وكَثُر شر الإنسان
     
 

المحطة الثانية:

وفي هذه المحطة الثانية لا نستطيع القول إنَّها كانت حربًا مباشرة من إبليس، لأنَّ الكلمة لا تذكر ذلكَ بالتحديد، بل كانت بسبب شر الإنسان، لكنها بالطبع من نتائج عمل إبليس في جنَّة عدن، وتجاوب الإنسان معهُ، لكنَّها في النهاية تصبّ في مصلحة الشيطان ومُخطَّطه لقتل البشرية جمعاء، فلنتعلَّم منها..

" ورأى الرب أنَّ شر الإنسان قد كَثُرَ في الإرض، وأنَّ كل تصوُّر أفكار قلبه إنما هو شرِّير كل يوم، فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض، وتأسَّفَ في قلبه، فقال الرب: أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقته، الإنسان مع بهائم ودبابات وطيور السماء، لأني حزنت أني عملتهم، وأمَّا نوح فوجد نعمة في عيني الرب... كانَ نوح رجلاً بارًّا كاملاً في أجياله، وسار نوح مع الله، وولدَ نوح ثلاثة بنين، سامًا وحامًا ويافث، وفسدت الأرض أمام الله، وٱمتلأت الأرض ظلمًا، ورأى الله الأرض فإذا هيَ قد فسدت، إذ كانَ كل بشر قد أفسدَ طريقه على الأرض، فقالَ الله لنوح: نهاية كل بشر قد أتت أمامي، لأنَّ الأرض ٱمتلأت ظلمًا منهم، فها أنا مهلكهم مع الأرض، إصنع لنفسك فلكًا من خشب جفر... فها أنا آتٍ بطوفان الماء على الأرض، لأُهلك كل جسد فيه روح حياة من تحت السماء، كل ما في الأرض يموت، ولكن أُقيم عهدي معك، فتدخل الفلك أنتَ وبنوك وٱمرأتك ونساء بنيك معك، ومن كل حيّ من كل ذي جسد ٱثنين من كلّ تُدخل إلى الفلك لاستبقائها معك، تكون ذكرًا وأُنثى... وقال الرب لنوح: أُدخل أنتَ وجميع بيتك إلى الفلك، لأنِّي إياك رأيت بارًّا لديَّ في هذا الجيل... ففعل نوح حسب كل ما أمرهُ به الرب... في سنة ست مئة من حياة نوح في الشهر الثاني في اليوم السابع عشر من الشهر، في ذلكَ اليوم، ٱنفجرت كل ينابيع الغمر العظيم وٱنفتحت طاقات السماء... وتعاظمت المياه كثيرًا جدًّا على الأرض، فتغطَّت جميع الجبال الشامخة التي تحت كل السماء... فماتَ كل ذي جسد كان يدبّ على الأرض من الطيور والبهائم والوحوش وكل الزحّافات التي كانت تزحف على الأرض وجميع الناس، كل ما في أنفه نسمة روح حياة من كل ما في اليابسة مات. فمحا الله كل قائم كانَ على وجه الأرض، الناس والبهائم والدبّابات وطيور السماء، فٱنمحت من الأرض، وتبقَّى نوح والذين معه في الفلك فقط، وتعاظمت المياه على الأرض مئة وخمسين يومًا، ثمَّ ذكرَ الله نوحًا وكل الوحوش وكل البهائم التي معه في الفلك، وأجازَ الله ريحًا على الأرض فهدأت المياه، وٱنسدّت ينابيع الغمر وطاقات السماء، فٱمتنع المطر من السماء... فخرج نوح وبنوه وٱمرأته ونساء بنيه معه، وكل الحيوانات، كل الدبابات وكل الطيور، كل ما يدبّ على الأرض كأنواعها خرجت من الفلك، وبنى نوح مذبحًا للرب، وأخذَ من كل البهائم الطاهرة ومن كل الطيور الطاهرة، وأصعدَ محرقات على المذبح، فتنسَّمَ الرب رائحة الرضى، وقال الرب في قلبه: لا أعود ألعن الأرض أيضًا من أجل الإنسان، لأنَّ تصوّر قلب الإنسان شرير منذُ حداثته، ولا أعود أيضًا أُميت كل حيّ كما فعلت... وبارك الله نوحًا وبنيه، وقال لهم: أثمروا وأكثروا وٱملأوا الأرض (من جديد.. replenish )، ولتكن خشيتكم ورهبتكم على كل حيوانات الأرض وكل طيور السماء، مع كل ما يدبّ على الأرض وكل أسماك البحر قد دُفِعَتْ إلى أيديكم ".
(سفر التكوين 6 : 5 – 9 : 2).

محطَّة هامة.. ومقطع غني بالحقائق الروحية..
لا يُمكن المرور عليه مرور الكرام، بل ينبغي التأمُّل فيه بدقَّة..

كانَ ضروريًا ومُفيدًا جدًّا أن أُخبرك كيف ٱنتقلت شهوة القتل من إبليس إلى قايين وإلى البشرية جمعاء، لأنَّ ما ينسحب على شهوة القتل ينسحب على باقي شهوات إبليس التي ٱنتقلت إلى الإنسان من ضمن المبدأ نفسه..

إنها الخطيئة بكل بشاعتها وفظاعتها ونتائجها المُدمِّرة.. إنَّهُ الموت الذي ٱجتازَ إلى كل الناس.. إذ إنَّ الجميع أخطأوا.. وأصبحت لديهم شهوات إبليس الشنيعة، ولعلَّ رسالة رومية في العهد الجديد توضح لنا أكثر:
" من أجل ذلكَ كأنما بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم، وبالخطيئة الموت، وهكذا ٱجتازَ الموت إلى جميع الناس، إذ أخطأَ الجميع " (رسالة رومية 5 : 12).

نعم.. أطاعَ آدم الشيطان.. وأصبح عبدًا لمن أطاعهُ كما ذكرنا.. وٱنتقلت شهوات إبليس إلى آدم.. ومن خلال آدم دخلت الخطيئة وشهوات إبليس إلى العالم الذي لم يكن فيه خطيئة.. والجميع بدأَ يُخطئ.. وخلال مدة لم تكن بطويلة..
رأى الرب أنَّ شر الإنسان قد كَثُرَ في الإرض، وأنَّ كل تصوُّر أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم.. وها هوَ عدل الله وقداسته يُعلنان أنَّ نهاية كل بشر قد أتت أمام الله، لأنَّ الأرض ٱمتلأت ظلمًا منهم، والله يقول:
ها أنا مُهلكهم مع الأرض..

وها هوَ إبليس للوهلة الأولى يعتقد أنَّهُ يقترب من تنفيذ ما يشتهيه ويحلم بهِ..
فناء البشرية.. وتراجُع الله عن تنفيذ خطته بمجيء من يسحق رأسه..
لكــــن.. تُكمل كلمة الله لتقول:
وأمَّا نوح فوجد نعمة في عيني الرب...
كانَ نوح رجلاً بارًّا كاملاً في أجياله، وسار نوح مع الله..
وبعدَ أن محا الله كل قائم كانَ على وجه الأرض، الناس والبهائم والدبّابات وطيور السماء، وأبقى على نوح وعائلته والحيوانات التي ٱصطحبها معهُ في الفلك، نقرأ هذا الكلام المُلفت للنظر:
" وقال الرب في قلبه: لا أعود ألعن الأرض أيضًا من أجل الإنسان، لأنَّ تصوّر قلب الإنسان شرير منذُ حداثته، ولا أعود أيضًا أُميت كل حيّ كما فعلت ".

ويبقى السؤال لماذا؟
طالما أنَّ هذا المقطع ما زالَ يُعلن لنا أنَّ تصوُّر قلب الإنسان شرير؟

الجواب في هذا المقطع الهامّ:
" وبنى نوح مذبحًا للرب، وأخذَ من كل البهائم الطاهرة ومن كل الطيور الطاهرة، وأصعدَ محرقات على المذبح، فتنسَّمَ الرب رائحة الرضى وقال الرب في قلبه: لا أعود ألعن الأرض أيضًا من أجل الإنسان، لأنَّ تصوُّر قلب الإنسان شرير منذُ حداثته، ولا أعود أيضًا أُميت كل حيّ كما فعلت ".

وبنى نوح مذبحًا للرب.. وأصعدَ عليه محرقات..
فتنسَّمَ الرب رائحة الرّضى !!!

لم يذكر لنا الكتاب المُقدَّس قبلَ هذا المقطع أن أحدًا أصعدَ محرقات لله..
سوى أنَّ هابيل قدَّم لله من أبكار غنمه..

لكن نوح كانَ مُختلفًا.. وجدَ نعمة في عيني الله.. لأنَّهُ كانَ رجلاً بارًّا كاملاً في أجياله.. وأنا هنا أعتقد.. أنَّ نوح فَهِمَ خطَّة الله لفداء وإصلاح ما أفسدهُ الشيطان وآدم..
أو أنَّ الله أوحى لهُ بتلكَ الخطَّة..

ففهِمَ أنَّ البر أو الصلاح لن يأتيا من صنيعة أيدي بشر كل تصوُّر قلوبهم شرير.. فَهِمَ أن حكم الموت صدر على البشرية جمعاء.. ولن يتغيَّر.. وكما سبقَ وذكرنا ينبغي أن يموت أحد ما عن هذه البشرية.. فصنعَ مذبحًا للرب وأصعدَ عليه ذبائح من الحيوانات..

سفكَ دمها.. فتنسَّمَ الرب رائحة الرضى.. ولهذا قال:
لا أعود ألعن الأرض أيضًا من أجل الإنسان..
ولا أعود أيضًا أُميت كل حيّ كما فعلت.

ما زالت الشرور موجودة.. وستستمر.. وهذا أمر ما زلنا نعيشه حتَّى يومنا هذا..
وما زالَ عدل الله وقداسته يُطالبان بالموت للذين يُخطئون..
ولهذا ماتت.. ذُبحت الحيوانات.. عوضًا عن الناس..
فغطَّت دماؤها تلكَ الشرور وتلكَ الخطايا، وحجبتهما عن عيني الله..
فتنسَّمَ الرب رائحة الرضى !!!
كما أرى أنَّ نوح فهم أحد أهم مبادئ الحرب الروحية، وهوَ مواجهة إبليس بدم الذبائح التي ترمز لدم الرب يسوع.. وتمكَّن من هزمه.. وسفر الرؤيا يؤكِّد فعالية هذا السلاح في وجه عدونا إبليس عندما يقول:
" وهُمْ (أي المؤمنين أولاد الله) غلبوه (لإبليس) بدم الخروف (أي الرب يسوع المسيح)... ".
(سفر الرؤيا 12 : 11).

نعم.. ليست أحكام الله ٱعتباطية.. فمرَّة يُقرِّر أن يمحو الإنسان عن الأرض.. ومرَّة أُخرى يتراجع عن قراره دون سبب.. بل هذا هوَ السبب على ما أعتقد.. ذبائح من الحيوانات ماتت عوضًا عن الإنسان.. لتُمهِّد الطريق للذبيحة الكاملة فيما بعد.. الرب يسوع المسيح الذي فدى كل البشرية وتحمَّلَ العقاب عوضًا عن الإنسان وشروره.. ودم الذبائح الذي يرمز لدم الرب يسوع، يغلب إبليس..
هكذا تعلَّم أن تُحارب أنتَ أيضًا.. ٱحتمِ بدم الرب.. ودع هذا الدم يُطهِّرك من كل خطايا وثغرات موجودة في حياتك.. وواجه بهِ إبليس كسلاح فعَّال يُرعبهُ..

من أينَ جاء نوح بتلكَ الفريضة.. الذبائح؟
لا بد أنَّهُ سمع من أجداده ما فعلهُ الله حين أخطأ آدم وحواء، كيف ذبح الرب حيوانات وٱنتزعَ جلدها وغطَّى بها خطايا آدم وحواء:
" وصنعَ الرب الإله لآدم وٱمرأته أقمصة من جلد وألبسهم " (سفر التكوين 3 : 21).
وسمعَ أيضًا كيفَ رضيَ الرب عن تقدمة هابيل إذ كانت من ذبائح الحيوانات:
" وقدَّمَ هابيـل أيضًا مـن خيرة أبكار غنمهِ وأسمنها. فتقبَّلَ الرب قربان هابيل ورضيَ عنهُ " (سفر التكوين 4 : 4).

ونجحَ نوح في حربه.. وأفسدَ شهوة قلب إبليس.. إذ لم يمحُ الله كل البشرية.. بل أبقى على نوح وعائلته ومنهم أقام نسلاً جديدًا.. ولن يمحو مُجدَّدًا بعد ذلكَ اليوم الإنسان عن وجه الأرض..
دخلت الذبائح على الخط.. دخلَ الدم على الخط.. فهزمَ إبليس..
ونسل المرأة آتٍ لا محالة.. الرب يسوع المسيح آتٍ لا محالة.. وسيسحق رأس إبليس..

 
 
   
عودة إلى الفصل الثاني