لا يبدأ أي جيش في العالم هجومه على منطقة مُعيَّنة بغية ﭐحتلالها أو تحريرها، إلاَّ بعدَ أن يضع خطَّة مُحكمة ومُحدَّدة بدقة متناهية لهذه العملية الهجومية، ويُنظِّم لهذا الغرض ما يُسمَّى " بأمر العمليات "، وأهم ما يُحدَّد فيه، هوَ محور التقدم الأساسي، وأين ينبغي تركيز الجهد الرئيسي لهذا الهجوم أو لهذه المعركة..
وهذا ما ينبغي علينا تعلُّمهُ كمؤمنين في حربنا ضد العدو..
فالـرب هوَ قائدنا في كل الحروب التـي نخوضها ضد مملكة الظلمة، وهوَ من يُحدِّد لنا " أمر العمليات " الخاص بكل معركة نخوضها، وهوَ من يُحدِّد لنا بدقة الجهد الرئيسي لهذه المعركة، وعليه ينبغي أن نلتزم بهِ ولا ننحرف عنهُ..
لماذا هذا الكلام؟
إن كانَ على صعيد التحرير الشخصي أو الحروب الشخصية، وإن كانَ على صعيد تحرير مناطق والحروب من أجل ربح النفوس..
فإنَّ الرب العَالِم بالمشكلة الرئيسية أو الأرواح الشريرة الأساسية التي تمنع تحقيق خطته لنا وللنفوس.. يقودنا ويُحدِّد لنا الجهد الرئيسي الذي ينبغي علينا القيام به، دون التلهِّي بحروب أو بخطط ثانوية تُعيقنا عن ذلكَ..
لكن عندما يُدرك إبليس إلمامنا بالوضع عن كثب، وتركيزنا على الجهد الرئيسي لكل معركة، فهوَ سيعمل جاهدًا لكي يُحوِّل ﭐتجاهنا، بأن يُشغلنا بمعارك ثانوية، أو بمعارك لا دخل لنا فيها، مُدركًا أنّهُ إن حاول منعنا عن محاربته بالمُطلق، فهوَ قد لا ينجح لأنها خطة مفضوحة، فهوَ يجعلنا نشعر بأننا نقوم بدورنا بأن نُحاربه، وهكذا لا نشعر بالتقصير أو بالذنب، فنُرضي ميلنا الدائم بأننا نقوم بواجبنا تجاه الرب وﭐمتداد الملكوت.. لكنَّ المسار مُنحرف، معارك ثانوية أو معارك لا دخلَ لنا فيها.. أمَّا العدو الأساسي والرئيسي، فقد أصبحَ بأمان وبعيد المنال.. والنتائج التي يُريدها الرب لن تتحقَّق !!!
أ - معارك ثانويَّة:
سنتأمل بقصتين من كلمة الله تُوضحان لنا الصورة أكثر:
1 - القصة الأولى من العهد القديم:
أسلم الرب أعداء يشوع إلى يده، وقالَ لهُ: لا يقف رجل منهم بوجهك.. فضربهم يشوع، ولاحقهم، وأثناء ملاحقته لهم، هرب منهم قسم كبير، وفي هذه الأثناء جاءَ إليه قسم من رجاله وقالوا لهُ:
" ... قد وُجِدَ الملوك الخمسة مختبئين في مغارة في مقيدة، فقالَ يشوع دحرجوا حجارة عظيمة على فم المغارة، وأقيموا عليها رجالاً لأجل حفظهم، وأمَّا أنتم فلا تقفوا بل ﭐسعوا وراء أعدائكم وﭐضربوا مؤخرهم، لا تدعوهم يدخلون مدنهم، لأنَّ الرب إلهكم قد أسلمهم بيدكم، ولما أنتهى يشوع وبنو إسرائيل من ضربهم ضربة عظيمة جدًّا حتى فنوا، والشرد الذين شردوا منهم دخلوا المدن المُحصَّنة، رجع جميع الشعب إلى المحلَّة، إلى يشوع في مقيدة بسلام، لم يسن أحد لسانه على بني إسرائيل، فقالَ يشوع: ﭐفتحوا فم المغارة وأخرجوا إليَّ هؤلاء الخمسة الملوك من المغارة، ففعلوا كذلك وأخرجوا إليه أولئك الملوك الخمسة من المغارة... (فقتلهم يشوع) " (سفر يشوع 10 : 17 – 26).
فَهِمَ يشوع خطَّة الله بالتحديد.. وفهمَ أنَّ الجهد الرئيسي ينبغي أن يكون في ملاحقة أعدائه الفارين قبلَ دخولهم إلى مدنهم، لأنَّ الرب أسلمهم إلى يده.. فدخل إبليس على الخط، لكي يُحاول إلهاء الشعب بمعركة ثانوية.. الملوك الخمسة مُختبئين في المغارة وينبغي أن ندخل إليهم لكي نقتلهم..
لكنَّ يشوع لم يقع في هذا الفخ.. لأنَّهُ لو فعلَ ذلكَ لكان أعداؤه قد هربوا ودخلوا مدنهم المحصَّنة، وفوَّت عليه فرصة قتلهم.. فأمرَ رجاله بأن يُقفلوا باب المغارة بحجارة كبيرة، ويتابعوا مطاردتهم لأعدائهم، وعندما أكملوا وركَّزوا على الجهد الرئيسي لمهمتهم، وعادوا سالمين إلى يشوع، قام عندها بفتح باب المغارة، وإخراج الملوك الخمسة وقتلهم..
كانَ مُقادًا من الرب.. وحسَّاسًا لسماع صوته بدقة.. فنجحَ في مهمته، وأفشلَ خداع العدو بجرِّه إلى معركة ثانوية..
2 - القصة الثانية من العهد الجديد:
" قدَّمَ لهم مثلاً آخر قائلاً: يُشبه ملكوت السموات إنسانًا زرع زرعًا جيِّدًا في حقله، وفيما الناس نيام، جاءَ عدوه وزرع زوانًا في وسط الحنطة ومضى، فلمَّا طلع النبات وصنع ثمرًا، حينئذٍ ظهر الزوان أيضًا، فجاءَ عبيد رب البيت وقالوا لهُ: يا سيد أليس زرعًا جيِّدًا زرعت في حقلك؟ فمن أينَ لهُ زوان؟ فقالَ لهم: إنسان عدو فعل هذا. فقالَ لهُ العبيد: أتريد أن نذهب ونجمعهُ؟ فقال: لا، لئلاَّ تقلعوا الحنطة مع الزوان وأنتم تجمعونه، دعوهما ينموان كلاهما معًا إلى الحصاد، وفي وقت الحصاد أقول للحصادين: ﭐجمعوا أولاً الزوان وﭐحزموه حزمًا ليُحرق، وأمَّا الحنطة فٱجمعوها إلى مخزني " (إنجيل متى 13 : 24 – 30).
تأمُّل روحي في ما قالهُ الرب..
كان الجهد الرئيسي الذي يُريده الرب من عبيده أولئكَ، هوَ أن يهتموا بالقمح الذي بدأَ يُعطي ثمرًا.. ويحموه من أن يفسد..
فجاء الشيطان، وزرعَ زوانًا في وسط القمح المُثمر، علَّ العبيد ينحرفون عن الجهد الرئيسي، ويقومون بقطع الزوان فيقطعون القمح معهُ، لكنَّ الرب نبههم لكي لا يقعوا في هذا الفخ المميت..
- والآن.. كيفَ أُميِّز الجهد الرئيسي، من المعارك الثانوية؟
ﭐعتمد في حربك، وفي محافظتك على الجهد الرئيسي على الروح القدس، ولن تفشل أو تُخدع.. فالنبي إشعياء يقول:
" ... فإنَّ مُعلِّمك لن يحجب نفسهُ عنك من بعد، بل ترى عيناك مُعلِّمك، وتسمع أُذناك كلمة صادرة من خلفك قائلةً: هذه هيَ الطريق لا تحيدوا عنها يمينًا أو يسارًا، ﭐسلكوا فيها ".
(سفر إشعياء النبي 30 : 20 – 22).
نعم.. تعلَّم أن تتكل عليه، وهوَ لن يحجب نفسهُ عنك، بل سيُصحِّح مسارك بكل تأكيد..
ب - معارك لا دخلَ لنا فيها:
يقول سفر الأمثال:
" من يتدخَّل في خصومة لا تعنيه، يكون كمن يقبض على أُذني كلب عابر ".
(سفر الأمثال 26 : 17).
كلب عابر من أمامك.. لا يُهاجمك.. ولا يلتفت إليك.. فتقوم وتُمسك بأُذنه.. فلا بدَّ بأن يعضَّك ويؤذيك !!!
لا ينبغي قطعًا أن ندخل في أي نوع من الحروب ضد الشيطان، دون قيادة الروح القدس، وسليمان العارف بهذا المبدأ الهام قال:
" إذا خرجَ شعبك لمحاربة عدوه، في الطريق الذي تُرسلهم فيه... ".
(سفر الملوك الأول 8 : 44).
فقط في الطريق الذي يُرسلنا الرب فيه، ينبغي أن نخرج ونخوض الحروب..
وبطرس الرسول يقول:
" فلا يتألم أحدكم كقاتل أو سارق أو فاعل شر أو مُتداخل في أمور غيره... فإذًا، الذين يتألمون بحسب مشيئة الله، فليستودعوا أنفسهم كما لخالق أمين في عمل الخير ".
(رسالة بطرس الأولى 4 : 15 – 19).
لا ينبغي أن نتألم بسبب تدخلنا في أمور غيرنا التي لم يدعنا الله للتدخل بها، بل لنتألَّم إن كانَ ينبغي.. بحسب مشيئة الله فقط..
لا تذهب إلى منزل لكي تُحرِّر ساكنيه من قيود سحر وشعوذة، عندما تسمع أنَّ هذا البيت مسكون بالأرواح الشريرة، وأنَّ من يسكنون فيه يقومون بأعمال السحر والشعوذة، دون قيادة واضحة من الله، وقبلَ ﭐستشارة قادتك والكنيسة التي تنتمي إليها..
فقد يُحاول العدو اللعب على عواطفك ومشاعرك لكي يجرّك إلى هذا الفخ الخطير، ولكي يجعلك تنحرف عن الجهد الرئيسي الذي يقودك الرب فيه..
قد يأتي إليك كملاك نور، ويقول لكَ:
" كيف تُغلق قلبك عن هذه العائلة المأسورة من الأرواح الشريرة؟ أنتَ خادم للرب، ولديك السلطان، إذهب وساعد هذه العائلة ".
حذار.. أن تتحرَّك مُقادًا بعواطفك وبمشاعرك، أو من خلال إحساسك بالذنب والواجب..
بل دومًا كُنْ مُقادًا من الروح القدس، ومن خلال المشورة لقادتك الروحيين..
ركِّز جهدك وحربك على المحور الرئيسي الذي أعطاك إياه الرب، والذي يقود كنيستك من خلاله، ولا تقع في أفخاخ العدو الخطيرة..