فأجعلك أُمَّة عظيمة وأُباركك..
لكــن...
" وكانت ساراي عاقرًا ليسَ لها ولد " (سفر التكوين 11 : 30).
كانت زوجتهُ عاقرًا فكيف تأتي الأمَّة؟
كيفَ تأتي المرأة العتيدة أن تلد؟
خطة الله لم ولن تكون أبدًا العقم للناس.. وهذا ما تؤكِّدهُ كلمته:
" وباركهم الله (بارك آدم وحواء) وقال لهم: أثمروا وتكاثروا وٱملأوا الأرض... ".
(سفر التكوين 1 : 28).
وعندما محا الله الإنسان عن وجه الأرض بسبب شروره كما ذكرنا في قصة نوح، نقرأ مجدَّدًا ما قاله الله لنوح وبنيه:
" وباركَ الله نوحًا وبنيه وقال لهم: أثمروا وتكاثروا وٱملأوا الأرض " (سفر التكوين 9 : 1).
" لا تكون مُسقطة ولا عاقر في أرضك... " (سفر الخروج 23 : 26).
" ... لا يكون عقيم ولا عاقر فيك ولا في بهائمك " (سفر التثنية 7 : 14).
هذا هوَ قصد الله.. ودائمًا قصدَ الله هوَ ما تُعلنهُ كلمتهُ، وليسَ ما يُخبرنا الآخرون عنهُ، وليست ٱختباراتنا الشخصية حتَّى، فقد يكون هناك ألف سبب وسبب لهذا العقم أو لهذا المرض أو لهذه المعاناة أو...
لكن ليسَ واحدٌ منها يأتي من هذا الإله الصالح !!!
إذًا لماذا كانت سارة أو ساراي عاقرًا؟
إنها نتائج ما حصلَ في جنَّة عدن.. نتائج العصيان والخطيئة.. نتائج خضوع آدم لإبليس وتحالفه معهُ.. نتائج خطة إبليس وحربه على خليقة الله.. ولا يوجد سبب آخر قطعًا !!!
وعد بأمَّة عظيمة.. نسل كنجوم السماء ورمل الشاطئ..
لكن بالمقابل زوجة عاقر..
والله يُكرِّر الوعد لإبراهيم..
لكن عدم الإيمان يقف عقبة في وجه تحقيق ذلكَ الوعد.. وما أخطر عدم الإيمان يا أحبائي.. إن كان في علاقتنا مع الله.. وإن كانَ في حربنا مع إبليس أو حربه علينا..
ونسمع إبراهيم يقول لله:
" أيها السيد الرب ماذا تُعطيني وأنا ماضٍ عقيمًا ومالِك بيتي هو ألِعازر الدمشقي (خادمه)، وقال أبرام أيضًا: إنك لم تُعطني نسلاً، وهوذا ٱبنُ بيتي وارث لي، لكنَّ الله قالَ لهُ:
" لا يرثك هذا، بل الذي يخرج من صلبك من أحشائك من جسدك هو يرثك، ثم أخرجهُ إلى خارج وقال: ٱنظر إلى السماء وعدّ النجوم إن ٱستطعت أن تعدَّها، وقالَ له: هكذا يكون نسلك، فآمنَ (أبرام) بالرب فحسبه لهُ برًّا " (سفر التكوين 15 : 2 – 6).
وتأخَّرَ الله في تنفيذ وعدهُ لإبراهيم وساراي.. وفقًا لرأي ساراي..
لأنَّ الله لا يتأخَّر أبدًا.. لكن لهُ توقيتاته الدقيقة مئة بالمئة..
فحاولت ساراي مساعدة الله في تنفيذ وعده، وها هيَ تقترح على إبراهيم أن يدخل على جاريتها " هاجر " لكي تأتي منها الأمَّة العظيمة.. وإبراهيم يسمع لكلام الزوجة.. ناسيًا ما قالهُ الله لهُ:
" ... بل الذي يخرج من صلبك من أحشائك من جسدك هو يرثك " (سفر التكوين 15 : 4).
وهنا قد تقول لي: لكن إسماعيل خرج من جسد إبراهيم.. فأينَ هوَ المشكل؟
لا.. لأنَّ جسد إبراهيم لم يعد مُستقلاً عن جسد سارة أبدًا، فالله قال:
" لذلكَ يترك الرجل أباه وأمّه ويلتصق بٱمرأته، ويكونان جسدًا واحدًا ".
(سفر التكوين 2 : 24).
فجسد إبراهيم وأحشاؤه اللذان ستخرج منهما الأمَّة العظيمة، المرأة العتيدة أن تلد..
هوَ جسد إبراهيم وسارة مُتَّحدين..
وسارة وليست هاجر ستكون والدة الأمَّة العظيمة، والله يؤكِّد ما نقولهُ هنا، فالبرغم من إلحاح إبراهيم قائلاً لله:
" ليتَ إسماعيل يعيش أمامك ".
قالَ لهُ الله:
" بل سارة زوجتك تلد لك ٱبنًا وتدعو ٱسمهُ إسحاق، وأُقيم عهدي معهُ، عهدًا أبديًا لنسله من بعده... ولكن عهدي أُقيمه مع إسحاق الذي تلدهُ لكَ سارة في هذا الوقت في السنة الآتية " (سفر التكوين 17 : 18 – 21).
وٱفتقدَ الله سارة.. وولدت إسحاق في الوقت الذي عيَّنهُ الله..
ربحَ إبراهيم وسارة الحرب.. والمرأة العتيدة أن تلد.. ٱقتربت جدًّا من المجيء..
لماذ كل هذا الشرح.. وماذا سنتعلَّم من كل هذا؟
لم تذكر لنا الكلمة هنا أي دور مباشر أو ظاهر لإبليس.. بل نرى أنَّ تشكيك إبراهيم وسارة بوعد الله وعدم ٱنتظارهما الله لتحقيق وعده، قد جعلهما في البداية يُنجبان إسماعيل، لكن لا أريد أن يفوتك دور إبليس الخفي في هذه الحادثة.. دوره في تشكيك المؤمنين بوعود الله، فهو دائمًا يُهاجم أذهاننا بأفكار الشك وعدم الصبر وعدم الإيمان، لكي يحاول تفشيل تحقيق وعود الله لنا، لأنَّهُ يعلم أنَّهُ دون إيمان لا يُمكن إرضاء الله..
ما أخطر عدم الإيمان وعدم ٱنتظار الله لتحقيق وعوده لنا..
وما أخطر الاتكال على ذراعنا البشرية وعلى حكمتنا البشرية لتحقيق خطَّة الله في حياتنا..
لم تؤمن سارة بوعد الله ولم تنتظره.. ممَّا دفعها لحث إبراهيم على الإنجاب من هاجر جاريتها، وكم كانت النتائج مُدمِّرة..
الله وعدَ إبراهيم بنسل كنجوم السماء..
لكن سارة عاقر..
لا بأس.. فالمهم أن يأتي النسل.. فلنجد طريقة أخرى.. طريقة للإنجاب دون سارة..
هاجر.. إسماعيل.. ونسل كنجوم السماء..
النسل سيأتي من إسماعيل.. والمشكلة وجدت حلاًّ لها..
لكن.. لننتبه.. لأنَّهُ سيكون نسلاً مُزيَّفًا.. نسلاً لن يأتي منهُ أبدًا من سيسحق رأس الشيطان كما وعدَ الله.. لأنَّ الله قالَ لإبراهيم:
سارة.. إسحاق.. ونسل كنجوم السماء.. وليسَ هاجر.. إسماعيل..
وما حصلَ مع إبراهيم وسارة قد يحصل معك أنتَ أيضًا..
إبليس سيُحاول تعطيلك، جعلك عاقرًا لا يمكنك تحقيق شيء.. وعندما لا ينجح، إذ تتلقَّى وعدًا من الله بالإثمار.. فسيُحاربك لكي تشك بوعود الله.. ولا تنتظر توقيتاته، بل سيدفعك لكي تتسرَّع وتُنجب نسلاً مُزيَّفًا كما إبراهيم وهاجر.. نسلاً قد يكون أكثر ضررًا من العقم وعدم الإنجاب.. فكُن حذرًا !!!
ونتعلَّم ثانيًا أنَّ إبراهيم وسارة.. تعلَّما الدرس.. وغلبا كل ما ﭐعترضهما لتحقيق وعد الله.. غلبا بإيمانهما.. وهذا ما ذكرناه سابقًا.. عندما قلنا إننا نغلب بإيماننا:
" أكتب إليكم أيها الأحداث لأنكم قد غلبتم الشرير... كتبتُ إليكم أيها الأحداث لأنكم أقوياء وكلمة الله ثابتة فيكم وقد غلبتم الشرير... لأنَّ كل من وُلِدَ من الله يغلب العالم، وهذه هي الغلبة التي تغلب العالم إيماننا " (رسالة يوحنا الأولى 2 : 13 – 14، 5 : 4).
يتوجَّه الرسول يوحنا إلى الأحداث في الإيمان وليسَ إلى الكبار في الإيمان.. ويقول لهم أنتم تستطيعون أن تغلبوا الشرير بإيمانكم.. فمهما كان عمرك في الإيمان تستطيع أن تغلب الشك والشرير بهذا الإيمان..
وٱقرأ معي ما دوَّنهُ لنا العهد الجديد أي بعد حوالي ألفي سنة من رحيل إبراهيم وسارة، لكي تتعزَّى وتتشجَّع وتتعلم كيفَ تُحارب:
" كما هو مكتوب أني قد جعلتك أبًا لأمم كثيرة، أمام الله الذي آمن بهِ، الذي يُحيي الموتى ويدعو الأشياء غير الموجودة كأنها موجودة، فهوَ على خلاف الرجاء آمن على الرجاء، لكي يصير أبًا لأمم كثيرة كما قيل: هكذا يكون نسلك، وإذ لم يكن ضعيفًا في الإيمان، لم يعتبر جسده وهو قد صار مماتًا، إذ كانَ ٱبن نحو مئة سنة، ولا مماتية مستودع سارة، ولا بعدم إيمان ٱرتابَ في وعد الله، بل تقوَّى بالإيمان مُعطيًا مجدًا لله، وتيقَّنَ أنَّ ما وعدَ به، هوَ قادرٌ أن يفعلهُ أيضًا " (رسالة رومية 4 : 17 – 21).
" بالإيمان سارة نفسها أيضًا (نعم سارة نفسها، أي تلكَ المرأة التي لم تكن تؤمن، وضحكت عندما وعدها الرب بالإنجاب) أخذت قدرة على إنشاء نسل، فولدت ٱبنًا مع أنَّها جاوزت سن الحمل. وذلكَ لأنها آمنت بأنَّ الله، الذي وعدها بذلكَ، لا بُدَّ أن يُحقِّق وعدهُ. وهكذا وُلِدَ من إبراهيم، وقد كانَ ميتًا من حيث القدرة على الإنجاب، شعبٌ كبيرٌ كنجوم السماء عددًا، وكالرمل الذي على شطِّ البحر لا يُحصى... وبالإيمان، إبراهيم أيضًا، لمَّا ٱمتحنهُ الله، قدَّم إسحاق ٱبنهُ. فإنَّهُ، إذ قَبِلَ وعودَ الله، قدَّمَ ٱبنهُ الوحيد ذبيحة، مع أنَّ الله قالَ لهُ: بإسحاق سوفَ يكون لكَ نسلٌ يحمل ٱسمكَ. فقد آمنَ إبراهيم بأنَّ الله قادرٌ على إقامة إسحاق من الموت. والواقع أنَّ إبراهيم ٱستعادَ ٱبنهُ من الموت، على سبيل المثال أو الرمز ".
(رسالة العبرانيين 11 : 11 – 19).
قال إبراهيم:
1 – لقد وعدني الله.. وإن كانَ ما وعدني بهِ ما زالَ غير موجودٍ في العيان والمنظور.. لا بأس فالله يُحيي الموتى ويدعو غير الموجود إلى الوجود..
2 – لا رجاء.. لا ظروف توحي بأنني سأنُجب.. جسدي وجسد زوجتي قد ماتا.. لا بأس.. فليقف الكون كلَّهُ ضد ما يقولهُ الله.. فأنا مُتيقِّن أنَّ الله قادر أن يفعل ما وعدَ به..
3 – من إسحاق سيقيم النسل الموعود.. وها هوَ يطلب مني أن أقدمه ذبيحة لهُ.. لا بأس.. فأنا مُتيقِّن أيضًا بأنَّهُ قادر أن يُقيمه من الموت..
أي أرواح شريرة وأي مملكة ظلمة وأي حروب وأي أفكار تشكيك.. تستطيع أن تصمد في وجه هكذا إيمان..
حاربوا إبراهيم كثيرًا.. لكنهم لم يقدروا عليه..
فَسُرَّ الله بأن يُقال لهُ على صفحات الكتاب المُقدَّس: إله إبراهيم !!!
هذا هوَ سلاح الايمان..
1 – لم ترَ عينك ولم تلمس يدك دم الرب يسوع المسيح، لكنك تثق بحمايته وتثق بقوته في مواجهة إبليس وأجناده..
2 – لم ترَ عينك ولم تلمس يدك قوة ٱسم الرب يسوع المسيح، لكنك تثق بقوة هذا الاسم في وجه مملكة الظلمة كلها..
3 - ترى كل الظروف مُعاكسة.. وترى كل الأمور على عكس الرجاء.. لا بل ترى أمورًا قد مضت أو ماتت.. لكنكَ تثق بأن الذي وعدك أمين وقادر أن يُنفِّذ ما وعدَ بهِ..
فتلمس وترى ما آمنتَ بهِ..
هذا هوَ الإيمان، وهذا هوَ سلاح الإيمان، والغلبة للذين يؤمنون..
نعم.. يغلبون الشرير وكل قواته..
وهؤلاء هُمْ من قال الرب يسوع عنهم:
" طوبى وهنيئًا للذين آمنوا ولم يروا ".
وَوُلِدَ إسحاق.. وإسحاق ولدَ يعقوب.. ووسط حروب شرسة وعنيفة دوَّنها لنا الكتاب المُقدَّس.. ولدَ يعقوب الإثني عشر.. الذين جاء الشعب منهم.. الأمَّة التي وعد الله بها إبراهيم.. المرأة العتيدة أن تلد ولدًا ذكرًا.. أسد يهوذا.. الذي سيسحق رأس إبليس..
وتعرَّض ذلكَ الشعب لمجاعة كادت تقتلهُ (سفر التكوين 42 : 1 -2).
لكنَّ الرب كان قد أقام يوسف ٱبن يعقوب واليًا عظيمًا على كل أرض مصر.. هذا الابن الذي حاول إخوته قتله، ومن ثمَّ رموه في البئر.. هذا الابن الذي قال:
" أنتم قصدتم لي شرًّا، أمَّا الله فقصدَ بهِ خيرًا لكي يفعل كما اليوم، ليُحيي شعبًا كثيرًا ". (سفر التكوين 50 : 20).
ونجا الشعب من الموت في المجاعة.. وتوالدوا وتكاثروا وعظموا جدًّا حتىَّ ٱكتظت بهم الأرض.. أرض مصر.. (سفر الخروج 1 : 7).