لنسترد الأرض.. لكن
     
 

نسترد الأرض.. هذا ما قامَ بهِ شعب الله في العهد القديم، عندما أخرجهم الله على يد موسى، من أرض العبودية.. أرض مصر، وسارَ بهم بٱتجاه أرض كنعان.. أرض الموعد.. وما خاضوه من حروب شرسة لامتلاك تلكَ الأرض..
وهوَ ﭐسترداد حقيقي وفعلي.. وقد حدثَ ذلكَ في التاريخ.. وليسَ أسطورة.
وقد دوَّن لنا الروح القدس تلكَ الأحداث، لكي نتعلَّم منها في العهد الجديد دروسًا روحية..

فالحروب العسكرية التي درات خلال العهد القديم، ترمز إلى الحروب الروحية التي تدور في العهد الجديد.. لأنَّهُ وكما ذكرنا أنَّ حربنا نحن، ليست مع لحم ودم..
بل مع إبليس ومملكته..

والأرض التي ﭐستردها شعب الله في العهد القديم ماديًّا.. ترمز إلى المناطق التي لم تصل بشارة الخلاص إليها في العهد الجديد، أو المناطق التي تعيش في الشر والرذيلة بعيدة عن خطَّة الله.. والتي ينبغي علينا الدخول إليها للكرازة والتبشير فيها، وإقصاء الأرواح الشريرة عن العبث بها..

والأسرى الذين تم تحريرهم جسديًّا في العهد القديم.. يرمزون إلى الناس الذين يأسرهم إبليس حاليًّا في الخطايا والقيود والظلام، ويأبى أن يُطلقهم، لكي يحجب عنهم خلاص الرب والحياة الأبدية، والذين ينبغي علينا تحريرهم وخطفهم من يده..

والغنائم المادية التي غنمها شعب الله في العهد القديم من أعدائهم.. ترمز في العهد الجديد إلى البركات التي منحنا إياها الرب (فرح، سلام، شفاء، تحرير، نصرة، بحبوحة... إلخ)، والتي يُمسِك بها إبليس ليمنع وصولها إلينا.. وهكذا دواليك..
أحببت أن أُوضح لكَ هذه الأمور قبلَ متابعة تأملنا هذا، لكي تكون الأمور واضحة، والمغزى الروحي واضح من كل ما سنستعرضهُ معًا من أحداث الكتاب المُقدَّس..

نريد أن نسترد الأرض.. نسترد النفوس الغالية على قلب الرب، والتي دفعَ ثمنًا لاستردادها دمهُ الثمين على الصليب، كما رأينا سابقًا.. نريد أن ننهب الغنائم التي يحتجزها إبليس..
لكن لكي نقوم بهذه المهمة.. نحتاج إلى القوة.. نحتاج إلى السلطان الذي ينبغي أن نُمارسهُ على إبليس لكي نُرغمهُ على تنفيذ أوامرنا..

فلمن أعطى الله سلطانه عندما خلق الكون كله والبشرية جمعاء؟
وماذا حصلَ لهذا السلطان؟
ولمن السلطان اليوم؟

أسئلة لا بدَّ من الإجابة عليها.. نظرًا لأهميَّة هذا السلطان..
لأنَّ من يمتلك السلطان.. تَكُنْ الغلبة لهُ !!!

أولاً: ما هوَ السلطان؟
السلطان هوَ قوَّة مُفوَّضة من السلطة الحاكمة، لأشخاص مُعيَّنين، بغية السهر على تطبيق وتنفيذ القوانين وحماية المواطنين، من خلال ﭐستخدامهِ في وجه الذين يرفضون الخضوع لهذه القوانين أو الذين يُحاولون إيذاء سلامة المواطنين أو الإخلال بالأمن، حتى لو ﭐضطرهم الأمر إلى ﭐستخدام القوة بكافة أشكالها.

وفي ما خصَّ دراستنا هذه، فنحنُ معنيون بأن نعرف لمن أعطى الله سلطانهُ على هذه الأرض؟
" وقالَ الله: نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا، فيتسلَّطون على سمك البحر، وعلى طير السماء، وعلى البهائم، وعلى كل الأرض... وقال لهم: أثمروا وٱكثروا وٱملأوا الأرض (من جديد) وٱخضعوها وتسلَّطوا على سمك البحر، وعلى طير السماء، وعلى كل حيوان يدبّ على الأرض " (سفر التكوين 1 : 26 – 28).

" فمن هوَ الإنسان حتى تذكرهُ، وٱبن آدم حتى تفتقده، وتنقصه قليلاً عن الملائكة، وبمجد وبهاء تكلله، تُسلِّطهُ على أعمال يديك، جعلتَ كل شيء تحت قدميه، الغنم والبقر جميعًا، وبهائم البر أيضًا، وطيور السماء، وسمك البحر السالك في سبل المياه ".
(المزمور 8 : 4 – 8).

كلام واضح..
الله أعطى السلطان للإنسان الذي خلقهُ على صورته ومثاله..
وجعلَ كل.. كل.. كل شيء تحتَ قدميه..
وعندما عصا آدم على الله.. وتعدَّى العهد.. وطُرِدَ من جنَّة عدن..
لا تذكر لنا كلمة الله بطريقة مباشرة، أنَّهُ فقدَ السلطان..

لكن اللافت النظر أنَّهُ عندما محا الله كل قائم كانَ على وجه الأرض، الناس والبهائم والدبّابات وطيور السماء، كما درسنا معًا في قصة نوح.. وعندما قال الله مُجدَّدًا لنوح وبنيه بأن يتكاثروا ويملأوا الأرض من جديد، نلاحظ أمرًا يدعو للتساؤل فتعالَ ندرسهُ معًا:
" وبارك الله نوحًا وبنيه، وقال لهـم: أثمـروا وأكثـروا وٱملأوا الأرض (من جديد.. replenish )، ولتكن خشيتكم ورهبتكم على كل حيوانات الأرض وكل طيور السماء، مع كل ما يدبّ على الأرض وكل أسماك البحر قد دُفِعَتْ إلى أيديكم ".
(سفر التكوين 9 : 1 - 2).
لتكن " خشيتكم ورهبتكم " فقط.. ولا توجد كلمة سلطتكم أو كلمة تسلَّطوا..
بينما يبدو موضوع السلطان واضحًا عندما خلقَ الله آدم إذا قالَ:
" فيتسلَّطون على سمك البحر، وعلى طير السماء، وعلى البهائم، وعلى كل الأرض... وقال لهم: أثمروا وٱكثروا وٱملأوا الأرض (من جديد) وٱخضعوها وتسلَّطوا على سمك البحر، وعلى طير السماء، وعلى كل حيوان يدبّ على الأرض ".
(سفر التكوين 1 : 26 – 28).

في البداية: تسلطُّوا.. وﭐخضِعوا الأرض.. كل الأرض..
أمَّا لاحقًا بعد سقوط آدم وقصة نوح: لتكن خشيتكم ورهبتكم.. وليست سلطتكم..
ولتكن خشيتكم ورهبتكم على الحيوانات والطيور والأسماك فقط.. ولا توجد كلمة:
" على الأرض " كما في السابق..

مقارنة مُحيِّرة.. ولافتة للنظر..
أينَ ذهبَ السلطان؟
أو لمن ذهبَ السلطان؟

لنقرأ مُجدَّدًا في سفر أيوب آية ذكرناها من قبل، لكنها لافتة النظر:
" صاحب القوَّة ﭐستحوذَ على الأرض... " (سفر أيوب 22 : 8).

ومن هوَ صاحب القوَّة هذا؟
لنذهب معًا إلى البريَّة التي جرَّب إبليس فيها الرب يسوع المسيح، ولنستعرض معًا ما حدثَ حينها:
" ثُمَّ أصعدهُ إبليس إلى جبلٍ عالٍ، وأراه جميع ممالك المسكونة في لحظة من الزمان، وقالَ لهُ إبليس: لكَ أُعطي هذا السلطان كلّه ومجدهنَّ، لأنَّهُ إليَّ قد دُفِعَ، وأنا أُعطيه لمن أُريد، فإن سجدتَ أمامي يكون لكَ الجميع، فأجابهُ يسوع وقال: إذهب يا شيطان، إنَّهُ مكتوب: للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد " (إنجيل لوقا 4 : 5 – 8).
الشيطان كذَّاب وأبو الكذَّاب.. وهذا اللقب أطلقهُ عليه الرب يسوع المسيح شخصيًا:
" ... متى تكلَّم بالكذب، فإنَّما يتكلَّم ممَّا لهُ، لأنَّهُ كذَّاب وأبو الكذَّاب " (إنجيل يوحنا 8 : 44).

لكنَّ الواضح هنا أنَّهُ لم يكن يكذب..
نعم.. للأسف لم يكن يكذب.. فالرب يسوع المسيح لم يقل لهُ أنتَ تكذب.. بل قالَ لهُ: إذهب يا شيطان، إنَّهُ مكتوب، للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد..
لا بل على العكس.. وفي مواقع عدَّة أكَّد الرب بأنَّ إبليس أصبحَ:
" رئيس هذا العالم " :
" الآن دينونة هذا العالم، الآن يُطرح رئيس هذا العالم خارجًا " (إنجيل يوحنا 12 : 31).

إبليس يصرخ على قمة الجبل: ليَ السلطان.. وأنا أُعطيه لمن أشاء..
لأنَّهُ إليَّ قد دُفِعَ !!!

وببساطة مُطلقة.. الله أعطى السلطان لآدم..
لكن عندما عصا آدم الله، وأطاع إبليس وخضعَ لهُ، دَفَعَ لهُ ذلكَ السلطان..
لأننا دومًا سنكون عبيدًا لمن نُطيع !!!

أحبائي: درس آخر.. هام للغاية لا يُمكن أن نتخطَّاه دون أن نلفت النظر إليه.. إبليس كذاب وأبو الكذاب، إذ قالَ للرب: إن سجدتَ لي أُعطيك السلطان.. لأنَّ السجود لإبليس يُفقِد السلطان.. بل يأتي بالعري.. فسجود آدم وحواء لإبليس الذي وعدهما بأن أعينهما ستنفتح، وسيُصبحان كالله إن فعلا ما يطلبهُ منهما.. جعلهما يُبصران شيئًا واحدًا عندما ﭐنفتحت أعينمها:
أنهما عريانان !!!
" فٱنفتحت أعينهما، وعلما أنهما عريانان " (سفر التكوين 3 : 7).

إياك أن تُصدِّق إبليس وتُنفِّذ ما يطلبهُ منك، مهما كان صغيرًا أم كبيرًا..
لأنَّهُ سيُعرِّيك.. ومن ثمَّ سيذلَّك وسيُجرِّحك وسيؤذيك..
للرب وحدهُ تسجد.. وإياه وحدهُ تعبد..
والسلطان تستردَّهُ من إبليس بالقوَّة.. وليسَ بالسجود لهُ !!!

صرخَ إبليس على قمَّة ذلكَ الجبل: ليَ السلطان..
لكـــن.. القصَّة لم تنتهِ هناك..
فلمَّا جاءَ ملء الزمان.. لمَّا جاءَ توقيت الرب.. وعندما أنهى الرب ما جاءَ من أجله.. وبعدَ الصلب والقيامة..

وقفَ الرب على قمَّة الجبل أيضًا.. وكم سأفرح فيما بعد، إن عرفت أنَّهُ كانَ الجبل نفسهُ الذي وقفَ عليه إبليس حينذاك.. لكن لا بأس الآن..
فهوَ جبل حقيقي مُقابل جبل مُزيَّف..
وقفَ الرب يسوع عليه.. ودعا تلاميذهُ لكي يتجمَّعوا حولهُ، ليُسمعهم ما ينبغي أن يسمعوه.. وما ﭐشتهى كثيرون قبلهم من الأنبياء أن يسمعوه.. وما ينبغي أن نسمعهُ نحن اليوم.. وقالَ لهم:
" ... دُفِعَ إليَّ كل سلطان في السماء وعلى الأرض، فٱذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمِّدوهم بٱسم الآب والابن والروح القدس، وعلِّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم بهِ، وها أنا معكم كل الأيام إلى ﭐنقضاء الدهر. آمين " (إنجيل متى 28 : 18 – 20).

وصرخ الرب يسوع المسيح على قمة ذلكَ الجبل:
ليَ أنا السلطان يا إبليس.. وليسَ لكَ أبدًا بعدَ اليوم..
لأولادي السلطان.. لكنيستي السلطان..
لإلهنا كل المجد !!!

لكن، ينبغي على كل واحد منَّا أن يعرف ويُدرك تمامًا وبدقَّة، كم كانَ مُكلفًا ﭐسترداد ذلكَ السلطان من جديد للمؤمنين بالرب يسوع المسيح، والهدف من هذه المعرفة ومن هذا الإدراك، أن نعي جديِّة وحقيقة الحرب الروحية الدائرة في هذا الكون..

فالله لم يكن يسمح لنفسه، نظرًا لقداسته وعدله وصدقه، ولاحترامه القوانين الروحية التي وضعها، أن يقول للشيطان:
" أَرْجِعْ السلطان الذي أخذتهُ من آدم عندما عصاني وخضعَ لكَ.. وكفى يا إبليس ".

وما يؤكِّد صحة كلامنا هذا، هوَ أنَّ إبليس مارس سلطانهُ على الأرض وعلى البشر طيلة الفترة الممتدة ما بعد سقوط آدم ولحين صلب الرب وقيامته من بين الأموات، وما زالَ حتى يومنا هذا يُمارسهُ على الذين لم يؤمنوا إيمانًا حقيقيًا بالرب يسوع، ولم ينتقلوا من سلطان الظلام ومملكة الظلمة إلى ملكوت الله..

وصفحات الكتاب المُقدَّس تمتلئ بالأحداث التي تؤكِّد هذا الكلام، أضف إلى ذلكَ أنَّ الرب لم يقل شيئًا لإبليس في البرية عندما أعلنَ إبليس عن ﭐمتلاكهِ السلطان، بل ﭐنتظرَ لكي يُكمل مهمته التي جاء من أجلها إلى أرضنا.. ﭐنتظرَ أن يُصلب ويُقدِّم دمهُ الثمين على الصليب، وأن يقوم من بين الأموات، حتى يقف بعدها على الجبل وينطق كلمات النصرة:
دُفِعَ إليَّ كل سلطان !!!

لماذا كل هذا الشرح؟
لكي يُدرك جميع الذين يستخفُّون بجديِّة الحرب الروحية وبأمور الله كافة.. ويعتبرون أن الأمور يُمكن حلَّها من قِبَلْ الله بسهولة مُطلقة ودون الحاجة إلى كل هذه التعقيدات كما يُسمُّونها.. ويتهمون الله دائمًا أو بينَ الحين والآخر أنَّهُ المسؤول عن كل ما يجري من دمار وخراب ومعاناة وما إلى ما هنالك من أمور مشابهة..

نعم.. كل هذا الشرح لكي يُدرك الجميع، أنَّهُ لو كانت الأمور تُحَّل بطريقة عشوائية وبسيطة.. لما كانَ الآب السماوي مُضطرًا أن يبذل ﭐبنهُ الوحيد الرب يسوع المسيح، مُضحِّيًا بهِ لأجل غفران خطايانا ومصالحتنا مع الله، وﭐسترداد هذا السلطان الذي نتكلَّم عنهُ الآن..

ولكي يُدرك الجميع أهميَّة ﭐمتلاك السلطان، للتمكُّن من ربح الحرب التي ينبغي على المؤمنين أن يشنُّوها على إبليس، لكي يستردُّوا الأرض التي ﭐحتلها، والنفوس والبركات التي يأسرها، ولحسم الحروب التي يشنَّها إبليس علينا وعلى البشرية جمعاء.
لا تنسَ أبدًا أنَّ ثمن ﭐسترداد هذا السلطان كانَ دم الرب يسوع المسيح، لكي تبقى مُدرِكًا أهميَّة هذا السلطان.

ليفتح الرب أعيننا بالروح القدس لكي نُدرك جميعنا مغزى هذا الكلام، فنُعطي الرب كل المجد الذي يستحقهُ، ونُعطي الأمور الروحية الجديَّة اللازمة، ونكون فاهمين مشيئة الرب الكاملة، ونكون مُحاربين أشدَّاء لكي نسترد كل ما سُلِبَ منَّا، ونسترد كل النفوس التي يأسرها إبليس.. والتي ستذهب في نهاية المطاف إلى بحيرة النار والكبريت..

 
 
   
عودة إلى الفصل الثالث