وهنا أُريد أن ألفت النظر إلى موضوع هام للغاية..
فإلى أن نتعلَّم معًا كما ذكرنا، كيفَ نُخرِج الأعداء الذين يحتلون أراضيَ مُعيَّنة في حياتنا.. وإلى أن نتمكَّن من إخراجهم بعدَ أن نتعلَّم، لأنَّ بعضًا من تلكَ الأراضي تكون مُحصَّنة بحصون كثيرة وقويَّة.. نظرًا للمدة التي يكون قد قضاها العدو فيها (قيود قديمة.. لعنات وعادات متوارثة من أجيال سابقة...)، ينبغي علينا أن نتعامل مع هؤلاء الأعداء بٱنتباه شديد ودقيق للغاية.. ونعمل دومًا أن نشل عملهم، وأن نقطع تواصلهم مع الأعداء الخارجيين.. لكي نُفوِّت عليهم أي فرصة لفتح الثغرات من جديد..
ويبقى السؤال كيفَ نفعل ذلكَ؟
في الحروب العسكرية، كثيرًا ما يعترض الجيوش المُهاجمة، بعض المُدن المُحصَّنة بحصون قويَّة، حيثُ يتعذَّر الدخول إليها وﭐحتلالها بسهولة أو بسرعة، ولذلكَ تعمد تلكَ الجيوش المُهاجمة، إلى مُحاصرة تلكَ المدن، وإلى قطع الإمدادات عنها، وإلى منعها من التواصل مع حلفائها الخارجيين.. إلى حين ﭐستسلام أولئكَ الأعداء، الذين يتم أسرهم وإخراجهم من المدن التي كانوا يحتلونها، وﭐسترجاع تلكَ الأراضي بالكامل..
ومبدأ الحصار هذا، واضح في كلمة الله:
" وإن لم تُسالمك، بل عملت معك حربًا فحاصرها، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك، فٱضرب جميع ذكورها بحد السيف " (سفر التثنية 20 : 12 – 13).
" وأقِمْ عليها حصارًا، وﭐبنِ برجًا، وﭐنصب عليها متراسًا، وطوقها بالجيوش، وأحطها من كل جانب بالمجانق، ثُمَّ خُذْ لنفسك صاجًا من حديد وﭐجعلهُ سورًا من حديد بينك وبين المدينة، وثبِّت وجهك عليها، فتُصبح محاصرةً وأنتَ تُحاصرها... ".
(سفر حزقيال النبي 4 : 2 – 3).
كلام واضح للغاية.. حاصرها بدقَّة وبحزم.. إعزلها عن الخارج.. طوّقها بالجيوش.. ثبِّت وجهك نحوها.. أي ﭐجعلها دومًا موضع مراقبة منك.. وعندما يحين الوقت ويدفعها الرب إلى يدك.. إضرب الأعداء بحد السيف دون رحمة، ولا تُبقِ أحدًا منهم على الإطلاق..
هذا ما نقرأهُ في العهد القديم..
فماذا عنهُ في العهد الجديد، أي في حربنا غير العسكرية؟
وكيفَ نُطبِّقهُ عمليًا في حياتنا اليومية؟
يُخبرنا الرسول بولس عن هذا الموضوع:
" لأنَّنا وإن كنا نسلك في الجسد، لسنا حسب الجسد نُحارب، إذ أسلحة مُحاربتنا ليست جسدية، بل قادرة بالله على هدم حصون، هادمين ظنونًا وكل علو يرتفع ضد معرفة الله، ومستأسرين كل فكر إلى طاعة المسيح " (رسالة كورنثوس الثانية 10 : 3 – 5).
نعم.. حربنا ليست جسدية أو عسكرية، وإن كنَّا ما زلنا في هذا الجسد، وأسلحتنا أيضًا ليست جسدية، بل أسلحة روحية قادرة بالله على هدم الحصون التي بناها العدو في داخلنا، وفي الوقت نفسه عزل الأعداء المُتحصِّنين فيها، عن أي دعم قد يأتيهم من الأعداء الخارجيين، وذلكَ بأن نهدم الظنون والأفكار والمعرفة المناقضة لكلمة الله التي يُحاول إبليس إطلاقها..
كيف نُطبِّق ذلكَ عمليًا في حياتنا اليوم؟
أبناء القرى سيفهمون هذا الكلام أكثر من غيرهم، لأنَّ القرى تكون صغيرة بالإجمال، والناس فيها يعرفون بعضهم البعض عن كثب..
ففي القرى.. أنتَ تسمع الناس يقولون:
1 – فلان.. " نسونجي " أي يرتكب الزنى بصـورة دائمة.. ويُكملون ليقولوا: " كل عائلته وجدوده كانوا هكذا ".
2 – فلان.. " قمرجي " أي يلعب الميسر ويُقامر بصورة دائمة.. ويُكملون ليقولوا: " كل عائلته وجدوده كانوا هكذا ".
3 - فلان.. " حرامي " أي يسرق بصورة دائمة.. ويُكملون ليقولوا: " كل عائلته وجدوده كانوا هكذا ".
وفلان كذا.. وكذا.. وكذا.. وهكذا دواليك..
إنها سيرة عائلات.. خطايا وعادات الآباء التي تستمر لدى الأبناء الذين لا يأخذون موقفًا جدِّيًا وحاسمًا منها..
هذه هيَ القيود القاسية، والتي تُصبح كالحصون التي يبنيها العدو في داخلنا ويتحصًّن فيها، والتي تأخذ وقتًا طويلاً أحيانًا لكي نتحرَّر منها..
وهؤلاء هُم الأعداء الذين ينبغي أن نُحاصرهم ونفعل بهم كل ما ذكرناه سابقًا..
ينبغي من خلال حصارنا الروحي أن نقطع عن هذه القيود والعادات المتأصِّلة فينا، ما يُغذِّيها، ما يُثيرها من جديد، ويجعلها تتأجَّج، والرسول بولس الذي علَّمنا عن هذه الحصون، علَّمنا قائلاً:
" ... فلنطرح أعمال الظلام، ونلبس سلاح النور، وكما في النهار، لنسلك سلوكًا لائقًا: لا في العربدة والسكر، ولا في الفحشاء والإباحية، ولا في النزاع والحسد، وإنمَّا ﭐلبسوا الرب يسوع المسيح، ولا تصنعوا تدبيرًا للجسد لقضاء شهواته " (رسالة رومية 13: 12 – 14).
لا تصنعوا تدبيرًا للجسد.. لقضاء شهواته.. أي لا تضع نفسك في مناخات تعرفها أنها ستكون بمثابة تجربة قوية لكَ، تجربة لنقاط الضعف السابقة التي كانت في حياتك.. للثغرات القديمة..
1 - ضعيف أمام الإدمان على الخمر، فأقوم وأُلبِّي كل دعوات الأصدقاء القُدامى إلى ولائم الأكل والشرب..
2 - ضعيف أمام الأفلام الإباحية، أقوم وأصرف أغلب أوقاتي أمام التلفزيون والدش، وأجلس كثيراً في مجالس المُستهزئين..
3 - ضعيف أمام الجنس الآخر.. أعمل لكي أتواجد دومًا في أماكن يكثر فيها الجنس الآخر.. وأحيانًا أتقصَّد لقاءات منعزلة معهم..
4 - ضعيف أمام المال.. أحاول دومًا أن أستلم مراكز ومهمات يكثر فيها المال..
هذا هوَ تدبير الجسد الذي حذَّرنا منهُ بولس الرسول..
والمطلوب منِّي ليسَ فقط أن لا أصنع تدبيرًا للجسد، بل أن أُحاصر وأحمي نقاط الضعف هذه، والعادات المتأصِّلة فيَّ، فأبني بينها وبينَ الأعداء الخارجيين سورًا من حديد كما قرأنا في سفر حزقيال قبل قليل، وفي العهد الجديد أضع الصليب بيني وبينها..
الصليب الذي وكما يقول بولس:
" ... بهِ قد صُلِبَ العالم لي، وأنا للعالم " (رسالة غلاطية 6 : 14).
ثمَّ أستأسر كل فكر يأتي بهِ العدو لكي يُغريني ويغويني، وأهدم كل ظنون يحاول العدو زرعها في ذهني في هذه المجالات..
وأضع جيوشًا كثيرة حول هذه النقاط الحساسة، بحيث أطلب من الرب أن يُرسل لي ملائكة كثيرين لكي يُسيِّجوا حول هذه النقاط، وأطلب من الروح القدس عنايته الخاصة بي لحراسة وحماية هذه النقاط.. فأغدو كالرسول بولس، حينما أو حيثما أنا ضعيف فأنا قوي، لأنني مُتنبِّه لما قاله لي الرب، ونعمتهُ وحمايتهُ تكفيانني..
كُن حذرًا.. كُن مُدقِّقًا.. كُن مُتيقِّظًا.. إحمِ نقاط ضعفك.. حاصر الأعداء الذين في الداخل.. إلى أن يُسلِّمهم الرب إلى يديك، كما سنتعلَّم لاحقًا.. فعندها تطردهم، وتُحرِّر أرضك بالكامل !!!