ليسَ من باب الصدفة، أن يُكرِّر الرب طلبهُ لبطرس الرسول ثلاث مرات، قبلَ أن يصعد إلى السماء:
" فبعدما تغدُّوا قال يسوع لسمعان بطرس: ... إرعَ خرافي، قال لهُ أيضًا ثانيةً... إرعَ غنمي، قال لهُ ثالثةً... إرعَ غنمي " (إنجيل يوحنا 21 : 15 – 17).
ثلاث مرَّات " إرعَ خرافي أو غنمي ".
في آيتين فقط.. ثلاث مرات قالَ الرب لبطرس، إرعَ غنمي، ليؤكِّد لنا الحاجة الماسَّة إلى قائد يرعى القطيع.. قطيع الرب.
وماذا دوَّنَ لنا الروح القدس في سفر حزقيال عن الموضوع نفسه؟
" فتشتَّتَت بلا راعٍ وصارت مأكلاً لجميع وحوش الحقل وتشتَّتَت، ضلَّت غنمي في كل الجبال وعلى كل تل عالٍ، وعلى كل وجه الأرض تشتَّتَت غنمي، ولم يكن من يسأل أو يُفتِّش... إنَّ غنمي صارت غنيمة، وصارت غنمي مأكلاً لكل وحش الحقل، إذ لم يكن راع... " (سفر حزقيال النبي 34 : 5 – 8).
تشتَّتَت.. لأنها كانت بلا راعٍ.. لم يكن من يسأل أو يُفتِّش عنها..
فصارت غنيمة ومأكلاً للوحوش..
إذ لم يكن راعٍ لها !!!
هذه هيَ خطة الله لنا.. الخراف تحتاج إلى راعي.. إلى قائد.. أو سيكون مصيرها التشتيت.. غنيمة لإبليس وأجناده.. ومأكلاً لهُ.. وكل محاولة خارج هذا الإطار ستؤول إلى الفشل..
وهدف إبليس مزدوج:
1 – تشتيت الخراف.. إيذاؤُها وقتلها..
2 - ومن ثمَّ منعها عن القيام بدورها الأساسي، ألاَ وهوَ محاربتهُ وهزمهُ.. وجمع خراف أُخر..
لذا لنتعلَّم ولنُدرك في أعماقنا الحاجة الماسة والضرورية إلى قائد يقودنا..
أكثر من واعظ ومُرشد:
لم يتراءَى الله لشعبه في مصر، ويطلب منهم الخروج من تلكَ الأرض، أرض العبودية.. بل تراءَى لموسى كما ذكرنا وقالَ لهُ:
أنتَ تُخرِج شعبي من مصر..
وموسى قالَ للشعب أنَّ الله:
" أوصى يشوع بن نون وقال: تشدَّد وتشجَّع لأنَّكَ أنتَ تدخل ببني إسرائيل الأرض التي أقسمت لهم عنها، وأنا أكون معك " (سفر التثنية 31 : 23).
وعندما ماتَ موسى.. تراءَى الله ليشوع وأكَّدَ لهُ من جديد:
أُعبر الأردن بهذا الشعب.. وأنتَ من يقسم لهم الأرض التي أعطيتهم إياها..
ولو تأملتَ بكلمة الله، لاكتشفتَ كيف أنَّ مصير الشعب بكامله، وخضوعه لله، ونجاحه كانَ مُرتبطًا ﭐرتباطًا وثيقًا بسلوك القائد بالدرجة الأولى:
" وعبد الشعب الرب، كل أيام يشوع... " (سفر القضاة 2 : 7).
" وحينما أقام الرب لهم قضاة، كان الرب مع القاضي، وخلَّصهم من يد أعدائهم كل أيام القاضي... " (سفر القضاة 2 : 18).
" فذُلّ الفلسطينيون ولم يعودوا بعد للدخول في تخم إسرائيل، وكانت يد الرب على الفلسطينيين كل أيام صموئيل " (سفر صموئيل الأول 7 : 13).
" وكان سليمان مُتسلِّطًا على جميع الممالك من النهر إلى أرض فلسطين، وإلى تخوم مصر، كانوا يُقدِّمون الهدايا ويخدمون سليمان كل أيام حياته " (سفر الملوك الأول 4 : 21).
" وعمل يوآش المستقيم في عيني الرب، كل أيام يهوياداع الكاهن... وكانوا يُصعدون محرقات في بيت الرب دائمًا كل أيام يهوياداع " (سفر أخبار الأيام الثاني 24 : 2، 14).
" وأزال يوشيَّا جميع الرجاسات من كل الأراضي التي لبني إسرائيل، وجعلَ جميع الموجودين في أورشليم يعبدون الرب إلههم، كل أيامه لم يحيدوا من وراء الـرب إله آبائهم " (سفر أخبار الأيام الثاني 34 : 33).
والملفت النظر أكثر.. أنهُ بالرغم من أنَّ الشعب أيام يشوع، خاضَ المعارك وربحها، فكلمة الله دوَّنت لنا ما قالهُ يشوع:
" ... والشعوب التي قهرتها أنا " (سفر يشوع 23 : 4).
والله يقول ليشوع:
" لا يقف إنسان في وجهك كل أيام حياتك، كما كنت مع موسى أكون معك، لا أهملك ولا أتركك " (سفر يشوع 1 : 5).
الله يرى أن يشوع هوَ من قهرَ الأعداء.. والله يقول ليشوع لا يقف أحد في وجهك أنت، وليسَ في وجه الشعب !!!
أحبائي: الله يقود شعبه.. ويُملِّكهم الأراضي.. ويُربحهم الحروب من خلال القادة الذين يُعيِّنهم.. فإلهنا إله ترتيب.. وهوَ من أعطى السلطان لمن أقامهم وأوصانا أن نخضع لهذا السلطان:
" ... لأنَّهُ ليسَ سلطان إلاَّ من الله، والسلاطين الكائنة هيَ مرتَّبة من الله، حتَّى أنَّ من يُقاوم السلطان، يُقاوم ترتيب الله، والمُقاومون سيأخذون لأنفسهم دينونة ".
(رسالة رومية 13 : 1 – 2).
فلنكن حذرين، ولنكن مُطيعين.. ولنخضع لخطة الله..
هذا إن كنَّا نريد أن نمتلك الأراضي ونهزم أعداءَنا..
دع هذه الآيات تدخل إلى أعماقك بالروح القدس، لكي تؤكِّد لكَ خطَّة الله لشعبه في العهد القديم، ولكنيسته في العهد الجديد.. ولكي ينزع الرب من قلبك كل ميل للاستقلالية والاستغناء عن وجود قائد، ويضع بداخله القائد الذي ٱختاره هوَ لكَ، لكي تُرعى بطريقة صحيحة.. تتغذَّى بطريقة صحيحة، تنمو بطريقة صحيحة.. وتكون محميًا من التشتيت أو الافتراس من قبل الوحوش، وتُدرك في أعماق.. أعماق قلبك، أنَّ خطط الحرب، خطط النجاح، توجيهات الله، مسحة القوات والمُعجزات والثمر... الذين يمنحهم الرب لكنيسته، سيُعطيها إلى القائد الذي أقامهُ، ومن خلال قيادته وخضوعك لهُ وطاعتك لهُ، ستمر هذه المسحة وهذه الخطط لكَ، لكي يستخدمك الرب في المواهب التي خصَّك بها، وهوَ لن يُعطيك أنتَ خططه وتوجيهاته لقيادة الكنيسة أو الحرب، فلا تضل أبدًا، لأنَّ إلهنا إله ترتيب، فالآيات التي تأملنا بها، كلها تقول إنَّهُ " كل أيام القائد الفلاني " حدثَ ذلكَ أو ذاك..
وأبدًا.. ليسَ كل أيام الشعب !!!
فما ينبغي أن نُدركهُ، أنَّ القائد هوَ أكثر وأبعد من مجرَّد واعظ أو مُعلِّم أو مُرشد.. بل هوَ قائد يضع الله بين يديه ﭐستراتيجيته لكي يُحرِّر شعبهُ من القيود ويُنقِّيهم ويُدرِّبهم ويُجهِّزهم ومن ثمَّ يقودهم في الحرب ضد إبليس ومملكته لكي يهزمهم، ويدخل أراضي جديدة، يربط فيها القوي، وينتزع منهُ أسلحته التي ﭐتكلَ عليها، وينهب غنائمهُ والنفوس التي يأسرها..
لا تسمح لإبليس أبدًا أن يُعمي عينيك عن هذه الحقائق الهامة، ويُشغلك في متاهات أنتَ بغنى عنها..
يقسم لكَ الأرض:
" هذان ﭐسما الرجلين اللذين يقسمان لكم الأرض، ألِعازار الكاهن، ويشوع بن نون ".
(سفر العدد 34 : 17).
" وأمَّا يشوع فٱوصهِ وشدّده وشجّعه، لأنَّهُ هوَ يعبر أمام هذا الشعب، وهوَ يقسم لهم الأرض التي تراها " (سفر التثنية 3 : 28).
الله وَعَدَنا بٱمتلاك الأرض من جديد.. وسبقَ وشرحنا أنَّهُ علينا أن نفعل الكثير لكي نمتلك الأرض ونرى الوعود والنبوءَات تتحقَّق..
فلكي نمتلك الأرض ينبغي أن نُحارب ونسير في خطَّة مُحكمة ومدروسة، لأننا نُحارب عدوًا شرسًا وذكيًا.. وينبغي أن تتفوَّق شراستنا وحكمتنا على شراسة وذكاء العدو لكي ننتصر..
ولهذا ينبغي أن نخضع لمن أقامهُ الله قائدًا علينا، وعيَّنهُ لكي يقسم لنا الأرض، ويُحدِّد دور كل واحد منَّا في هذه الحرب..
فلا يوجد أي قائد عسكري على وجه الأرض.. وعندما يُقرِّر أن يخوض حربًا، يجمع جنودهُ ويقول لهم: هذه هيَ الأرض التي ينبغي علينا أن نستردَّها.. ومن ثمَّ يُرسلهم كلاًّ على هواه، ويترك كل واحد منهم يُحارب على طريقته الخاصة..
فهذا سيؤدِّي بكل تأكيد إلى الهزيمة، وإلى موت جميع الجنود..
بل على العكس تمامًا، فهوَ يضع خطة دقيقة لحربه، ويُجهِّز الخرائط، والدراسات، ويدرس الأرض التي يُريد ﭐسترجاعها، ويدرس وضع الأعداء.. ويُحدِّد لكل عنصر من عناصره مهمته بالضبط، فمنهم من يستطلع الأرض، ومنهم من يُراقب تحركات العدو، ومنهم من يُدافع، ومنهم من يُنفِّذ كمائن، ومنهم من يهجم، وهكذا دواليك...
وهوَ يُحدِّد لكل واحد منهم محور التقدُّم الذي ينبغي أن يسير عليه، والأرض التي ينبغي أن يدخل إليها..
وهوَ يستند في كل هذا، إلى معرفته الدقيقة بمقدّرات كل واحد منهم، فهوَ من يتواجد معهم بٱستمرار، ويكون قريبًا من الجميع، وهوَ من درَّبهم وأعدَّهم...
هكذا تُربح الحروب.. وتُمتلك الأراضي..
وهذه هيَ خطة الرب نفسها للمؤمنين الذين يخوضون الحروب الروحية ضد إبليس ومملكته..
لقد أعطى موسى لكالب أرض جبلية، يسكن فيها بني عناق الجبابرة.. لأنَّهُ كان يعرف مُقدّرات كالب..
وأعطى آخرين سهولاً.. يسكن فيها قوم ضعفاء..
وأعطى آخرين وديانًا.. وهكذا دواليك...
كل واحد لهُ الأرض التي تتناسب مع مُقدّراته..
وبولس الرسول أوصانا قائلاً:
" فإنِّي أقول بالنعمة المُعطاة لي، لكل من هو بينكم، أن لا يرتئي فوق ما ينبغي أن يرتئي، بل يرتئي إلى التعقُّل، كما قسمَ الله لكل واحد، مقدارًا من الإيمان، فإنَّهُ كما في جسد واحد لنا أعضاء كثيرة، ولكن ليسَ جميع الأعضاء لها عمل واحد " (رسالة رومية 12 : 3 – 4).
لا تخف أن لا يكون لكَ دور.. فالمشكلة ليست هنا، فالرب كانَ ولا يزال يشكو من قلَّة الفَعَلَة، عندما قال:
" الحصاد كثير ولكن الفعلة قليلون ".
لكن المشكلة تكمن، بأن أغلبنا يقسمون الأرض لأنفسهم، ويأبون أن يقسمها لهم القائد الذي أقامهُ الله عليهم، وكلَّفهُ بهذه المهمة..
الكل يريد أن يكون " عينًا "، ولا أحد يُريد أن يكون " قدمًا " مثلاً..
فيغدو الجسد أعرجَ.. أو كسيحًا لا يُمكنهُ السير..
وبلغة بولس، الكل يرتئي فوق ما قسمَ لهُ الله..
كثيرون خارج الخطة..
ولا يتفاجأ أحد أبدًا بهذا الكلام ..
فالتعب الذي تُعاني منهُ، والثمر القليل، ليسا دليل سوى أنكَ خارج الخطة..
بعيد عن أرضك !!!
الخدمات العلنية والكُبرى تُبهر عيون الجميع.. والكل يسعى وراءَها..
أمَّا الخدمات التي في الخفاء فالكل يبتعد عنها..
فليسَ القش والعشب والخشب، كبيري الحجم من لهم قيمة ثمينة..
بل الذهب والفضة والأحجار الكريمة، صغيري الحجم من لهم قيمة ثمينة..
هذا ما قالهُ بولس الرسول (رسالة كورنثوس الأولى 3 : 12 – 13).
وليس عدد الوزنات، هوَ من سيُحدِّد مكافآتنا التي سننالها في الأبدية..
بل الأمانة للوزنات مهما كانَ عددها، من سيُحدِّد مكافآتنا في الأبدية..
وتدَّعي بأنَّهُ لديك مواهب عظيمة وكثيرة، ولا يستخدمونكَ فيها..
بل تواضع تحت يد الرب، وثق بالقائد الذي أقامه الرب عليك، لكي يقسم لكَ الأرض التي ينبغي أن تكون من مسؤوليتك، والرب سيرفعك في الوقت المناسب..
لا تخف لن يسمح الرب بأن تضيع مواهبك، بل عندما يرى موقف قلبك الخاضع والمتواضع والذي يحترم ترتيبه، سيرفعك في وقته هوَ، وطريقته هوَ..
كم كانَ ﭐمتيازًا عظيمًا، لشاب صغير، راعي غنم قادم من الحظيرة، أن يراه الشعب كلَّهُ يرتدي ثياب الملك ويحمل سلاحه وعتاده، لكنهُ وببساطة وبجرأة رفض ذلكَ.. فهو لا يُريد الشهرة والظهور، بل كانَ يُريد أن يقوم بالدور الذي أعطاه إياه الرب بالتحديد..
رفضَ المظاهر المُزيَّفة.. التي أعاقته عن السير.. وﭐكتفى بما قسمهُ الله لهُ.. فتقدَّمَ لمواجهة أقوى عدو.. العملاق " جليات " وهزمهُ بسلاح بدائي للغاية.. مقلاع وحجارة.. لأنَّ رب الجنود كانَ معهُ.. إنَّه الملك داود.. فلنتعلَّم من هذا الدرس..
ولنخضع للقائد الذي أقامهُ الله علينا، ولنسألهُ عن الأرض التي عيَّنها لنا، والمهمة التي أوكلها إلينا، لكي ننجح في كل ما ﭐمتدت إليه أيدينا..
نُشجِّعهُ.. نمشي خلفهُ.. ونحميه:
" فتأوَّهَ داود وقال: من يسقيني ماء من بئر بيت لحم التي عند الباب؟ فشقَّ الثلاثة محلّة الفلسطينيين، وٱستقوا ماءً من بئر بيت لحم التي عند الباب، وحملوه وأتوا به إلى داود، فلم يشأ داود أن يشربهُ، بل سكبهُ للرب، وقال: حاشا لي من قبل إلهي أن أفعل ذلك، أأشرب دم هؤلاء الرجال بأنفسهم، لأنهـم إنمـا أتوا به بأنفسهم، ولم يشأ أن يشربهُ، هذا ما فعله الأبطال الثلاثة " (سفر أخبار الأيام الأول 11 : 17 – 19).
لم يطلب داود من رجاله أن يذهبوا إلى بيت لحم، لكي يأتوا لهُ بالماء، لكنهُ بمجرَّد أن عبَّر عن رغبته بالشرب من هذا البئر، نرى أن ثلاثة من رجاله الأبطال، ٱقتحموا صفوف العدو، خاطروا بحياتهم، من أجل جرعة ماء لا أكثر ولا أقل، فقط لأنَّ قائدهم تمنَّى لو يسقيه أحد من هذا البئر !!!
كم هيَ مُعبِّرة هذه القصة، وكم كان تصرفهم يُعبِّر عن محبة غير ٱعتيادية تملأ قلوبهم تجاه قائدهم.. من أجل جرعة ماء لا أكثر ولا أقل..
ويشوع يطلب من سبطي رأوبين وجاد ونصف سبط منسَّى، بعد أن ﭐمتلكوا أرضهم، أن يعبروا مع باقي الأسباط لكي يُقاتلوا عن إخوتهم.. يُقاتلوا من أجل منعفة غيرهم.. يُقاتلوا ويُعرِّضوا أنفسهم للمخاطر.. وتأتي ردَّة فعلهم على طلب من أقامهُ الله قائدًا عليهم:
" فأجابوا يشوع قائلين: كل ما أمرتنا بهِ نعملهُ وحيثما تُرسلنا نذهب، حسب كل ما سمعنا لموسى نسمع لكَ، إنمَّا الرب إلهك يكون معك، كما كان مع موسى، كل إنسان يعصى قولك، ولا يسمع كلامك في كل ما تأمره بهِ يُقتل، إنما كن مُتشدِّدًا وتشجَّع ".
(سفر يشوع 1 : 16 – 18).
كانوا شعبًا همّهم أن يكون قائدهم مُتشدِّدًا ومُتشجِّعًا.. مهما غلت تضحياتهم..
لا بل أكثر: فليُقتل من يعصى أوامرك !!!
أمَّا آباء هؤلاء فقد كانوا شعبًا مُختلفًا..
سماتهم كانت.. التذمُّر.. وإلقاءَ اللوم على القادة.. وإحباطهم.. ومن ثمَّ إيذاؤُهم..
لا بل قتلهم قبل تحقيق رؤيتهم !!!
" فرأى مُدبِّرو بني إسرائيل أنفسهم في بليَّة إذ قيلَ لهم أنتجوا من لبنكم فريضة كل يوم بيومه، وصادفوا موسى وهرون واقفين للقائهم حين خرجوا من لدن فرعون، فقالوا لهما: ينظر الرب إليكما ويقضي، لقد كرَّهتما بنا فرعون وحاشيته، وأعطيتماهم سيفًا في أيديهم ليقتلونا " (سفر الخروج 5 : 19 – 21).
يشن القادة حربًا على العدو بأمر من الله.. وهدفهم إخراج الشعب من قبضة الأعداء القاسية ومن نير العبودية.. وﭐمتلاك الأراضي المُحتلة..
فيشن إبليس حربًا مُضادة على الشعب ليمنعهم من تحقيق قصد الله..
والنتيجة.. الشعب يُلقي اللوم على القادة ويتمنَّى أن يُقاضيهم الله..
غريب هذا الأمر.. وغريب هذا الشعب..
حادثة أخرى لكي تفهم أكثر:
" فلمَّا ﭐقتربَ فرعون، رفع بنو إسرائيل عيونهم، وإذ المصريون راحلون وراءَهم، ففزعوا جدًّا وصرخَ بنو إسرائيل إلى الرب، وقالوا لموسى: هل لأنَّهُ ليست قبور في مصر أخذتنا لنموت في البريَّة، ماذا صنعت بنا حتى أخرجتنا من مصر؟ أليسَ هذا هو الكلام الذي كلمناك به في مصر قائلين: كف عنَّا فنخدم المصريين، لأنَّهُ خير لنا أن نخدم المصريين من أن نموت في البرية؟ " (سفر الخروج 14 : 10 – 12).
لحظات قبلَ أكبر معجزة شهدها التاريخ ربَّما.. لحظات قبلَ شق البحر الأحمر ليُصبح يابسة.. لحظات قبلَ التحرُّر من عبودية قاسية أَرْهَقت شعب لسنين طويلة..
شعب يلحق بهِ العدو ليُعيدهُ إلى النير القاسي..
وعوضًا أن يلتف حولَ قائده وحولَ الله، لكي يُحارب ويهزم العدو وينتصر.. يتذمَّر ودائمًا يُلقي اللوم على القائد.. ويتَّهمهُ بأنهُ يريد لهُ الموت في البرية.. ويتمنى العودة إلى دار العبودية ليخدم مُسخِّريه..
أيُّ شعبٍ هذا؟
والله يُحقِّق لهم أُمنيتهم.. ويُميتهم جميعهم في البريَّة كما ﭐشتهوا..
كانت الرحلة من مصر إلى أرض الراحة.. أرض الموعد..
تحتاج إلى أحدَ عشرَ يومًا فقط (سفر التثنية 1 : 2).
لكنها ﭐستغرقت أربعين سنة !!!
لماذا؟
" لأنَّ بني إسرائيل ساروا أربعين سنة في القفر، حتَّى فنيَ جميع الشعب، رجال الحرب الخارجين من مصر، الذين لم يسمعوا لقول الرب، الذين حلفَ الرب لهم، أنَّهُ لا يُريهم الأرض، التي حلف الرب لآبائهم أن يُعطينا إياها، الأرض التي تفيض لبنًا وعسلاً، وأمَّا بنوهم فأقامهم مكانهم... " (سفر يشوع 5 : 6 – 7).
هذه إحدى النتائج..
أمَّا النتيجة الثانية:
تاذَّى قائدهم من أجلهم وحُرِمَ من دخول أرض الموعد أيضًا.. وماتَ شرقي الأردن:
" (قالها موسى لله) دعني أعبر وأرى الأرض الجيِّدة التي في عبر الأردن هذا الجبل الجيد ولبنان، لكنَّ الرب غضب عليَّ بسببكم ولم يسمع لي، بل قال لي الرب: كفاك، لا تعد تُكلِّمني أيضًا في هذا الأمر " (سفر التثنية 3 : 25 – 26).
" وأسخطوه (أي لموسى) على ماء مريبة، حتى تأذَّى موسى بسببهم، لأنَّهم أمرُّوا روحه، حتى فرط بشفتيه " (المزمور 106 : 32 – 33).
أمرُّوا روحه.. فجعلوه يُخطئ.. وأماتوه شرقي الأردن.. ومنعوه من تحقيق رؤيته وأمنيته اللتين كافحَ وناضلَ وتحمَّلَ أقسى المشقات من أجلهما..
إنَّهُ شعب يقتل قادته قبل إتمامهم الرؤية !!!
نهر الأردن.. نهر ليسَ كباقي الأنهر.. بل هوَ نهر لهُ معنى روحي عميق.. هذا النهر.. شَهِدَ معمودية الكثير من الناس.. وشهدَ معمودية الرب يسوع المسيح.. هذا النهر يرمز إلى الموت عن الذات والشهوات الذاتية والموت عن كل ما ﭐقترفهُ شعب بكامله من خطايا وشرور..
وهوَ الحد الفاصل:
1 – بين شعب يُفضِّل العبودية والعودة إلى أرض مصر، على الحريَّة والعبور إلى أرض الموعد لاسترجاع الأرض المحتلة من الأعداء..
وشعب يُهاجم ليتحرَّر ويمتلك الأرض..
2 – بين شعب يدَّعي أنَّهُ يُريد أن يُحارب أعداءَهُ ويمتلك الأراضي.. لكنه يحارب قادته ولا يحارب العدو..
وشعب يخضع لقادته، يُشدِّدهم، يُشجِّعهم، ويُحارب العدو ويمتلك الأراضي..
3 – بينَ شعب يتذمَّر على قادته.. وعلى الله.. يُحبط قادته.. يؤذيهم..
لا بل يُميتهم قبلَ أن يُحقِّقوا دعوة الله لهم..
وشعب يُعلن الإيمان بوعود الله مهما عاكستهُ الظروف.. يحمي قادته.. ولا يوفِّر وسيلة لكي يُحقِّق معهم رؤيتهم..
شرقي الأردن.. أم غربي الأردن؟
اليوم عليك أن تُحدِّد موقعك، إن كنتَ تريد أن تربح الحرب على إبليس..
1 - شعب شرقي الأردن.. ماتوا جميعهم دون أن يعبروه، وأماتوا قائدهم معهم..
2 – وشعب غربي الأردن الذين أقامهم الله مكان آبائهم.. عبرَ بهم يشوع النهر..
فٱمتلكوا الأرض.. ونالوا البركات.. وحقَّقوا أُمنية قائدهم..
وهُم من قالوا ليشوع:
" كل ما أمرتنا بهِ نعملهُ وحيثما تُرسلنا نذهب ".
وهُم من خاطروا بحياتهم من أجل جرعة ماء.. تمنَّى قائدهم لو يحصل عليها..
هُم أشخاص.. لا يدعونك تُكمل ما تطلبهُ منهم، حتَّى يبدأوا بالتنفيذ، دون تذمُّر.. لا تشعر بهم.. يعملون بصمت وبهدوء.. يعملون في الخفاء.. لا يهدأون قبلَ تتميم العمل.. لا تحتاج أن تُوجِّه لهم ملاحظة.. لا يطلبون ما لأنفسهم بل ما للمسيح..
هُم أشخاص، يأتون إليك طالبين منك أن تستخدمهم دون شرط أو قيـد، يضعون مواهبهم ووزناتهم بين يديك.. قائلين لكَ: أرسلنا حيثما تشاء.. وعندما تصعب الطريق.. وتغلو التضحيات.. لا يتراجعون.. ولا يُلقون اللوم على أحد.. أشخاص لا تشعر بإحراج أن تطلب منهم ما يحلو لكَ..
فلأي شعب تُريد أن تنتمي؟
سؤال أتركهُ بينَ يديك !!!
ولأنَّ إبليس يعرف هذا المبدأ تمامًا، فهوَ يُهاجم هؤلاء القادة، بطريقة شرسة وبصورة دائمة، لكي يُضعفهم ويؤذيهم، فتتشتَّت الخراف، وهذا ما حذَّرنا منهُ الرب يسوع بنفسه عندما قال:
" لأنَّهُ مكتوب أنِّي أضرب الراعي فتتبدَّد الخراف " (إنجيل مرقس 14 : 27).
ولكي لا نذكر الكثير ممَّا دوَّنهُ لنا الكتاب المُقدَّس عن هذا الموضوع، سنكتفي بذكر الحادثة الأهم، وهيَ عندما ألقوا القبض على الرب لمُحاكمته، تقول الكلمة لنا:
" ... حينئذٍ تَركهُ التلاميذ كلّهم وهربوا " (إنجيل متى 26 : 56).
أضرب الراعي أو القائد فتتبدَّد الخراف..
فمن يحمي القائد؟
ولعلَّ الغالبية العُظمى منَّا ستقول وعلى الفور:
" فليحمِ نفسه.. وليسلك بأمانة أمام الرب.. وليكن بلا لوم.. صاحيًا، عاقلاً، مُحتشمًا، مُضيفًا للغرباء، صالحًا للتعليم، غير مُدمن الخمر، ولا طامعًا بالربح القبيح، بل حليمٌ، غير مُخاصم، ولا مُحبًا للمال، يُدبِّر بيته حسنًا، لهُ أولاد في الخضوع بكل وقار...
أليست هذه هيَ الصفات التي ينبغي أن تتوافر في كل من يرغب أن يكون راعي كنيسة أو قائد، كما يُخبرنا الرسول بولس؟ (رسالة تيموثاوس الأولى 3 : 2 – 7).
نعم.. لكنها جزء من الحقيقة الكاملة..
فكلمة الله عندما تكلَّمت عن حماية القائد قالت:
" هوَّذا تخت سليمان، حولهُ ستون جبارًا من جبابرة إسرائيل، كلهم قابضون سيوفًا، ومتعلِّمون الحرب، كل رجل سيفه على فخذه من هول الليل " (سفر نشيد الأنشاد 3 : 7 – 8).
ستون جبَّارًا.. يحرسون قائدهم.. ويرفضون النوم..
وقد تعلَّموا كيف يدافعون عنهُ ويحمونه.
كلمات أخرى:
" وأمرهم قائلاً: هذا ما تفعلونه، الثلث منكم الذين يدخلون في السبت، يحرسون حراسة بيت الملك، والثلث على باب سور، والثلث على الباب وراء السعاة، فتحرسون حراسة البيت للصدّ، والفرقتان منكم، جميع الخارجين في السبت، يحرسون حراسة بيت الرب حول الملك، وتُحيطون بالملك حواليه، كل واحد سلاحه بيده، ومن دخل الصفوف يُقتل، وكونوا مع الملك في خروجه ودخوله " (سفر الملوك الثاني 11 : 5 – 8).
أوامر مُشدَّدة، ودقيقة، وهدفها الوحيد حماية الملك..
ولنستمع إلى داود الملك ماذا يقول، عندما وقعَ الملك شاول في يده:
" فقال أبيشاي لداود: قد حبسَ الله اليوم عدوك في يدك، فدعني الآن أضربهُ بالرمح إلى الأرض دفعة واحدة ولا أُثني عليه، فقال داود لأبيشاي: لا تُهلكهُ، فمن الذي يمد يده إلى مسيح الرب ويتبرَّأ؟ وقال داود: ... حاشا لي من قبل الرب أن أمدّ يدي إلى مسيح الرب، والآن فخُذ الرمح الذي عند رأسه وكوز الماء وهلمَّ... ونادى داود الشعب وأبنير بن نير قائلاً: ... أَمَا أنت رجل ومن مثلك في إسرائيل؟ فلماذا لم تحرس سيدك الملك؟ لأنهُ قد جاءَ واحد من الشعب لكي يُهلك الملك سيدك، ليس حسنًا هذا الأمر الذي عملت، حيٌّ هو الرب أنكم أبناء الموت أنتم، لأنكم لم تحافظوا على سيدكم، على مسيح الرب، فٱنظر الآن أينَ هوَ رمح الملك وكوز الماء الذي كان عند رأسه ".
(سفر صموئيل الأول 26 : 8 – 16).
سُرِق رمح الملك الذي يرمز إلى السلطان، ولم تضع كلمة الله اللوم على الملك، بل على رجاله، على من كانَ يجب أن يحموه، وقالَ لهم داود أكثر:
" حيٌّ هـوَ الرب أنكم أبناء الموت أنتم، لأنكم لـم تحافظوا على سيدكم، على مسيح الرب ".
هل تحمي قادتك؟ هل تحرسهم وتحرس ما وضع الله بين أيديهم؟ هل أنتَ مستعد أن تُضحِّي، لن أقول بحياتك، بل بوقتك، براحتك، بمالك...
لكي تُنفِّذ طلباتهم وتمنياتهم وتوجيهاتهم، فتُفرح قلوبهم وتشجِّعهم؟
أم ليسَ لديك الوقت لذلك، بل لديك الوقت لتتكلم عليهم بالسوء وتكشف عوراتهم وتتلذَّذ بذلك؟
أسئلة أتركها بين يديك !!!
رجال نيام.. فسُرِقَ قائدهم !!!
والقصة نفسها تكررت في العهد الجديد مع الرب، في الساعات الأخيرة قبل صلبه، عندما قالَ لتلاميذه:
" ... أهكذا ما قدرتم أن تسهروا معي ساعة واحدة " (إنجيل متى 26 : 40).
وقد تقول لي:
" حتى ولو سهروا، لما ٱستطاعوا أن يفعلوا شيئًا، فالرب كانَ سيُصلب بأي حال، لكي تتم خطَّة الفداء ".
لكنني أقول لكَ، إنَّ الرب بالرغم من معرفته لما تقوله، فقد قالَ لهم هذا الكلام، فيا ليتك تسألهُ لماذا فعل ذلكَ؟
- ما بينَ داود وشاول.. وبينَ داود وأبشالوم.
شاول.. ملك رفضهُ الله.. وأرسل النبي صموئيل إلى بيت داود ومسحهُ ملكًا مكانهُ.. وفي نظر الله أصبحَ داود هوَ الملك الفعلي والحقيقي..
لكن دواد كان مُختلفًا.. وفي كلامهِ الذي ذكرناه قبلَ قليل.. يقول لقائد جيشه الذي عرضَ عليه قتل الملك شاول بعدَ وقوعه في قبضتهم، هذا الكلام المُعبِّر:
" لا تُهلكهُ، فمن الذي يمد يده إلى مسيح الرب ويتبرَّأ؟...
حاشا لي من قبل الرب أن أمدّ يدي إلى مسيح الرب ".
كان لهُ قلب مُحب.. وقلب حكيم في الوقت نفسه..
قلب مُحب.. يقول: حاشا لي أن أمد يدي على مسيح الرب..
وقلب حكيم.. يقول: من يمد يدهُ إلى مسيح الرب ويتبرَّأ..
فهل لكَ هذا القلب؟
القلب الذي يُحب قائده ويحيمه مهما كان الثمن.. والقلب الحكيم الذي يُدرك أنَّهُ لن يتبرَّأ إن حاول إيذاء أو خيانة قائده؟
" فلم يدع إنسانًا يظلمهم، بل وبَّخَ ملوكًا من أجلهم، قائلاً: لا تمسُّوا مُسحائي ولا تُسيئوا إلى أنبيائي " (المزمور 105 : 14 – 15).
أمَّا أبشالوم ﭐبن داود الملك، فلم يكن لديه لا القلب المُحب.. ولا القلب الحكيم..
فخانَ الملك.. وليسَ أي ملك.. بل والده بالتحديد..
فكانَ مصيره الموت !!!
أحبائي:
فلنحمِ قادتنا.. نُحبهم.. نُشدِّدهم.. نُشجِّعهم.. نُصلِّي من أجلهم..
نتشفَّع لهم..
فنجاحنا من نجاحهم.. وفشلنا من فشلهم..
وعندما ينهزمون.. سننهزم معهم.. لا بل سنتشتَّت وسنُصبح مأكلاً لوحوش البرية.. ونخسر الحرب.. ونخسر الأرض.. ونخسر النفوس..