رسالة مفتوحة لأصحاب المناصب
     
 

والآن.. دعني هنا، أتوقَّف للحظات قليلة، لكنَّها هامة جدًّا ومصيرية للجميع..
دعني أتوَّجه برسالة من فم الرب.. إلى جميع الذين هُم في منصب..
لا سيَّما للقادة الزمنيين.. للسياسيين وأصحاب النفوذ، الذين يشغلون مناصب، سواء كانت عادية.. أم كبيرة على مستوى البلد ككل..

لأنَّ موضوع السلطان بالنسبة إليكم هوَ موضوع هام للغاية !!!
وهذا التوجُّه نحوكم ليسَ لهُ سوى هدف واحد:
وهوَ إيصال كلمة الله لكم، لمساعدتكم على إدراك حقيقة الأمور وجوهرها، وقيادة بلدانكم ومؤسساتكم وقطاعات مسؤولياتكم كما يُريدكم الله أن تفعلوا، لكي تنجحوا في كل ما تقومون بهِ..

ولأنَّ الله أوصى أولاده المؤمنين أن يُصلُّوا أولاً، من أجل الحكام والرؤساء وكل الذين هُم في منصب قائلاً:
" فأطلب أول كل شيء، أن تُقام طلبات وصلوات وﭐبتهالات وتشكُّرات، لأجل جميع الناس، لأجل الملوك وجميع الذين هُمْ في منصب، لكي نقضي حياة مطمئنة هادئة في كل تقوى ووقار، لأنَّ هذا حسنٌ ومقبولٌ لدى مُخلِّصنا الله، الذي يريد أنَّ جميع الناس يخلصون، وإلى معرفة الحق يُقبلون " (رسالة تيموثاوس الأولى 2 : 1 – 4).

نعم.. ﭐسمحوا لي أن أُوصلَ لكم كلامًا من فم الله.. من قلب الله..
سيُجيب بكل تأكيد على أسئلة كثيرة تدور في داخلكم ولا تجدون الإجابة لها..

مؤسساتكم.. حقل عملكم.. قطاع مسؤولياتكم.. بلدانكم.. تُعاني من مشاكل كثيرة، وما زلتم لا تجدون الحل المناسب لها..

وبالرغم من وجودكم على رأس السلطة، وبالرغم من منحكم السلطان الكامل من قبل دساتير وقوانين المؤسسات أو قطاعات المسؤولية أو البلدان التي تنتمون إليها، تجدون أنفسكم مرارًا كثيرة، عاجزين عن تحقيق ما تُخطِّطون لهُ..
دائمًا توجد أمور مُعاكسة تقف في وجه تحقيق ما تبتغونهُ..
سواء جاءت هذه الأمور المُعاكسة من أفراد أو من جماعات أو من دول أخرى.. أو...

ولعلَّ عزل الله عن السياسة وشؤون الدول هوَ السبب الوحيد لذلك..
فالكل يعتقد أنَّ الله جالس في مكان بعيد عن الأرض.. جالس في السماوات..
لهُ ينبغي أن نُصلِّي عندما نذهب إلى دور العبادة.. لكن ما هوَ شأن الله في السياسة.. وما يجري على هذه الأرض في هذا المضمار..
فهل يتدخل الله في الصراعات البشرية وفي حدود الدول وقراراتها وفي تعيين الحكام والمسؤولين... وما شابهها من أمور؟

أيها السادة: إنَّ هذا الكلام بعيد كل البُعد عن الحقيقة.. لا بل هوَ ضلال كامل !!!
لأنَّ لله الكل.. وهوَ خالق السماوات والأرض وخالق الكون كلّهُ.. وخالق الإنسان..
وهوَ الملك الوحيد على الجميع.. وكلمته المعصومة عن الخطأ والأصدق من كل قوانين البشر ودساتيرها، تُخبرنا الكثير عن هذا الموضوع فلنلقِ نظرة عليها:
" لأنَّ للرب المُلْك، وهو المُتسلِّط على الأمم " (المزمور 22 : 28) .

" للرب الأرض وملؤها، المسكونة وكل الساكنين فيها " (المزمور 24 : 1).

" فإنَّ الرفعة لا تأتي من المشرق ولا من المغرب، ولا من الشمال ولا من الجنوب، فالله هوَ الديَّان، يرفع واحدًا ويُخفض آخر " (المزمور 75 : 6 – 7).    
" وهوَ يُغيِّر الأوقات والأزمنة، يعزل ملوكًا ويُنصِّب ملوكًا، يُعطي الحُكماء حكمة، ويعلِّم العارفين فهمًا " (سفر دانيال النبي 2 : 21).

" وقد أخرجَ الشعوب جميعًا من أصل واحد، وأسكنهم بلاد الأرض كلّها، وحدَّدَ مُسبقًا أزمنة وجودهم وحدود أوطانهم، لكي يبحثوا عن الله لعلَّهم يتلمَّسونه فيهتدوا إليه، فإنَّهُ ليسَ بعيدًا عن كل واحد منَّا، لأنَّنا بهِ نحيا ونتحرَّك ونوجد... ".
(سفر أعمال الرسل 17 : 26 – 28).

هوَ الخالق.. هوَ الذي أسكنَ الشعوب بلاد الأرض، وحدَّدَ أزمنة وجود كل واحد منهم.. هوَ الذي حدَّدَ حدود الأوطان.. هوَ المُتسلِّط على كل شيء.. وهوَ المتسلِّط على كل الأمم.. منهُ تأتي الرفعة.. ومنهُ تأتي السلطة والمناصب.. هوَ يرفع شخصًا إلى مكانة مُعيَّنة.. وهوَ يخفض آخر.. وعيناه تُشرفان من عليائه على كل البشر.. يُراقب أدق تفاصيل حياتهم.. يمتحن تصرفاتهم.. ويُجازي كُلاًّ وفقَ موقف قلبه وتصرفاته.. هوَ ضابط الكل.. ولا يجري أمرٌ على هذه الأرض من دونه..

وتعالوا معي الآن، نتعلَّم من قصة ملك، لم يتم ذكرهُ في الكتاب المُقدِّس فحسب، بل في التاريخ أيضًا.. علَّ البعـض يُصدِّق التاريـخ أكثـر مـن كلمـة الله، هـذا الملـك هـوَ " نبوخذناصّر " ملك بابل العظيم، ﭐسمعهُ معي ماذا قالَ:
" من نبوخذناصّر الملك، إلى كل الشعوب والأمم والألسنة الساكنين في الأرض كلها، ليكثر سلامكم، الآيات والعجائب التي صنعها معي الله العلي، حَسُنَ عندي أن أُخبر بها، آياته ما أعظمها وعجائبه ما أقواها، ملكوته ملكوت أبدي، وسلطانه إلى دور فدور، أنا نبوخذناصّر قد كنتُ مطمئنًا في بيتي، وناضرًا في قصري، رأيتُ حلمًا فروّعني، والأفكار على فراشي ورؤى رأسي أفزعتني، فصدرَ منِّي أمر بإحضار جميع حكماء بابل قدامي، ليعرِّفوني بتعبير الحلم، حينئذٍ حضر المجوس والسحرة والكلدانيون والمنجمُّون، وقصصتُ الحلم عليهم، فلم يُعرِّفوني بتفسيره، أخيرًا دخلَ قُدَّامي دانيال، الذي ﭐسمه بلطشاصَّر كٱسم إلهي، والذي فيه روح الآلهة القدوسين، فقصصتُ الحلم قدَّامهُ، يا بلطشاصَّر كبير المجوس من حيث أنِّي أعلم أنَّ فيك روح الآلهة القدوسين، ولا يعسر عليك سرّ، فأخبرني برؤى حلمي الذي رأيتهُ وبتفسيره (وقصَّ الملك الحلم على النبي دانيال)... أمَّا أنتَ يا بلطشاصَّر فبيِّن تفسيره، لأنَّ كل حكماء مملكتي لا يستطيعون أن يُعرِّفوني بالتفسير، أمَّا أنتَ فتستطيع، لأنَّ فيك روح الآلهة القدوسين، حينئذٍ تحيَّرَ دانيال الذي ﭐسمه بلطشاصَّر ساعة واحدة، وأفزَعتهُ أفكاره، أجابَ الملك وقال: يا بلطشاصَّر لا يُفزعك الحلم ولا تفسيره، فأجابَ بلطشاصر وقال: يا سيدي ليرتدَّ الحلم على مُبغضيك وتفسيرهُ لأعاديك، الشجرة التي رأيتها، التي كبرت وقويت وبلغ علوها إلى السماء ومنظرها إلى كل الأرض... إنمَّا هيَ أنت يا أيها الملك، الذي كبرت وتقوَّيت، وعظمتك قد زادت وبلغت إلى السماء، وسلطانك إلى أقصى الأرض، وحيثُ رأى الملك ساهرًا وقدوسًا نزل من السماء وقال: ﭐقطعوا الشجرة وأهلكوها ولكن ﭐتركوا ساق أصلها في الأرض، وبقيد من حديد ونحاس في عشب الحقل، وليبتلّ بندى السماء وليكن نصيبه مع حيوان البر، حتى تمضي عليه سبعة أزمنة، فهذا هوَ التفسير أيها الملك، وهذا هوَ قضاء العلي الذي يأتي على سيدي الملك، يطردونك من بين الناس، وتكون سُكناك مع حيوان البر، ويُطعمونك العشب كالثيران، ويبلّونك بندى السماء، فتمضي عليك سبعة أزمنة حتى تعلم أن العلي مُتسلِّط في مملكة الناس ويُعطيها من يشاء، وحيثُ أمروا بترك ساق أصول الشجرة، فإنَّ مملكتك تثبت لك، عندما تعلم أنَّ السلطان هوَ للسماء، لذلك أيها الملك، فلتكن مشورتي مقبولة لديك، وفارق خطاياك بالبر، وآثامك بالرحمة للمساكين، لعلَّهُ يطال ﭐطمئنانك، كل هذا جاءَ على نبوخذناصّر الملك... وعند ﭐنتهاء الأيام أنا نبوخذناصّر رفعتُ عينيَّ إلى السماء فرجعَ إليَّ عقلي، وباركتُ العلي وسبَّحتُ وحمدتُ الحي إلى الأبد، الذي سلطانه سلطان أبدي وملكوته إلى دور فدور، وعرفت أنَّ كل أهل الأرض لا يُحسبون شيئًا، وأنَّهُ يفعل ما يشاء في جُند السماء وسكان الأرض، وليسَ من يكفُّ يدهُ أو يقول لهُ ماذا تفعل؟ فالآن أنا نبوخذناصّر أُسبِّح وأُعظِّم وأحمد ملك السماء، الذي كل أعماله حق وطرقه عدل، ومن يسلك بالكبرياء فهو قادرٌ على أن يُذلّه ".
(سفر دانيال النبي 4 : 1 – 37).

ملك عظيم تسلَّط على شعوب وأُمم.. فٱعتقدَ أن سلطانه آتٍ من قدرته وحكمته..
أفليسَ الدين والأمور الروحية فقط لله.. أمَّا السياسة والسلطة فللبشر ولا دخلَ لله فيها؟

فتكبَّرَ قلبهُ.. فُطُرِدَ من المُلْك وأُذلَّ.. حتَّى تابَ وأدركَ في نهاية المطاف ما أُريد أن أصل إليه من خلال هذه القصة.. نعم.. أدرك أنَّ:
" الله هوَ المُتسلِّط في مملكة البشر ويُعطيها من يشاء ".

والسلطان الحقيقي هوَ من الله فقط.. وإن كانَ ظاهريًا يأتي من الدساتير والقوانين.. لكن هذه الدساتير والقوانين لا يُمكنها قطعًا أن تُتيح لصاحب السلطة أن يتمكَّن من ممارسة سلطانه، والتاريخ ملآن بقصص ملوك ورؤساء وحكَّام فشلوا في ممارسة السلطان الحقيقي، وفشلوا في تحقيق خططهم والوصول ببلدانهم إلى شاطئ الأمان.. ولم يتمكَّنوا من تغيير الظروف أبدًا.. لأنَّ الله وحدهُ هوَ من يُغيِّر الظروف والأوقات والأزمنة، والنبي دانيال نفسه يقول أيضًا:
" أجاب دانيال وقال: ليكن ﭐسم الله مباركًا من الأزل وإلى الأبد، لأنَّ لهُ الحكمة والجبروت، وهوَ يُغيِّر الأوقات والأزمنة، يعزل ملوكًا، ويُنصِّب ملوكًا، يُعطي الحكماء حكمةً، ويُعلِّم العارفين فهمًا " (سفر دانيال النبي 2 : 20 – 21).

ولعلَّ نصيحة ذلكَ النبي للملك، تُوضح أحد أهم الأسباب التي تُفقد السلطان الحقيقي عندما قالَ لهُ:
" لذلك أيها الملك، فلتكن مشورتي مقبولة لديك، وفارق خطاياك بالبر، وآثامك بالرحمة للمساكين، لعلَّهُ يطال ﭐطمئنانك ".

نعم.. عندما علمَ نبوخذناصّر وعندما يعلم الجميع أن السلطان هوَ لله.. وهوَ يُعطيه لمن يشاء.. وعندما علم نبوخذناصّر وعندما يعلم الجميع أنَّ الخطايا والآثام والبُعد عن الله، وتكبُّر الروح يُفقدون السلطان، أمَّا التوبة الحقيقية عن الخطايا، والمجيء إلى الرب بتواضع تُعيد السلطان والعظمة.. تتغيَّر أمورًا كثيرة..
وذلكَ النبي دانيال، هوَ نبيٌّ من الله، لأنَّ الكتاب المُقدَّس هوَ من أخبرنا عنهُ في عهديه القديم والجديد، فإنجيليّْ متى ومرقس ﭐستشهدا به وبأخباره..
(إنجيل متى 24 : 15 وإنجيل مرقس 13 : 14).

ولمثل هؤلاء الأنبياء فقط، ينبغي أن نسمع، الأنبياء الذين لديهم موهبة النبوءَة التي يمنحها إياهم الروح القدس، وينتمون إلى كنائس مسيحية حقيقية ومشهود لهم من خلالها، وليسَ للمجوس والسحرة والمنجمُّون والعرَّافون - وما أكثرهم اليوم - والذين يُتحفوننا بتوقعات مصدرها واحد وهوَ الشيطان، ولا تقود سوى إلى الخراب والأذى والموت لمتتبعيها.

ولا يقل قائل أيضًا، إنَّ القوة والجيوش الكبيرة والتكنولوجيا تأتي بالسلطان.. وسبب عدم قدرة بعض الحكام والرؤساء والمسؤولين من ممارسة سلطانهم، هوَ أنَّهم ينتمون لبلدان صغيرة وفقيرة، تتحكَّم فيها الدول الكبرى ومصالحها، فكلمة الرب تقول عكس ذلكَ تمامًا:
" لا يَخْلُص الملك بالجيش العظيم، ولا الجبَّار بشدة القوة. باطلاً يرجو النصر من يتكِّل على الخيل، فإنَّها لا تُنجِّي رغمَ قوتها، هوَّذا عين الرب على خائفيه، المُتكلين على رحمته... " (المزمور 33 : 16 – 18).

نعم.. لا يضل أحد..
فالسلطان الحقيقي هوَ من الله، والرسول بولس يؤكِّد لنا هذه الحقيقة عندما يقول:
" لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة، لأنَّهُ ليس سلطان إلاَّ من الله... ".
(رسالة رومية 13 : 1).

وإنجيل يوحنا يقول:
" فقالَ لهُ بيلاطس: أما تُكلِّمني، ألستَ تعلم أنَّ لي سلطانًا أن أصلبك وسلطانًا أن أُطلقك، أجابَ يسوع: لم يكن لكَ عليَّ سلطان البتَّة، لو لم تكن قد أُعطيتَ من فوق... ".
(إنجيل يوحنا 19 : 10 – 11).

لقد كانَ بيلاطس ملكاً بالفعل، تقف وراءَه روما بعظمتها وجبروتها، ووفقًا لمنطق البشر حينها واليوم، فهوَ قالَ للرب:
أنا ليَ سلطان أن أصلبك وسلطان أن أُطلقك..

لكن الرب صحَّحَ لهُ ذلكَ المفهوم البشري الخاطئ.. وهوَ يُريد أن يُصحِّحَهُ لكثيرين اليوم.. فقالَ لهُ:
لو لم تُعطَ السلطان عليَّ من فوق.. من السماء.. من الله..
لما كانَ لكَ سلطان البتَّة.. قطعًا..

وكلنا نعرف أن سبب إعطاء السلطان لبيلاطس لكي يأمر بصلب الرب، كان من أجل أن تتم خطة الفداء للبشرية جمعاء..

نعم.. كثيرون لديهم سلطان وفقًا للقوانين.. لكنه سيبقى سلطانًا نظريًا وضعيفًا، لا يُمكن ﭐستخدامه لفرض ما ينبغي فرضه، وتحقيق ما ينبغي تحقيقه..
إن لم يُعطَ لهم من فوق.. من الله..

وقفَ إبليس على الجبل وقالَ للرب:
دُفِعَ إليَّ كل سلطان..
ووقف الرب على جبل عالٍ، مُحاطًا بتلاميذه وقالَ لهم:
دُفِعَ إليَّ كل سلطان..

وهنا أُريد أن يعلم الجميع أنَّهُ لا يوجد جبل آخر بين هذين الجبلين..
بل جبل واحد مُزيَّف يأتي بسلطان مُزيَّف، ينجح أحيانًا في التحكُّم ببعض الأمور، لكن سرعان ما يكتشف من مارسوه أنَّهم خُدِعوا وكانت النتائج سيئة ومُدمِّرة لهم وللآخرين على السواء، كما حصل لآدم الذي ﭐكتشف في النهاية أنَّهُ عريان..

وجبل واحد حقيقي يأتي بسلطان حقيقي ينجح دائمًا، لأنَّ المتكلين على الله ينجحون في كل أمورهم، لأنَّ بركة إلههم الصالحة تكون عليهم..
هناكَ جبل واحد يأتي بالبركات لكل الذين يقفون عليه، وجبل واحد آخر يأتي باللعنات لكل الذين يقفون عليه..
ولا يوجد جبل أو تل أو سهل أو وادٍ بين الإثنين، لأنَّ الرب يسوع قال:
" من ليس معي فهوَ عليَّ، ومن لا يجمع معي فهوَ يُفرِّق " (إنجيل متى 12 : 30).
نعم لا يُمكن لأحد على هذه الأرض أن يكون على الحياد.. أو على جبل ثالث..
إنها كلمة الرب التي تعلو على كل دستور وقانون أرضي أو بشري..
ورجلَ الله النبي موسى، علمَ ذلكَ وخيَّر الشعب بين جبلين فقط:
- جبل جرزيم للبركة..
- وجبل عيبال للعنة..
ولكي لا أسرد لكَ كل الكلام الذي قالهُ موسى والذي سجَّلتهُ لنا كلمة الله في هذا المضمار، فسوفَ أسرد لكَ الأمور المتعلقة بالسلطان فقط: 
" وأوصى موسى الشعب في ذلك اليوم قائلاً:
هؤلاء يقفون على جبل جرزيم لكي يباركوا الشعب... وهؤلاء يقفون على جبل عيبال للعنة... إن سمعتَ سمعًا لصوت الرب إلهك، لتحرص أن تعمل بجميع وصاياه التي أنا أُوصيك بها اليوم، يجعلك الرب إلهك:
مُستعليًا على جميع قبائل الارض (تمارس سلطانك فعليًا)...
مُباركًا تكون في المدينة، ومُباركًا تكون في الحقل، ومُباركة تكون ثمرة بطنك، وثمرة أرضك، وثمرة بهائمك، نتاج بقرك وأُناث غنمك، مباركة تكون سلَّتك ومعجنك (وضع إقتصادي مزدهر، وبحبوحة لدى الشعب)...
يجعل الرب أعداءك القائمين عليك منهزمين أمامك، في طريق واحد يخرجون عليك وفي سبع طرق يهربون أمامك... يرى جميع شعوب الأرض أنَّ ﭐسم الرب قد سُمِّيَ عليك ويخافون منك... ويجعلك الرب رأسًا لا ذنبًا، وتكون في الارتفاع فقط ولا تكون في الانحطاط (هزيمة أكيدة لأعدائك ولكل من ينوي لكَ الشر، ورفعة أكيدة لكَ)...

ولكن إن لم تسمع لصوت الرب إلهك لتحرص أن تعمل بجميع وصاياه وفرائضه، التي أنا أوصيك بها اليوم، تأتي عليك جميع هذه اللعنات وتُدركك:
ملعونًا تكون في المدينة وملعونًا تكون في الحقل، ملعونة تكون سلَّتك ومعجنك، ملعونة تكون ثمرة بطنك، وثمرة أرضك، نتاج بقرك وأُناث غنمك... ثمر أرضك وكل تعبك يأكلهُ شعب لا تعرفه، فلا تكون إلاَّ مظلومًا ومسحوقًا كل الأيام... بذارًا كثيرًا تُخرج إلى الحقل، وقليلاً تجمع، لأنَّ الجراد يأكلهُ، كرومًا تغرس وتشتغل، وخمرًا لا تشرب ولا تجني، لأنَّ الدود يأكلها، يكون لكَ زيتون في جميع تخومك، وبزيت لا تدّهن، لأنَّ زيتونك ينتثر، جميع أشجارك وأثمار أرضك يتولاه الصرصر... (إنهيار الوضع الاقتصادي، فقر وعوز لدى الشعب)...
يجعلك الرب منهزمًا أمام أعدائك، في طريق واحدة تخرج عليهم، وفي سبع طرق تهرب أمامهم، وتكون قلقًا في جميع ممالك الأرض... يضربك الرب بجنون وعمى وحيرة قلب، فتتلمس في الظهر كما يتلمَّس الأعمى في الظلام، ولا تنجح في طرقك، بل لا تكون إلاَّ مظلومًا مغصوبًا كل الأيام وليسَ مُخلِّصًا... الغريب الذي في وسطك يستعلي عليك متصاعدًا، وأنتَ تنحط متنازلاً... هوَ يكون رأسًا وأنتَ تكون ذنبًا... تُستعبد لأعدائك الذين يُرسلهم الرب عليك، في جوع وعطش وعُري وعوز كل شيء، فيجعل نير حديد على عنقك حتى يُهلكك، يجلب الرب عليك أُمَّة من بعيد، من أقصاء الأرض كما يطير النسر، أُمَّة لا تفهم لسانها، أُمَّة جافية الوجه، لا تهاب الشيخ ولا تحن إلى الولد... يُسلَّم بنوك وبناتك لشعب آخر، وعيناك تنظران إليهم طول النهار فتكلاَّن، وليس في يدك طائلة... بنين وبنات تلد ولا يكونون لك لأنهم إلى السبي يذهبون (فقدان للسلطان وهزيمة أكيدة أمام أعدائكَ، فشل ذريع لكل ما تقوم بهِ، هجرة الشعب إلى خارج البلاد) ".
(سفر التثنية 27 : 11، 28 : 50).

ليتأمَّل كل واحد بهذه الكلمات، لكي يُدرك على أي جبل يقف.. لأي جبل ينتمي..
وليُقرِّر كل واحد ماذا ينبغي أن يفعل !!!

لكـــن..
هل تريد ﭐمتلاك السلطان الحقيقي الذي دفع الرب يسوع ثمنه غاليًا؟
هل تريد أن ترى حياتك الشخصية بالدرجة الأولى مُثمرة ومزدهرة.. لكن.. وفقًا لمشيئة الرب؟
وهل تُريد أن ترى مؤسستك.. قطاع مسؤوليتك.. بلدك مزدهرًا.. رائدًا بين الدول.. تُمارس فيه سلطانك بقوة وحزم.. دون معوقات أو معطلات؟

إذًا أنتَ تعلم ماذا ينبغي أن تفعل.. تعالَ إلى الجبل الذي وقفَ عليه يسوع مع تلاميذه.. وﭐنضم إليهم.. وتواضع أمام الرب الذي منهُ وحدهُ كل سلطان حقيقي..

تواضع أمامهُ ودعهُ يُعالج كل مشاكلك وخطاياك ويُعطيك قلبًا جديدًا..
فعندها وحدها ستنجح في كل ما ﭐمتدت يدك إليه..

وﭐسمع معي كلام ملك ونبي عظيم، كتبَ عدد كبير من المزامير في الكتاب المُقدَّس.. وكان يرمز للرب يسوع المسيح.. إنَّهُ داود الملك:
" ... تُخضِع لسلطاني المتمردين عليَّ. يُوَلُّون الإدبار هربًا أمامي... تُنقذني من ثورات الشعب، وتجعلني سيِّدًا للأمم... فما أن يسمعوا أمري حتَّى يُلبوُّه... حيٌّ هوَ الرب، ومباركٌ صخرتي، ومتعالٍ إله خلاصي، الإله المُنتقم لي، يُخضِع الشعوب لسلطاني، مُنقذي من أعدائي، رافعي على المتمردين عليَّ، ومن الرجل الطاغي تُخلِّصني، لهذا أعترف لكَ بينَ الأمم وأُرتِّل لاسمك. يا مانح الخلاص العظيم لملكه ".
(المزمور 18 : 39 – 50).

هذا ليسَ كلام رجل دين.. أو شخص عادي.. وليسَ كلامًا يتعلَّق بالأمور الروحية فقط.. بل هذا كلام ملك.. حاكم.. من رجال السياسة.. مارسَ حكمه عمليًّا في التاريخ.. فلنتعلَّم منهُ.. ونُدرك من يمنح السلطان الحقيقي الذي لا يُمكن لأحد أن يُعطِّلهُ..

أيها السادة:
التاريخ يُخبرنا عن سير الحروب وأسبابها، وعن هزيمة الدول وأسبابها:
(أوضاع ﭐقتصادية، خلافات عرقية ومذهبية، نزعة التوسع، وضع اليد على مصادر حيوية، ضعف القدرات العسكرية، معدات عسكرية غير متطورة... إلخ).

لكن الكتاب المُقدِّس يُخبرنا عن الحروب نفسها، لكنَّهُ يفضح لنا الأسباب الحقيقية لتلكَ الحروب، والمخفية عن عيون الناس الذين لا يعرفون كلمة الله:
" تارةً أتكلَّم على أمَّة وعلى مملكة بالقلع والهدم والإهلاك، فترجع تلكَ الأمَّة التي تكلمت عليها عن شرها، فأكفُّ عن الشر الذي قصدت أن أصنعهُ بها، وتارةً أتكلَّم على أُمَّة وعلى مملكة بالبناء والغرس، فتفعل الشر في عينيَّ، فلا تسمع لصوتي، فأكفُّ عن الخير الذي قلت إنّي أُحسن إليها به " (سفر إرميا النبي 18 : 7 – 10).

نعم.. خطايا الإنسان وشروره، ورفضهُ لسماع وصايا الله والعمل بها، هيَ الأسباب الحقيقية، التي تأتي بالحروب وبالهزيمة..
والسلوك بمخافة الله، والاستماع إلى وصاياه والعمل بها، هيَ الأسباب الحقيقية التي تأتي بالسلام للبلدان..

فكم من بلدان صغيرة وإمكانياتها العسكرية ضئيلة، تنعم بالسلام..
وكم من بلدان كبيرة وغنيَّة، وإمكانياتها العسكرية كبيرة، ﭐنهارت بالرغم من كل ذلكَ !!! 

وأخيرًا.. دع أيضًا هذه النصائح من كلمة الله تُصحِّح كل مسار ليسَ موافقًا لمشيئته وتوجيهاته:

" المَلِك بالعدل يُثبِّت الأرض، والقابل الهدايا يُدمِّرها " (سفر الأمثال 29 : 4).

" ... مُبغِض الرشوة تطول أيامه " (سفر الأمثال 28 : 16).

" السالك في البر، والناطق بالحق، والنابذ ربح الظلم، والنافض يديه من قبض الرشوة، الصامُّ أُذنيه عن الاستماع إلى مؤامرات سفك الدماء، المُغمض عينيه عن التأمُّل في الشر، هوَ الذي يسكن في العلاء، وملجأهُ معاقل الصخور... " (سفر إشعياء النبي 33 : 15 – 16).

" لا تقبل خبرًا كاذبًا، ولا تضع يدك مع المُنافق لتكون شاهدَ ظلم، لا تتبع الكثيرين إلى فعل الشر، ولا تُجب في دعوى مائلاً وراء الكثيرين للتحريف، ولا تُحابِ مع المسكين في دعواه... لا تُحرِّف حق فقيرك في دعواه، ﭐبتعد عن كلام الكذب، ولا تقتل البريء والبار، لأنِّي لا أُبرِّر المُذنب، ولا تأخذ رشـوة، لأنَّ الرشوة تُعمي المُبصرين، وتُعوِّج كلام الأبرار " (سفر الخروج 23 : 1 – 8).

نصيحة أم فاضلة لابنها الملك:
" ماذا يا ﭐبني يا ﭐبنَ أحشائي، يا ﭐبنَ نذوري؟ لا تُنفق قوتك على النساء، ولا تستسلم لمن يُهلكنَ الملوك. ليسَ للملوك... ليسَ للملوك أن يُدمنوا الخمرَ، ولا للعظماء أن يجرعوا المُسكر. لئلاَّ يسكروا فينسوا الشريعة، ويجوروا على حقوق البائسين... ﭐفتح فمك مُدافعًا عن الأخرس، وفي دعوى كل منبوذ. ﭐفتح فمك قاضيًا بالعدل ودافع عن حقوق الفقراء والمحتاجين " (سفر الأمثال 31 : 2 – 9).

" مُبرئ المُذنب ومُذنِّب البريء كلاهما رجسٌ عند الرب " (سفر الأمثال 17 : 15).

" ويلٌ لكِ أيتها الأرض إن كانَ ملكك ولدًا، ورؤساؤكِ يأكلون إلى الصباح، طوبى لكِ أيتها الأرض إن كانَ ملككُ ﭐبنَ شرفاء، ورؤساؤكِ يأكلون في المواعيد المُعيَّنة، طلبًا للقوة وليسَ سعيًا وراء السكر " (سفر الجامعة 10 : 16 – 17).

هكذا تطول أيامكم.. وهكذا ينجح حكمكم.. وهكذا يفرح بكم الشعب.. وهكذا يفرح بكم الرب.. وهكذا تُبنى الدول وتدوم وتنجح.. لأنَّ:
" البر يرفع شأن الأُمَّة، وعار الشعوب الخطيئة " (سفر الأمثال 14 : 34).

قد يكون هذا الكلام جديدًا على كثيرين.. لكنَّهُ بالطبع كلام حقيقي وجدِّي.. ليسَ أُسطورة ولا قصة من قصص ألف ليلة وليلة.. إنَّها كلمة الله الصادقة والتي لم ولن يسقط منها حرف بل ستتم جميعها.. وطوبى لمن يعمل بها..
لأنَّ الله قال:
" من ﭐزدرى بكلمة الله يجلب على نفسه الخراب، ومن خَشِيَ وصيَّة الله يُكافأ ".
(سفر الأمثال 13 : 13).

ولا يظنَّنَ أحدٌ أنَّهُ إن لم يُجازِ الله الناس بسرعة، فهوَ لا يرى أو لا يعلم ما يفعلونهُ، بل الله طويل الروح كثير الرحمة، وهوَ يُمهل الناس ويتأنَّى عليهم لأنَّهُ يُحبهم.. لكن في النهاية سيُجازي كل إنسان حسب أعماله، فكلمتهُ تقول:
" أم تستهين بغنى لطفه وإمهاله وطول أناته، غير عالم أنَّ لطف الله إنما يقتادك إلى التوبة، ولكنك من أجل قساوتك وقلبك غير التائب، تذخر لنفسك غضبًا في يوم الغضب، وٱستعلان دينونة الله العادلة، الذي سيُجازي كل واحد حسب أعماله ".
(رسالة رومية 2 : 4 – 6).

 ولعلَّ ما قالهُ الرب للرسول يوحنا في ختام سفر الرؤيا يصلح أن نختم بهِ هذا الفصل:
" طوبى للذين يصنعون وصاياه، لكي يكون سلطانهم على شجرة الحياة، ويدخلوا من الأبواب إلى المدينة " (سفر الرؤيا 22 : 14).

 
 
   
عودة إلى الفهرس