أشواك العينين.. ومناخس الخاصرتين
     
 

ذكرنا في المقطع السابق آية هامَّة للغاية.. لا يُمكننا عدم التوقُّف عندها:
" وإن لم تُسالمك، بل عملت معك حربًا فحاصرها، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك، فٱضرب جميع ذكورها بحد السيف " (سفر التثنية 20 : 12 – 13).

وإذا دفعَ الرب أعداءَك إلى يدك لا تترك أحدًا منهم..
لماذا؟
" وإن لم تطردوا سكان الأرض من أمامكم، يكون الذين تستبقون منهم أشواكًا في أعينكم ومناخس في جوانبكم، ويُضايقونكم على الأرض التي أنتم ساكنون فيها ".
(سفر العدد 33 : 55).

وقد يتطوَّر الوضع إلى أكثر من مُضايقة.. قد يُنتج موتًا، وهذا ما حصل مع الملك شاول، الذي طلبَ الله منهُ أن يقتل كل العماليقيين، لكنهُ لم يفعل:
" وقال صموئيل لشاول: أنا الذي أرسلني الرب لأمسحك على شعبه بني إسرائيل، فٱسمع الآن قول الرب. هذا ما يقول الرب القدير: تذكرت ما فعل بنو عماليق ببني إسرائيل حين خرجوا من مصر، وكيف هاجموهم في الطريق، فٱذهب الآن وﭐضرب بني عماليق، وأهلك جميع ما لهم ولا تعفُ عنهم بل أقتل الرجال والنساء والأطفال والرضَّع والبقر والغنم والجمال والحمير... وضرب شاول بني عماليق من حويلة إلى شور إلى قبالة مصر، وأسرَ أجاج ملك بني عماليق حيًّا، وقتل شعبه جميعاً بحد السيف. وعفا شاول ورجاله عن أجاج، ولم يُهلكوا خيرة الغنم والبقر والخراف، وكل ما كان جيِّدًا، وإنما أهلكوا كل ما كان حقيرًا هزيلاً. فقال الرب لصموئيل: ندمت على إقامتي شاول ملكًا، لأنه مال عني ولم يسمع لكلامي ... " (سفر صموئيل الأول 15 : 1 – 11).

وهنا قد يسأل البعض.. كيف يأمر الله بقتل جماعة بكاملها؟
ونحنُ قد صادفتنا خلال حياتنا أحداث كهذه..
عائلة تموت بكاملها من جرَّاء حادث مُفاجئ مثلاً..

العماليقيون كانوا ألد أعداء لشعب الله.. ضايقوا ذلكَ الشعب كثيرًا.. وحاولوا قتلهُ في مواضع عدَّة.. وكانوا شعبًا شرِّيرًا للغاية.. وقد تعاملَ الله معهم لسنين طويلة.. وأعطاهم فرصًا كثيرة بكل تأكيد، لكنهم لم يتوبوا ولم يعودوا عن شرورهم، بل زاد شرُّهم..

وبالتالي فإنَّ الله يهتم بالبشرية ككل، ويهتم بحماية خليقته، وعندما يرى أن جماعة مُعيَّنة أو عائلة مُعيَّنة لم تتجاوب مع دعوته، بالرغم من منحها وقتًا طويلاً وفرصًا كثيرة.. وعندما يرى أن تلكَ الجماعة أو تلكَ العائلة، ستؤذي من حولها، وستقوم ببث العادات السيئة والشرور المؤذية للآخرين، والتي قد تُزيغ قلوبهم عن الله.. فهوَ في النهاية لا بُدَّ لهُ أن يستأصلها لكي يحمي الآخرين منها، وهذا ما حصل..

لكن إن عادت تلكَ الجماعات عن شرِّها، عندما يُنبِّهها الله، فهوَ سيُسامحها وسيُباركها، وهذا ما حصل مع مدينة نينوى عندما تابت عن شرِّها بعد أن نادى يونان النبي فيها:
" فٱبتدأَ يونان يدخل المدينة مسيرة يوم واحد، ونادى وقال: بعد أربعين يومًا تنقلب نينوى، فآمنَ أهل نينوى بالله ونادوا بصوم ولبسوا مسوحًا من كبيرهم إلى صغيرهم... فلمَّا رأى الله أعمالهم أنهم رجعوا عن طريقهم الرديئة، ندم الله على الشر الذي تكلَّم أن يصنعه بهم فلم يصنعه " (سفر يونان النبي 3 : 4 – 10).

إلهنا إله كل نعمة صالحة.. ومحبته لخليقته هيَ التي تدفعهُ لكي يستأصل الشر الذي قد يؤذيها، وهوَ كالطبيب الجرَّاح الذي قد يستأصل عضوًا من الجسم، عندما لا تنفع كل الوسائل الأخرى في شفائه، وعندما يُشكِّل خطرًا أكيدًا على الجسم ككل..

لم يفعل الملك شاول كما أمرهُ الله.. وبالتالي فلا بُدَّ أن يتم ما قالهُ الله، بأن يُصبح العماليقيون أشواكًا في عيني شاول ومناخس في خاصرتيه، ويُضايقوه.. لكنهم فعلوا أكثر، وكم تفاجأت.. وكم ستتفاجأ أنتَ الآن، عندما تكتشف:
أنَّ من قتلَ الملك شاول كانَ عماليقيًا..

لم يقتلهم شاول فقتلوه:
" وﭐشتدت الحرب على شاول، وفاجأه الرماة بالأقواس فٱرتعبَ منهم جدًّا. فقال لحامل سلاحه: ﭐستل سيفك وﭐطعنِّي بهِ لئلا يأتي الفلسطينيون ويقتلوني ويُشنعوا فيَّ، فرفضَ حامل سلاحه هذا الطلب لأنه خاف جدًّا، فأخذَ شاول سيفه وسقط عليه، ولما رأى حامل سلاحه أنه مات، سقط هو أيضًا على سيفه ومات معه " (سفر صموئيل الأول 31 : 3 – 5).

من يقرأ هذا المقطع، فهوَ بكل تأكيد سيقول، بأنَّ الملك شاول سقط على سيفه وقتلَ نفسه..
لكنك لو أكملتَ القراءة في سفر صموئيل الثاني، عندما جاءَ شخصًا إلى الملك داود ليُخبره ما حصل فعلاً، لاكتشفتَ ما قلتهُ لكَ:
" ... ﭐنهزمَ الجيش في الحرب وسقط منه كثيرون وماتوا، ومن بينهم شاول ويوناثان ﭐبنهُ، فسأله داود: كيف علمت بموت شاول ويوناثان ﭐبنه؟ فأجابهُ الرجل: كنت مارًّا في جبل جلبوع، فرأيتُ شاول مستندًا إلى رمحه، ومركبات العدو وفرسانه يُطاردونه، فٱلتفتَ وراءَه فرآني وناداني فقلت: ها أنا يا سيدي، فقال لي: من أنت؟ فأجبتهُ: " عماليقي ". فقال لي: قف عليَّ وﭐقتلني، جراحي بليغة ومع هذا لم تزل فيَّ حياة، فوقفت عليه وقتلته... " (سفر صموئيل الثاني 1 : 4 – 10).

نعم.. العماليقي هوَ من قتلَ شاول.. فلنكن حذرين !!!

فعندما يُنبِّهنا الروح القدس، لكي نحسم موضوع خطايا عالقة ومُتكرِّرة في حياتنا، أو عادات سيِّئة متوارثة، أو خطايا بشعة نرفض تركها والاعتراف بها، لا بل نُدافع عنها..

فلنُطعهُ ولنتعاون معهُ على الفور، ونطلب معونته لكي نقتل هؤلاء الأعداء ونبيدهم..
لكي لا يكونوا أشواكًا في أعيننا ومناخس في خاصرتنا..
أو ربما يقتلوننا هم !!!

 
 
   
عودة إلى الفصل الرابع