الثغرات الخطيرة
     
 

لكــن.. وكما أوصانا الرسول بولس، ينبغي علينا أن لا نجهل أفكار إبليس..
لأنَّ إبليس ذكي جدًّا.. وهوَ يعرف أنَّهُ ليسَ بالسهولة يُمكنهُ إخراج أولاد الله من بيت الآب.. فالمؤمنون الحقيقيون لا يتركون بيت الآب بشكل طوعي أو عن سابق تصوُّر وتصميم.. ولذلكَ فإنَّ إبليس يأتي إليهم كما جاءَ إلى آدم وحواء.. مُتخفِّيًا كحيَّة أو كثعلب.. ويبدأ بفتح ثغرات في سور الحماية.. عندما ننخدع ونتجاوب معهُ..   

نعم.. فإنَّ الأسوار لا تنهدم بصورة مُفاجئة، نظرًا لمتانتها وقوَّة وضخامة الحجارة التي صُنعت منها، بل المُتعارف عليه أنَّ الأعداء أو السارقين يبدأون بفتح ثغرات عديدة في السور الذي يُريدون الدخول منهُ أو هدمه، وهكذا يتم إسقاطهُ لاحقًا..

ماذا يعني لنا هذا الكلام، في ما خصَّ دراستنا هذه عن الحرب الروحية؟

لقد سبقَ وشرحنا في الفصل السابق، أنَّ أحد أهم أهداف العدو من حربه علينا، هوَ أن يؤذينا شخصيًا، وأن يُعطِّلنا كمؤمنين عن العمل من أجل الملكوت، ومن أجل خطف النفوس منهُ ونقلها إلى ملكوت الله، وهوَ يُعطلنا عندما يتمكَّن من إيذائنا في مختلف دوائر حياتنا.. من خلال إيقاعنا في الخطايا والتعديات.. ويأتي لنا بالأمراض.. بالمشاكل.. بالحزن.. بالاحباط.. بالاكتئاب.. وما إلى ما هنالكَ من أمور مشابهة، لكي يُرهقنا ويجعلنا ننشغل بأنفسنا، وننصرف عن محاربته وخطف النفوس منهُ..

سيُحاربنا بكل تأكيد.. فهذه حقيقة لا ينبغي أن ننساها على الإطلاق.. لكن حتى لا نسمح لهُ بأن يقدر علينا، ينبغي أن يكون سور الحماية الذي أقامهُ الرب حولنا مُقفلاً بإحكام، ولا وجود لأي ثغرة فيه على الإطلاق، وهذا هوَ دورنا، بأن نكون حريصين كل الحرص، ومُدقِّقين كل التدقيق في كل شيء، فالرسول بولس يقول:
" وما من مُجنَّد أو جندي يُربك نفسهُ بشؤون الحياة، إذا رغبَ في إرضاء من جنَّدهُ، كما أنَّ المُصارع أو المُحارب لا يفوز بالإكليل إلاَّ إذا صارعَ أو حاربَ بحسب القوانين ". (رسالة تيموثاوس الثانية 2 : 4 – 5).

فالجندي الحقيقي والمُحارب الحقيقي، يُحارب حسب قوانين الله، ويكون يقظًا في كل لحظة تحسبًّا لأي هجمة أو خدعة يُحاول العدو أن يواجههُ بها.

وسفر نشيد الأنشاد يقول لنا:
" هُوَّذا تخت سليمان حوله ستون جبَّارًا من جبابرة إسرائيل، كلهم قابضون سيوفًا ومتعلِّمون الحرب، كل رجل سيفه على فخذه، تحسُّبًا من هول الليالي ".
(سفر نشيد الأنشاد 3 : 8 – 9).

والرسول بطرس يُنبِّهنا قائلاً:
" إصحوا وﭐسهروا، لأنَّ إبليس عدوّكم، كأسد زائر يجول مُلتمسًا من يبتلعه هوَ ".
(رسالة بطرس الأولى 5 : 8).

إصحوا وﭐسهروا قال الرسول بطرس.. لأنَّهُ فقط عندما ننام أو نغفل أعيننا، ينجح إبليس في فتح الثغرات:
" قدَّمَ لهم مثلاً آخر قائلاً: يُشبه ملكوت السموات إنسانًا زرع زرعًا جيدًا في حقله، وفيما الناس نيام، جاءَ عدّوهُ وزرع زوانًا في وسط الحنطة ومضى ".
(إنجيل متى 13 : 24 – 25).
عندما ننام.. يأتي عدّونا ويزرع زرعًا فاسدًا.. يفتح الثغرات..
هكذا ينبغي على المؤمنين المُحاربين المشغولين بعمل الله ﭐنشغالاً حقيقيًا، أن يبقوا مُتيقِّظين وحذرين ليلاً ونهارًا.. لكي يمنعوا العدو من فتح أي ثغرة ينفذ منها إلى الداخل..

وما يعنينا في موضوع حماية الأسوار والتنبُّه إلى عدم فتح ثغرات في هذه الأسوار من قِبَل الأعداء، فهوَ يعنينا على صعيدين:
1 - الصعيد الشخصي، أي حياتنا الشخصية..
2 - والصعيد العام.. أي حربنا لاستعادة الأرض وتحرير النفوس الأسيرة فيها.

فكلنا أتينا من آدم، نسل مشوَّه كما سبقَ وذكرنا، والله عندما خلقَ آدم، خلقهُ كاملاً وبنى حولهُ سور حماية، وأعطاه توجيهاته ووصاياه لكي يبقى هذا السور مرتفعًا حولهُ، ليحميه من هجمات العدو، لكن إبليس نجحَ من خلال إغواء حواء أولاً، في فتح ثغرات في سور الحماية، وعندما كَمُلَ عملهُ، وقرَّر آدم أن يتجاوب معهُ، فعصا الله وأطاعَ الشيطان، ﭐنهدمَ السور، فدخلَ إبليس وﭐحتلَّ أرضًا داخل آدم..

ولأننا أتينا من آدم، فنحنُ جميعنا لدينا ثغرات في سور حياتنا، وهذه الثغرات وبسبب الخطايا التي نرتكبها وتتأصَّل فينا على مر السنين، تزداد وتتوسَّع، فيدخل منها إبليس ويحتل أراضيَ كثيرةً في حياتنا..
إذًا ودون أدنى شك، فإنَّ هذه الثغرات ما هيَ إلاَّ نتيجة الخطايا التي نرتكبها..

لكن، عندما نأتي إلى الرب ونفتح لهُ قلبنا، تائبين عن خطايانا، مُعترفين بعمل الرب على الصليب من أجلنا، ونقبل خلاصه، وننضم إلى عائلة الله، فالرب سيبني السور حولنا من جديد، وسيُسيِّج حولنا، وسيسد بدمه وبرداء برِّه الثغرات التي تكون في حياتنا..

وكما سبقَ وذكرنا، فإنَّ الرب يكسونا رداء البر، أي دمهُ الثمين، فيُقفل كل الثغرات التي فتحتها الخطايا قبلَ مجيئنا إليه..

لكن المشكلة تكمن في تلكَ الأراضي التي ﭐحتلها العدو في حياتنا قبلَ مجيئنا إلى الرب..
نعم.. لقد أقفلَ الرب الثغرات بدمه، لكن الأعداء - وبصورة تعبيرية - ما زالوا في الداخل، وإبليس الذي يكرهنا سيُحاول بكل قواته الخارجية والداخلية أن يفتح تلكَ الثغرات من جديد، أو أن يفتح ثغرات جديدة ربما، ليعبث بحياتنا ويُثنينا عن متابعة حربنا ضدَّه.. وهوَ الخبير بنقاط ضعفنا القديمة وبالثغرات التي كانت في حياتنا، وسيعمل عليها ليل نهار، لكي تنفتح من جديد..

وهنا تأتي مسؤوليتنا.. لأننا لسنا متروكين.. لسنا يتامى.. بل لقد أرسلَ الآب لنا الروح القدس لكي يُعيننا يُساعدنا يُشدِّدنا ويمدَّنا بالقوة اللازمة، لكي نطرد هؤلاء الأعداء من الداخل، ونسترد الأراضي التي ﭐحتلها العدو.. ونُركِّز جهدنا على محاربة العدو الخارجي فقط، والذي تكون محاربته أسهل عندما نطرد الأعداء الذين في الداخل، فهناك مثل شائع يقول: " ألف عدو خارج الدار.. ولا عدو واحد داخل الدار ".

سنتعلَّم معًا في فصل لاحق كيفَ نطرد هؤلاء الأعداء الداخليين، ونُحرِّر أرضنا منهم ونستردها.. لكن في هذا الفصل سوفَ نُكمل دراستنا عن موضوع الثغرات..

لذا ينبغي على كل من ﭐنخرطَ في جيش الرب، أن يضبط نفسه، وأن لا يسمح للعدو بإعادة فتح الثغرات القديمة أو ثغرات جديدة في حياته، لأنَّ سفر الأمثال يُحذِّرنا قائلاً:
" الرجل المُفتقر إلى ضبط النفس، مثلَ مدينة مُنهدمة لا سور لها " (سفر الأمثال 25 : 28).

فمن لا يتجاوب مع عمل الروح القدس، ويكون مُتيقِّظًا ومُتنبِّهًا لخطط العدو، ويضبط نفسه، ويتبع توجيهات الروح ويعمل بها، سيكون كمدينة لا سور لها..
وهيَ مفتوحة أمام كل الأعداء..

" فمن يحفر هوَّة يقع فيها، ومن ينقض جدارًا تلدغهُ حيَّة " (سفر الجامعة 10 : 8).

إبليس متربِّص بنا شرًّا بصورة دائمة.. ففي اللحظة التي تفتح فيها أي ثغرة لهُ في جدار أو سور حياتك.. سيلدغك.. ستلدغك الحيَّة القديمة.. فكُن حذرًا..

 
 
   
عودة إلى الفصل الرابع