كانت الأسوار ومـا زالت حتى يومنا هذا، تُعتبر رمزًا للحماية، فعندما تعلـو الأسـوار حول مدينة مُعيَّنة، كانت تُعطي الأمـان للشعـب، وعندما تنهدم الأسوار كانَ الشعب يُدرك أنهُ قد ﭐنهزمَ لا محالة..
فعندما سقطَت أسوار أريحا المشهورة، سقطت المدينة كلّها في يد الشعب المُهاجم..
وتؤكِّد لنا كلمة الله في مواضع أُخرى هذا المبدأ:
" هكذا قال الرب: من أجل ذنوب غزَّة الثلاثة والأربعة، لا أرجع عنه... فأُرسل نارًا على سور غزّة، فتأكل قصورها... هكذا قال الرب: من أجل ذنوب صور الثلاثة والأربعة، لا أرجع عنه... فأُرسل نارًا على سور صور، فتأكل قصورها... هكذا قال الرب: من أجل ذنوب بني عمّون الثلاثة والأربعة، لا أرجع عنهُ... فأُضرم نارًا على سور ربَّة، فتأكل قصورها... " (سفر عاموس النبي 1 : 6 – 14).
معادلة واضحة.. يسقط السور.. سور الحماية.. تسقط المدينة..
ونحميا رجل الله، كانَ حزينًا ومُكمد الوجه، عندما سمعَ أنَّ أسوار أورشليم قد هُدمت، لأنَّهُ يعلم تمامًا ما معنى أن تنهدم أسوار مدينة، يعلم أنَّها أصبحت مرتعًا للأعداء الذين سيحتلونها ويعبثون فيها، وعندما دخلَ إلى الملك أرتحششتا الذي كانَ يخدمهُ، أخبرهُ بذلكَ:
" وفي شهر نيسان في السنة العشرين لأرتحشستا الملك، كانت خمر أمامه، فحملت الخمر وأعطيت الملك، ولم أكن قبل مكمدًا أمامه، فقال لي الملك: لماذا وجهك مُكمد وأنتَ غير مريض، ما هذا إلاَّ كآبةَ قلب، فخفتُ كثيرًا جدًّا وقلتُ للملك: ليحيىَ الملك إلى الأبد، كيفَ لا يكمد وجهي، والمدينة بيت مقابر آبائي خراب، وأبوابها قد أكلتها النار ".
(سفر نحميا 2 : 1 – 3).
وعندما سألهُ الملك ماذا تطلب؟
لم يتردد نحميا بالإجابة، إذ قالَ للملك: أن أذهب وأبني الأسوار.
وعندما وصلَ إلى أورشليم كانَ همّه الوحيد أن يبني السور:
" ثُمَّ قلت لهم: أنتم ترون الشر الذي نحن فيه، كيفَ أنَّ أورشليم خربة وأبوابها قد أُحرقت بالنار، هلمَّ فنبني سور أورشليم، ولا نكون بعد عارًا " (سفر نحميا 2 : 17).
وكما أنَّ رجالات الله يعلمون أهمية بناء الأسوار حول المدن، فبالمقابل فإنَّ الأعداء يعلمون أيضًا كم هوَ مؤذٍ لهم بناء أسوار المدن التي هدموها:
" ولمَّا سمع سنبلّط وطوبيا والعرب والعمونيون والاشدوديون (أعداء نحميا)، أنَّ أسوار أورشليم قد رُمِّمت، والثغر ﭐبتدأت تُسد غضبوا جدًا " (سفر نحميا 4 : 7).
وهذا المقطع يوضح لنا سبب غضبهم:
" فليُحَطِ الملك علمًا أنَّهُ إذا تمَّ بناء هذه المدينة، وﭐسْتُكملت أسوارها، فإنَّ أهلها لن يؤدُّوا جزيةً ولا خراجًا ولا خفارة مما يُضير خزينة قصر الملك... ونحنُ نُحذِّر الملك أنَّهُ إذا أُعيدَ بناء هذه المدينة، وﭐسْتُكملت أسوارها، فإنَّكَ تفقد كل ما تملك عليه في عبر نهر الفرات " (سفر عزرا 4 : 13 – 16).
فعندما تُستكمل الأسوار أو يُعاد بناؤها.. يفقد أعداؤها السيطرة عليها !!!
ولو تأمَّلنا في سفر نحميا، لاكتشفنا كيفَ حاول أعداؤه بكل قواهم، أن يمنعوه من بناء السور، وبالمقابل كيف عمل نحميا ومن معهُ، بكل قواهم أيضًا لبناء السور، فكانت معركتهم معركة بناء الأسوار بٱمتياز، نظرًا لأهميَّة هذا الأمر، وفي النهاية نجحوا !!!
فلا يُمكن لأي قائد على وجه الأرض أن يسمح لقطاع مسؤوليته، إن كانَ مدينة واحدة أو عدة مدن، أن يكون مفتوحًا أمام الأعداء، دون أيَّة أسوار تحميه، ولن يسمح بأن يكون جنوده مكشوفين أمام أعدائهم، بل ينبغي عليه أن يحميهم خلف السور المتين، لكي لا يُصابوا أثناء المعارك أو يُقتلوا.. فإن كانَ القائد الأرضي يفعل ذلكَ، فكم بالحري قائدنا نحن.. أبونا السماوي الذي يُحبنا محبة غير مشروطة..
أضف إلى ذلكَ بأنَّ المُحارب ومهما كانَ شجاعًا، فهوَ سيزداد شجاعة وقوة وشراسة في الحرب، عندما يشعر ويلمس بأنَّ شروط الحماية مؤمَّنة لهُ بطريقة واضحة ودقيقة..
وهذا هوَ أحد أهدافي من هذا الفصل، أن أجعلك تُدرك تمامًا كم أنتَ محمي، لكي تطمئن، ولكي تزداد شجاعتك وشراستك في الحرب ضد إبليس ومملكته !!!