بين الوعد.. وامتلاك الأرض
     
 

قالها الرب لإبراهيم:
" ... إرفع عينيك وﭐنظر من الموضع الذي أنتَ فيه، شمالاً وجنوبًا وشرقًا وغربًا، لأنَّ جميع الأرض التي أنتَ ترى، لكَ أُعطيها ولنسلك إلى الأبد ".
(سفر التكوين 13 : 14 – 15).

لكَ أُعطيها ولنسلك إلى الأبد..
هذا الوعد هوَ لنا اليوم.. هذا الوعد بٱستعادة الأرض من جديد..
ﭐستعادة أرضنا الخاصة المُحتلة.. وﭐستعادة أراضي الناس المسلوبة..

لأنَّ نسل إبراهيم.. هوَ أنا وأنت.. هوَ الكنيسة في العهد الجديد..
" فإن كُنتم للمسيح، فأنتم إذًا نسل إبراهيم... " (رسالة غلاطية 3 : 29).

لكــنهُ.. وعد مشروط:
" أُنظر، قد جعلَ الرب إلهك الأرض أمامك، إصعد، تملَّك كما كلَّمكَ الرب إله آبائك، لا تخف ولا ترتعب... كل مكان تدوسه بطون أقدامكم يكون لكم... ".
(سفر التثنية 1 : 21، 11 : 24).

إصعد.. تملَّك.. لا تخف ولا ترتعب..

والسبب واحد كما ذكرنا سابقًا.. الأرض كانت لنا:
" السموات سموات للرب، أمَّا الأرض فأعطاها لبني آدم " (المزمور 115 : 16).

لكننا أعطيناها لإبليس.. يوم أطعناه وعصينا الله..
وهوَ يحتلها، ويُسيطر عليها.. لذا ينبغي أن نستردها بالقوَّة.. ونُحرِّرها ونُحرِّر الأسرى الذين يحتجزهم.. وننهب الغنائم التي يستولي عليها..

ولو تأملنا في ما ذكرناه سابقًا عن صلاة وصوم النبي دانيال أمام الله، من أجل شعبه، لأدركنا أنَّ الله سمع لهُ وأرسل ملاكًا لكي يُوصل لهُ الجواب من اليوم الأول بالضبط..
لكن من أعاق ذلكَ لمدة ثلاثة أسابيع؟

إبليس بكل تأكيد.. من خلال الأرواح الشريرة التِّي عيَّنها لكي تُسيطر على مملكة فارس: 
" فقال لي لا تخف يا دانيال، لأنَّهُ من اليوم الأول الذي فيه جعلتَ قلبك للفهم، ولإذلال نفسك قدام إلهك، سُمِعَ كلامك، وأنا أتيت لأجل كلامك، ورئيس مملكة فارس وقفَ مُقابلي واحدًا وعشرين يومًا... " (سفر دانيال النبي 10 : 12 – 13).

ومعًا تأملنا بالحروب الشرسة والخدع الماكرة التي قامَ بها إبليس لتعطيل وعد الله والنبوءَات بمجيء من سيسحق رأسه.. لكنهُ فشل وسيفشل على الدوام..
فشل إبليس وتحققت الوعود والنبوءَات كلها، لكن ليسَ بالصدفة.. بل لأنَّ مؤمنين أُمناء وثقوا بالله، تمسَّكوا بوعوده، وكانوا أبطالاً في الإيمان، في الصلاة والتشفُّع، في الصوم والحرب، في الموت عن الذات والتضحية بالغالي والرخيص، ولم يتوانَ الله أبدًا بأن يقول عنهم في رسالة العبرانيين:
" لم يكن العالم يستحقهم ".

هؤلاء هُم من تمسَّكوا بالوعود والنبوءَات فجعلوها تتحقَّق..
أطاع إبراهيم الله، وتركَ أرضه وخرجَ إلى المكان الذي دعاه إليه، وهوَ لا يعلم أينَ يأتي.. لأنَّهُ تيقَّنَ أنَّ ما وعدَ به، هوَ قادرٌ أن يفعلهُ أيضًا..

وحملَ موسى الشعلة وأخرج الشعب من أرض العبودية، عندما قال لهُ الله:
" قد رأيت مذلّة شعبي الذي في مصر وسمعت صراخهم من أجل مُسخّريهم، إنِّي علمت أوجاعهم... فالآن هلمَّ فأُرسلك إلى فرعون، وتُخرِج شعبي بني إسرائيل من مصر ".
(سفر الخروج 3 : 7 – 10).

وعندما مات موسى، قال الله ليشوع:
" موسى عبدي قد مات، فالآن قم ﭐعبر هذا الأردن أنتَ وكل هذا الشعب، إلى الأرض التي أنا مُعطيها لهم... كل موضع تدوسه بطون أقدامكم لكم أعطيتهُ كما كلمت موسى... لا يقف إنسان في وجهك كل أيام حياتك، كما كنت مع موسى أكون معك، لا أُهملك ولا أتركـك، تشدَّد وتشجَّع، لأنَّكَ أنتَ تقسم لهذا الشعب الأرض التي حلفت لآبائهم أن أعطيهم " (سفر يشوع 1 : 2 – 6).

أطاعَ يشوع الرب ونفَّذَ كل ما طلبهُ منهُ.. وخاضَ ذلكَ الشعب حروبًا شرسة.. وواجهَ أُممًا كثيرة وقويَّة.. لكنهُ بالنهاية ﭐمتلكَ الأرض.. ونالَ الوعد وشهدَ تحقيق النبوءَات..
وكلمة الله سجَّلت لنا ما قالهُ يشوع لشعبه قبل أن يموت:
" وها أنا اليوم ماضٍ في الطريق التي يمضي إليها أحياء الأرض كلّهم، ولكنكم تعلمون حقَّ العلم من كل قلوبكم ومن كل نفوسكم، أنَّ جميع وعود الرب الصالحة التي وعدكم بها قد تحققت. الكلُّ صارَ لكم، لم تسقط منهُ كلمة واحدة " (سفر يشوع 23 : 14).

وفي أيامنا هذه.. وفي الأيام التي ستأتي.. الله وعدنا وسيعد من سيأتون بعدنا.. وأعطانا وسيُعطيهم نبوءَات.. وهيَ ستتحقَّق بكل تأكيد ودون أدنى شك.. إن نحنُ.. وكما تقول رسالة العبرانيين:
" ... طرحنا كل ثقل والخطيئة المُحيطة بنا بسهولة، وحاضرنا بالصبر في الجهاد الموضوع أمامنا " (رسالة العبرانيين 12 : 1).

فلنُجاهد ولنُحارب ولندخل الأراضي.. لكي ننال الوعود ونرى النبوءَات تتحقَّق..
لنطأ الأراضي التي ما زالت مسلوبة من العدو..
لأنَّ الأرض التي تطأها بطون أقدامنا تكون لنا..

" وإنمَّا نتمنَّى أن يُظهر كل واحد منكم ﭐجتهادًا مماثلاً في المحافظة حتَّى النهاية على الثقة الكاملة بالرجاء، وذلكَ حتَّى لا تتكاسلوا، بل تقتدوا بالذين يرثون ما وعدَ الله بهِ، عن طريق الإيمان والصبر " (رسالة العبرانيين 6 : 11 – 12).

لكنهُ.. الإيمان العامل.. وليسَ الإيمان النظري:
" ما المنفعة يا إخوتي إن قالَ أحدٌ إنَّ لهُ إيمانًا، ولكن ليس لهُ أعمال... هكذا الإيمان أيضًا إن لم يكن لهُ أعمال ميت في ذاته " (رسالة يعقوب 2 : 14 – 17).

فإيمان إبراهيم بوعد الله لهُ.. نتجَ عنهُ تَحرُّك:
" بالإيمان تغرَّبَ في أرض الموعد، كأنها غريبة ساكنًا في خيام مع إسحاق ويعقوب الوارثين معه لهذا الموعد عينه " (رسالة العبرانيين 11 : 9).

وإيمان موسى بوعد الله لهُ.. نتجَ عنهُ تَحرُّك:
" بالإيمان ترك مصر غير خائف من غضب الملك، لأنَّهُ تشدَّدَ كأنهُ يرى من لا يُرى ". (رسالة العبرانيين 11 : 27).

وإيمان الشعب بوعد الله لهم بإسقاط أسوار أريحا.. نتجَ عنهُ تحرك:
" بالإيمان سقطت أسوار أريحا، بعدما طيفَ حولها سبعة أيام " (رسالة العبرانيين 11 : 30).

هكذا تتحقَّق الوعود والنبوءَات ونمتلك الأرض..

وعندما نتلقَّى وعدًا أو نبوءَةً من الله.. ينبغي علينا أن نُصلِّي، نصوم، نؤمن ونُحارب لكي تتحقَّق.. ونغتصبها من يد إبليس الذي سيُحاول بكل تأكيد إعاقة تحقيقها أو منع تحقيقها..
إن سمحنا لهُ..

أرسلَ الله ناثان النبي إلى الملك داود لكي ينقل لهُ هذا الكلام:
" متى كَمُلَت أيامك وﭐضطجعتَ مع آبائك، أُقيم بعدك نسلك الذي يخرج من أحشائك، وأُثبِّت مملكته، هوَ يبني بيتًا لاسمي، وأنا أُثبِّت كرسي مملكته إلى الأبد، أنا أكون لهُ أبًا وهـو يكون لي ﭐبنًا... ويأمن بيتك ومملكتك إلى الأبد أمامك، كرسيك يكون ثابتًا إلى الأبد ".
وعد واضح من الرب.. لكن ماذا فعلَ داود؟
" فدخل الملك داود وجلسَ أمام الرب وقال: من أنا يا سيدي الرب، وما هوَ بيتي حتى أوصلتني إلى ههنا، وقلَّ هذا أيضًا في عينيك يا سيدي الرب، فتكلمت أيضًا من جهة بيت عبدك إلى زمان طويل... والآن أيها الرب الإله أقم إلى الأبد الكلام الذي تكلمت به عن عبدك وعن بيته، وﭐفعل كما نطقت... وليكن بيت عبدك داود ثابتًا أمامك... فالآن ﭐرتضِ وبارك بيت عبدك ليكون إلى الأبد أمامك، لأنكَ أنتَ يا سيدي الرب قد تكلمت، فليُبَارك بيت عبدك ببركتك إلى الأبد، وبعد ذلك، ضرب داود الفلسطينيين وذلّلهم، وأخذ داود زمام القصبة من يد الفلسطينيين " (سفر صموئيل الثاني 7 : 12 – 29، 8 : 1).

بالرغم من تلقِّيه ذلكَ الوعد، فهو دخلَ إلى محضر الله.. تواضعَ أمامهُ.. شكرهُ.. آمن بالوعد.. صلَّى مرتين لتحقيقه..
وبعد ذلكَ.. تقول الكلمة.. حاربَ وﭐنتصرَ.. وﭐمتلكَ الأرض.. فلنتعلَّم منهُ..

ماذا أيضًا؟
قالَ الله:
"... من أجل أورشليم لا أهدأ حتى يخرج برَّها كضياء وخلاصها كمصباح يتقد، فترى الأمم برَّكِ وكل الملوك مجدك، وتُسمِّين بٱسم جديد يُعيِّنَهُ فم الرب، وتكونين إكليل جمال بيد الرب وتاجًا ملكيًا بكف إلهك، لا يُقال بعد لك مهجورة، ولا يُقال بعد لأرضك موحشة، بـل تُدعين حفصيبة وأرضك تدعى بعولة، لأنَّ الرب يُسر بكِ، وأرضك تصير ذات بعل، لأنَّهُ كما يتزوج الشاب عذراء، يتزوجك بنوك، وكفرح العريس بالعروس يفرح بك إلهك ".

وعد واضح من الله.. وعد عظيم تتمنَّى كل مدينة وكل بلد أن يتحقَّق لهما..
وهوَ وعد من فم الله مباشرةً.. لكن لتحقيق هذا الوعد.. أكملَ الله قائلاً:
" على أسوارك يا أورشليم أقمتُ حراسًا، لا يسكتون كل النهار وكل الليل على الدوام، يا ذاكري الرب لا تسكتوا، ولا تدعوه يسكت، حتى يُثبِّت ويجعل أورشليم تسبيحة في الأرض " (سفر إشعياء النبي 62 : 1 – 7).

الله لن يهدأ قبلَ أن يُحقِّق وعده.. لكنهُ كلَّفنا نحن بهذه المهمة.. أن لا نجعلهُ يهدأ..
ولا تتفاجأ من هذا الكلام.. إنها كلمته !!!

ولماذا من جديد؟
ليسَ لأنَّ الله يُصعِّب علينا الأمر لكي ننال الوعود.. بل لأننا في حرب حقيقية مع إبليس، الذي سيعمل جاهدًا لكي يمنع تحقيق الوعود ويمنعنا من ﭐمتلاك الأرض.. ولأنَّ الرب ﭐرتضى أن يخصَّنا بهذا الامتياز، أن نكون جنوده المقاتلين الذين يستخدمهم لتحقيق وعوده الخيِّرة للبشرية جمعاء !!!

وماذا فعل الرسل في هذا المضمار؟
لقد وعدهم الرب قبل أن يصعد إلى السماء وعدًا واضحًا:
" الحقَّ الحقَّ أقول لكم: من يؤمن بي فالأعمال التي أنا أعملها يعملها هوَ أيضًا، ويعمل أعظم منها، لأنِّي ماضٍ إلى أبي " (إنجيل يوحنا 14 : 12).

لكن بالرغم من ذلكَ.. وعندما ﭐحتاجوا للمعجزات، صلُّوا معًا وبنفس واحدة لكي يُحقِّق الرب وعده، فقالوا لهُ:
" والآن يا رب ﭐنظر إلى تهديداتهم، وﭐمنح عبيدك أن يتكلَّموا بكلامك بكل مُجاهرة، بمد يدك للشفاء، ولتُجرَ آيات وعجائب بٱسم فتاك القدوس يسوع ".
(سفر أعمال الرسل 4 : 29 – 30).

هكذا تتحقَّق الوعود والنبوءَات وهكذا نمتلك الأراضي..

وماذا بعد؟
كلَّف الرب موسى، بأن يُخرِج الشعب من مصر..
وبعدَ موته أقام يشوع لإكمال المهمَّة..

نعم.. ماذا بعد لامتلاك الأرض؟
الحاجة إلى قائد.. يُخرِج الشعب من أرض العبودية.. يعبر بهم البحار والأنهار المُعترضة.. يقودهم.. ينقل لهم توجيهات الله لربح الحروب وﭐمتلاك الأرض.. يضع الاستراتيجيات المناسبة.. ويقسم لهم الأرض..

وليسَ أي قائد.. بل قائد مُختار من الله، ممسوح من الله.. ذو سلطان قوي.. وهيبة واضحة.. قائد لا يقف أحد في وجهه كل أيام حياته..
قائد نُطيعهُ.. نخضع لهُ.. نحميه.. نُكرمهُ ونلتف حولهُ..
فيسير أمامنا ليسَ مُجبرًا.. بل فرحًا..

 
 
   
عودة إلى الفصل الخامس