قبلَ الشروع بالدخول إلى أرض كنعان، طلبَ الله من موسى أن يُرسل رجالاً إلى أرض كنعان، لكي يتجسَّسوا الأرض..
وعلى ما أعتقد أن قصد الله من ذلك، هوَ أن يجعل شعبهُ يكتشف طبيعة الأرض الداخلين إليها، ويتعرَّف على أعدائهِ الذين سيقاتلهم.. لكي يكتشف ردَّة فعل شعبه..
وتنفيذًا لطلب الرب، أرسلَ موسى إثني عشر رجلاً، بمعدَّل رجل واحد عن كل سبط من أسباط الشعب، لكي يتجسَّسوا الأرض وقال لهم:
" وﭐنظروا الأرض ما هيَ، والشعب الساكن فيها، أقويٌّ هوَ أم ضعيف، قليلٌ أم كثير، وكيفَ هيَ الأرض التي هوَ ساكن فيها، أجيدة أم رديَّة، وما هي المدن التي هوَ ساكن فيها، أمخيَّمات أم حصون، وكيفَ هيَ الأرض أسمينة أم هزيلة، أفيها شجر أم لا، وتشدَّدوا فخُذوا من ثمر الأرض " (سفر العدد 13 : 18 – 20).
عمل عسكري صرف.. فكل قائد عسكري وقبل الشروع بٱقتحام أراضي العدو، ينبغي عليه أن يحصل على كل المعلومات المُحيطة بطبيعة المُهمَّة التي سيُنفِّذها، لكي يعرف طبيعة الأرض، حجم الأعداء الذين سيقاتلهم، نوعية أسلحتهم، نوعية التحصينات التي يتحصنون فيها... إلخ.
وهذا ما فعلهُ موسى بالضبط..
وبعد تعيين الجواسيس من قِبَل موسى، ﭐنطلقوا ودخلوا أرض كنعان، فتجسَّسوا الأرض، ورأوا الساكنين فيها، ورجعوا إلى موسى وإلى كل الشعب بعد أربعين يومًا، وكانت ردَّة فعلهم وإفادتهم كالتالي:
- عشرة من الجواسيس قالوا:
" ... لا نقدر أن نصعد إلى الشعب لأنَّهم أشدّ منَّا... الأرض التي مررنا فيها لنتجسَّسها هي أرض تأكل سكّانها، وجميع الشعب الذي رأينا فيها أُناس طوال القامة، وقد رأينا هناك الجبابرة بني عناق من الجبابرة، فكنَّا في أعيننا كالجراد، وهكذا كنَّا في أعينهم " (سفر العدد 13 : 31 – 33).
- جاسوسان وهما يشوع بن نون وكالب بن يُفنّة قالا:
" ... إننا نصعد ونمتلكها، لأنَّنا قادرون عليها... ويشوع بن نون وكالب بن يُفنّة من الذين تجسَّسوا الأرض مزَّقا ثيابهما، وكلَّما كل جماعة بني إسرائيل قائلين: الأرض التي مررنا فيها لنتجسَّسها، الأرض جيدة جدًّا جدًّا، إن سُرَّ بنا الرب، يُدخلنا إلى هذه الأرض ويُعطينا إياها، أرضًا تفيض لبنًا وعسلاً، إنَّما لا تتمرَّدوا على الرب، ولا تخافوا من شعب الأرض لأنَّهم خبزنا، قد زالَ عنهم ظلَّهم، والرب معنا، لا تخافوهم ".
(سفر العدد 13 : 30، 14 : 6 – 9).
- أمَّا الشعب فتلكَ كانت ردَّة فعله:
" فرفعت كل الجماعة صوتها وصرخت، وبكى الشعب تلكَ الليلة، وتذمَّرَ على موسى وعلى هرون جميع بني إسرائيل، وقال لهما كل الجماعة: ليتنا متنا في أرض مصر أو ليتنا متنا في هذا القفر، ولماذا أتى بنا الرب إلى هذه الأرض؟ لنسقـط بالسيف؟ تصير نساؤنا وأطفالنا غنيمة؟ أليسَ خيرًا لنا أن نرجع إلى مصر؟ فقالَ بعضهم إلى بعض: نُقيم رئيسًا ونرجع إلى مصر " (سفر العدد 14 : 1 – 4).
- وردَّة فعل الرب كانت:
" ... حتَّى متى يُهينني هذا الشعب؟ وحتى متى لا يُصدِّقونني بجميع الآيات التي عملت في وسطهم؟ " (سفر العدد 14 : 11).
- حقيقة هامَّة ينبغي أن نتعلَّمها:
الشعب دائمًا يميل إلى تبنِّي رأي الغالبية.. والأخطر من ذلكَ.. أنه يميل دائمًا إلى تبنِّي وتصديق الآراء السلبية.. فلنكن حذرين ولنتعلَّم من هذا الدرس الهام !!!
الجواسيس العشرة، كانوا خائفين، وكانوا سلبيين، ولذلكَ فقد رأوا أنفسهم كالجراد أمام أعدائهم.. لكن اللافت النظر ما قالوه بعد هذه العبارة:
أنهم كانوا كالجراد في أعين أعدائهم..
وأنا لستُ أعلم كيف عرفوا ذلك.. فهم بالطبع لم يتكلموا مع أعدائهم، ولم يتسنَّ لهم أن يسألوهم رأيهم في هذا الموضوع، فمن أين أتوا بهذا الاستنتاج؟
بالطبع إنهُ ﭐستنتاجهم الشخصي.. النابع من خوفهم ورعبهم وعدم إيمانهم بقوَّة الله وبقدرته، بالرغم من كل المعجزات التي أجراها في وسطهم.
ما أخطر الخوف وعدم الإيمان يا أحبائي في الحروب..
وبكلامهم هذا دبوُّا الرعب والهلع في قلب الشعب كلّه.. وأضعفوا معنوياته وأحبطوه، ولهذا قرأنا معًا ردَّة فعل ذلكَ الشعب..
أمَّا الجاسوسان الآخران، يشوع وكالب، فهما لم يُنكِرا أن أعداءَهم الذين رأوهم أشدَّاء وأقوياء.. ولم يقولوا إنَّ الدخول إلى تلكَ الأرض سيكون نزهة، لكنهما آمنا بالرب الذي أراهما معجزاته، ويده المقتدرة، ولذلكَ ﭐعتبرا أنَّ الأعداء سيكونون طعامًا لهما، وأدركا أن الله أسلمَ تلكَ الشعوب لهما، وأدركا أنهُ سيكون معهما، ولذلكَ جاءتَ ردَّة فعلهما كما قرأناها.. فالإيمان لا يُنكر العيان.. بل يُغيِّرهُ !!!
إيمانهما ومعنوياتهما كانا مرتفعين..
فالمعنويات في الحرب كانت ولا تزال، عنصرًا أساسيًا، وهامًا للغاية من شأنه أن يُساهم مساهمة فعَّالة في ربح الحرب أو خسارتها..
فالمعنويات المرتفعة لدى الجنود، تجعلهم يقاتلون بشجاعة وببسالة مستخفين بالصعوبات التي ستواجههم، والعكس صحيح..
ولهذا السبب عينه طلب الرب من موسى، قبلَ أن يخرج إلى الحرب أن يقول للمحاربين هذا الكلام:
" ... من هوَ الرجل الخائف والضعيف القلب، ليذهب ويرجع إلى بيته، لئلا تذوب قلوب إخوته مثلَ قلبه " (سفر التثنية 20 : 8).
لأنَّ الله كان يعلم أن الخائف، وصاحب المعنويات الضعيفة، سيؤذي غيره، ويُحبطهم..
والمعنويات العالية.. لا ينبغي أن تكون عشوائية، نابعة من مُجرَّد حماس بشري، بل ينبغي أن ترتكز على أُسس واضحة، وهنا في معركتنا ضد إبليس، ينبغي أن ترتكز على الإيمان بوعود الله، وبأنَّ الله دومًا معنا، هوَ من يقاتل عنَّا، وهوَ من يسلِّمنا رقاب أعدائِنا وهوَ من يتقدمنا في الحرب ويهزم أعداءَنا، مهما كانت قوتهم وعددهم وتحصيانتهم..
ولهذا السبب قالَ بولس الرسول:
" فإذ لنا روح الإيمان عينه حسب المكتوب، آمنت لذلك تكلمت، نحنُ أيضًا نؤمن ولذلك نتكلَّم أيضًا " (رسالة كورنثوس الثانية 4 : 13).
وهذا ما ﭐرتكزَ عليه يشوع وكالب، وهذا ما لم يرتكز عليه باقي الجواسيس والشعب، ولهذا كانت ردَّة فعل الله، بأن قالَ لموسى:
حتى متى لا يصدقونني، بالرغم من كل المعجزات التي أجريتها في وسطهم؟
شعب شاهد معجزات يحلم الكثير منَّا اليوم لو يشاهد قسمًا منها، لكنه لم يكن يؤمن، ولهذا لم يدخل أحد منهم أرض كنعان.. سوى يشوع وكالب وحدهما !!!
وسفر الأمثال يأتي ليؤكِّد هذه الحقيقة الدامغة أيضًا عندما يقول:
" لأنَّهُ كما شعرَ في نفسه هكذا هو... " (سفر الأمثال 23 : 7).
تشعر بأنكَ جرادة فتغدو كجرادة، وتتصرَّف كما تتصرف الجرادة..
تشعر بأنَّكَ أسد فتغدو كأسد وتتصرف كأسد..
نعم.. من ترى نفسك في وجه عدوَّك.. في وجه إبليس؟
هذا سؤال هام ومصيري للغاية..
ينبغي أن تُجيب عليه، قبلَ أن تشترك في أي حرب..
أ - معركة خداع بٱمتياز
أحبائي: أعطوني ﭐنتباهكم بدقة متناهية، لنستمع معًا إلى هذا الإعلان من الروح القدس:
بعد الصليب.. وبعد كل ما فعلهُ الرب يسوع المسيح بالشيطان وبمملكته، إذ هزمهم وجرَّدهم من قوتهم ومن سلطانهم، ووضعهم تحت أقدام المؤمنين، وأعطى السلطان المطلق للمؤمنين عليهم، فمعركة المؤمنين مع إبليس ومملكته..
لم تعد معركة مَنْ يهزم مَنْ؟
لأنَّ تلكَ المعركة حُسِمَتْ وﭐنتهت منذ ألفي سنة..
إبليس مسحوق الرأس.. مهزوم.. مهزوم.. مهزوم.. ومُجرَّد من كل قوَّة عليك..
لكن المعركة التي يحاول إبليس أن يشنَّها على المؤمنين اليوم:
هيَ معركة خداع بٱمتياز !!!
إبليس كذَّاب وأبو الكذاب، وهذا اللقب أطلقهُ عليه الرب يسوع المسيح بنفسه..
وهوَ يحتال عليك، ويُوهمك بأنهُ أقوى منك، مُستخدمًا شتَّى الوسائل لكي يُقنعك بذلكَ، وعندما ينجح.. فهوَ سيهزمك لا محالة، والسلاح الذي يستخدمهُ بٱستمرار، هوَ سلاح التخويف، وتضخيم صورته وقوته في عينيك، وإضعاف صورة الله، وصورتك في عيني نفسك، وهذا ما فعلهُ مع أولئكَ الجواسيس، فرأوا أنهم كالجراد، في أعين أنفسهم وفي أعين أعدائهم، فٱرتعبوا وأرعبوا شعبًا بكامله..
فرعون، وكما ذكرنا سابقًا، قامَ بالشيء نفسه، مع شعب الله..
فهوَ كانَ عارفًا أنهم شعب أقوى وأعظم منهُ، ولهذا قالَ لمساعديه:
" ... هوَّذا بنو إسرائيل شعب أكثر وأعظم منَّا، هلمَّ نحتال لهم، لئلاَّ ينموا، فيكون إذا حدثت حرب، أنهم ينضمُّون إلى أعدائنا ويُحاربوننا ويصعدون من الأرض ".
(سفر الخروج 1 : 9 – 10).
ﭐحتالَ فرعون على الشعب الأقوى منهُ.. وعندما وقعوا فريسة تلكَ الخدعة..
ﭐستعبدهم وسخَّرهم.. وأسرهم.. حتَّى إنّهم بنوا لهُ مُدنًا..
ما أخطر هذه الخدعة يا أحبائي !!!
وإبليس يُدرك تمامًا أنَّهُ مهزوم، وأنَّك أقوى منهُ، ولديك السلطان المُطلق عليه، ويُدرك أنَّهُ عندما تستخدم سلطانك هذا ضدَّهُ بإيمان، فهوَ لا يمكنه إلاَّ أن يخضع..
لكن السؤال يبقى.. هل تعلم أنتَ ذلك؟
فالبرغم من أنَّ الرسول بولس يقول إنَّ حربنا هيَ مع أجناد الشر الروحية في السماويات، لكن الحقيقة الدامغة، هيَ أنَّ أرض المعركة الحقيقية هيَ في الذهن..
ذهن المؤمنين بالتحديد.. فإن آمنتَ أنَّ الرب يسوع هزمَ إبليس لصالحك، ووضعهُ تحتَ أقدامك، وأنَّ إبليس أصبحَ ضعيفًا جدًّا جدًّا جدًّا أمامك، لا بل عاجز.. ولم تسمح لهُ أن يحتال عليك، فتُصدّقه وتُصدِّق أكاذيبه..
فهو لن يستطيع مدى العمر أن يتحرَّك من تحت أقدامك قطعًا..
ب - فكر المسيح.. أم فكر الجسد؟
نعم.. إنها معركة تدور رُحاها في الذهن دون أدنى شك..
ولهذا السبب عينه قال لنا بولس الرسول:
" ... وأمَّا نحن فلنا فكر المسيح ! " (رسالة كورنثوس الأولى 2 : 16).
هذا هوَ الحل، وهذا هوَ السلاح الفعَّال، طالما أننا أدركنا أنَّ أرض المعركة الحقيقية، هيَ الذهن..
ولماذا فكر المسيح؟
لأنَّهُ بكل تأكيد أنهُ هناك نوعية من الأفكار لم تخطر على بال المسيح أثناء حياته على الأرض كممثِّل لنا.. فهوَ بالطبع لم يكن يخطر على باله أن يقلق، أو أن يخاف، أو أن يكتئب، أو أن يفشل بما يقوم بهِ، أو أن يمرض، أو أن يأتي يوم يتخلَّى عنهُ الآب السماوي أو أن يهزمهُ إبليس، أو أن يوجِّه أمرًا لإبليس.. وإبليس لا يُنفِّذ ويخضع على الفور...
فإن كانَ لنا فكر المسيح.. كما تؤكِّد الكلمة.. ينبغي ألاَّ يخطر على بالنا، ما لم يخطر على بال المسيح..
أو أقلَّهُ، ألاَّ نسمح لهذه الأفكار أن تمكث للحظة واحدة في أذهاننا !!!
وبالطبع أيضًا، أنه لم يخطر على بال الرب أن السفينة ستغرق وسيموت هوَ وتلاميذه، عندما هبَّت عليهم الرياح العاتية في وسط البحر، ولهذا نراه نائمًا بسلام غير ٱعتيادي، ولم يصحُ إلاَّ عندما أيقظهُ التلاميذ، ونرى أنَّ ردَّة فعله كانت توبيخهم على عدم إيمانهم:
" وفيما هم سائرون نامَ، فنزلَ نوءُ ريح في البحيرة، وكانوا يمتلئون ماءً وصاروا في خطر، فتقدَّموا وأيقظوه قائلين: يا معلّم يا معلّم إننا نهلك، فقام وٱنتهرَ الريح وتموُّج الماء، فٱنتهيا وصارَ هدوءٌ، ثمَّ قال لهم: أين إيمانكم " (إنجيل لوقا 8 : 23 – 25).
هل كانوا في خطر؟
نعم.. كانوا في خطر..
لكنهم كانوا أمام خيارين:
الأول: ما فعلوه.. أي فكر الجسد.. فكر الموت، قبول أفكار العدو وأكاذيبه وخدعه بأنَّهم سيهلكون لا محالة، ولهذا قالوا: " إننا نهلك ".
الثاني: ما لم يفعلوه.. أي فكر الروح.. فكر الحياة.. فكر المسيح:
" تدخُّل إلهي معجزي.. وإنقاذ ".
والسؤال اليوم.. إلى أي فكر ننتمي؟
دون ٱنتظار جواب أحد، أستطيع القول أنَّ الغالبية العُظمى من المؤمنين تنتمي إلى فكر الجسد، فكر الموت، الفكر السلبي، البعيد كل البعد عن فكر المسيح..
كما كانَ فكر الجواسيس العشرة وكل الشعب حينها..
الأفكار السلبية تُسيطر على أذهاننا بصورة دائمة، نتوقَّع حصول الأمور السيئة أغلب الأحيان، حتَّى لا أقول دائمًا.. نتعرَّض لمشكلة أو نسمع خبرًا مُخيفًا أو مُقلقًا، وما هيَ إلاَّ لحظات حتى تمتلئ أذهاننا بالأفكار السلبية والتوقعات المُخيفة..
وننسى أنَّ لنا فكر المسيح !!!
- يتأخر أحد أفراد العائلة بالعودة إلى المنزل.. قد يكون حصلَ لهُ مكروه !!!
- نرى دملة صغيرة في جسدنا.. قد تكون مرضًا خبيثًا !!!
- تتأخَّر الإجابة عن طلب عمل قدمناه.. لن يوافقوا على ٱستخدامي !!!
- نُقيم مؤتمرًا تبشيريًا.. لن يأتي الكثير من الأشخاص، فالناس لا تهتم لأمور الله..
- ندخل إلى مدينة للكرازة.. لـن يتجـاوب أهلهـا معنا، فهذه المدينة تملؤها الخطايا والشرور..
دومًا ودومًا ودومًا.. أفكار سلبية، بعيدة كل البعد عن فكر المسيح..
أحبائي: دعوني أؤكِّد لكم هذه الحقيقة من جديد:
أنَّ الذهن هوَ ساحة المعركة الحقيقية بينَ إبليس وبيننا، وإنْ رَبِحَ الشيطان هذه المعركة، فهوَ سيستولي على أذهاننا، ومن يستولي على الذهن يستولي على كل الكيان والحياة..
فالأفكار التي نسمح لها بأن تستوطن في أذهاننا، ستتحوَّل عاجلاً أم آجلاً إلى أفعال وتصرفات نقوم بها !!!
يبدأ إبليس حربه علينا، أو حيلته علينا، بشكل أفكار يُقدِّمها لأذهاننا، وعندما ينجح في زرعها داخل أذهاننا، فسينجح لاحقًا وفي الوقت الذي يختارهُ هوَ، بتحويلها إلى أفعال وتصرفات نقوم بها.
حتَّى إنَّ كل الخطايا التي نرتكبها ودون ٱستثناء، تبدأ بأفكار يُقدِّمها لنا إبليس، وعندما نسمح لها بالبقاء في أذهاننا، ولا نقوم بردة فعل تجاهها، ستتحوَّل إلى أفعال خاطئة أو سلبية أو قيود.. من زنى وقتل وخوف وقلق وفشل وٱكتئاب...
ويُمكنك سرد لائحة طويلة كما يحلو لكَ..
هذه هيَ المشكلة.. وهيَ مشكلة حقيقية وخطيرة، ولو تفحّصتَ ما ذكرتهُ لكَ حتى الآن تحتَ قيادة الروح القدس، لاستنتجتَ أن كل مشاكلك تتمحور في هذه الدائرة..
هناك مثل شائع يقول:
" قل لي من تُعاشر أقل لكَ من أنت ".
واليوم سأعلِّمك مثلاً جديدًا يقول:
" قل لي بماذا تفكر.. أقل لكَ ماذا ستفعل ومن ستغدو ".
نعم.. إنَّ الذهن هوَ ساحة المعركة الحقيقية.. بوابة الدخول إلى كل كيانك..
والداخل سيستولي على حياتك كلها..
فإن نجح الشيطان بالدخول من خلال أفكاره.. ستغدو حياتك مأساة..
لكن إن نجحَ الرب بالدخول.. إن نجحتَ بأن يكون لكَ فكر المسيح.. ستغدو حياتك من مجد إلى مجد ومن قوة إلى قوة..
هذه هيَ المشكلة المعقَّدة.. لكن ما هوَ الحل؟
الحل هوَ:
" أمَّا نحن فلنا فكر المسيح ! ".
وكيف يكون ذلكَ؟
" لمَّا كنتُ طفلاً، كطفلٍ كنتُ أتكلَّم، وكطفلٍ كنتُ أفطن، وكطفلٍ كنتُ أفتكر، ولكن لمَّا صرتُ رجلاً، أبطلتُ ما للطفل " (رسالة كورنثوس الأولى 13 : 11).
الطفل في الإيمان.. الحديث الإيمان.. الذي جاءَ من العالم، وذهنهُ مملوء بأفكار العالم وبالأفكار السلبية والمخيفة، سيبقى لفترة معينة يُفكِّر كطفل ويعكس هذه الأفكار بتصرفات مشابهة لها..
لكن بولس يقول، إنّهُ لا ينبغي أن نبقى أطفالاً، بل ينبغي أن نُصبح رجالاً في الإيمان، ننمو ونتقوَّى، وذلك يتم عندما نتجاوب مع عمل الروح القدس في حياتنا، والعلامة التي وضعها بولس أمامنا لكي نتأكَّد من أننا لم نعد أطفالاً بل أصبحنا رجالاً، هيَ عندما نُبطل ما للطفل، نُبطل أفكار الطفل، نُبطل الأفكار السلبية، الأفكار المُخيفة، ونفكِّر كرجال لله.. أي أن يُصبح لنا فكر المسيح !!!
ويُكمل بولس في موضع آخر، ليُرشدنا أيضًا إلى الحل لمشكلة الذهن عندما يقول:
" ولا تُشاكلوا، لا تتكيَّفوا مع هذا العالم، بل تغيّروا عن شكلكم، بتجديد أذهانكم، لتختبروا أو لتميِّزوا ما هي إرادة الله الصالحة المرضية الكاملة " (رسالة رومية 12 : 2).
فكر الجسد.. فكر الموت.. فكر العالم.. هوَ الفكر الذي ذكرناه سابقًا:
أي، قلق.. خوف.. فشل.. توقُّع الأسوأ دائمًا.. السلبية... إلخ.
لكن المطلوب منَّا أن لا نُجاري هذا العالم وأفكار أهل العالم، وما يُمليه علينا إبليس، بل نحنُ مدعوين أن نُجدِّد أذهاننا من خلال كلمة الله، وعود الله، إيجابية الله، فكر المسيح، فنختبر عندها إرادتهُ المرضية والصالحة والكاملة..
مهما يُقدَّم لنا من أفكار وٱقتراحات من خلال إنساننا العتيق، أو من إبليس نفسه، أو من أهـل العالـم الذين يُستخدمون من إبليس، ينبغي أن تمر هذه الأفكار كلها مـن خـلال " مصفاة " وحيدة، لكي تُميِّزها وتُميِّز من يقف وراءها، وهذه المصفاة هيَ كلمة الرب، وهذا ما يؤكِّده لنا كاتب رسالة العبرانيين عندما يقول:
" لأنَّ كلمة الله حيَّة وفعَّالة وأمضى من كل سيف ذي حدِّين، وخارقة إلى مفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ، ومميِّزة أفكار القلب ونياته، وليس خليقة غير ظاهرة قدامه، بل كل شيء عريان ومكشوف لعيني ذلك الذي معه أمرنا ".
(رسالة العبرانيين 4 : 12 – 13).
نعم.. كلمة الله تفضح أكاذيب العدو وأفكاره وأفكار الجسد والموت، وتجعلك تُمِّيز ما تقبلهُ وما ترفضهُ عندما تعرف مصدرهُ، فكل شيء مكشوف وعريان ولا يستطيع التنكُّر والإختباء أمام قوة الله، وقوة كلمته، الذي معهُ أمرنا، والذي مصيرنا بينَ يديه وحده.
نحنُ نعيش في الجسد.. وسنُحَارب من العدو بأشكال مختلفة.. لا سيَّما عندما ندخل في حروب من أجل ﭐمتداد الملكوت، وربح مدن وبلدان للرب، لكن لا ننسى أنهُ لدينا السلطان وقوة الروح القدس، وتخبرنا الكلمة عن حل عملي وطريقة عملية، لمحاربة الأفكار التي نكتشف من خلال كلمة الرب مصدرها، إذ تقول:
" لأننا وإن كنا نسلك في الجسد، لسنا حسب الجسد نُحارب، إذ أسلحة محاربتنا ليست جسدية، بل قادرة بالله على هدم حصون، هادمين ظنونًا، وكل علو يرتفع ضد معرفة الله، ومستأسرين كل فكر إلى طاعة المسيح " (رسالة كورنثوس الثانية 10 : 3 – 5).
إذًا أتدرَّب تحت يدي الروح القدس، فأنمو ولا أعود أفكِّر كطفل بل كرجل، فأُبطل أفكار الطفل، ولا أُشاكل هذا العالم ولا أتكيَّف مع أفكار العالم، بل أُجدِّد ذهني بصورة دائمة من خلال دراستي وتأملي بكلمة الله تحتَ قيادة الروح القدس، ومن خلال هذه الكلمة أتمكَّن من تمييز مصدر الأفكار التي تأتي إلى ذهني، أهيَ من إبليس والجسد والعالم، أم هيَ من الله؟
وعندما أكتشف أنها من إبليس وحلفائه، أستأسرها إلى طاعة المسيح، وأطردها ولا أسمح لها أن تنغرس في ذهني لكي لا تُنتج أفعالاً، وكل ما تسرَّبَ سابقًا إلى ذهني، وإن كانَ قد أصبحَ كالحصن أو كعلو شاهق، فبقوة الروح القدس وبالسلطان المُعطى لي بٱسم الرب يسوع، أهدم هذه الحصون وهذه الظنون وأتحرَّر منها..
وهكذا يُصبح لي دومًا فكر المسيح !!!
ونصيحة ذهبية أقدمها لكَ:
" إفحص دومًا ما تُفكِّر فيه ".
لأنهُ لهذا دُعينا:
" أخيرًا أيها الإخوة، كل ما هوَ حق، كل ما هوَ جليل أو شريف، كل ما هوَ عادل، كل ما هوَ طاهر، كل ما هوَ مُسرّ، كل ما صيته حسن، إن كانت فضيلة وخصلة حميدة، ففي هذه ٱفتكروا " (رسالة فيلبي 4 : 8).
فإن كانَ ما تُفكِّر فيه يتناسب مع هذه الآية، فهوَ جيد ومن الله، وكل ما لا يتناسب فهوَ من إبليس.. تعامل معهُ بسرعة، لتحافظ على سلامك ونصرتك وفرحك ونموَّك بالرب..
تأتيك أفكار قلق.. ٱرفضها فهيَ مخالفة لكلمة الرب التي تقول: لا تقلقوا
تأتيك أفكار خوف.. ٱرفضها فهيَ مخالفة لكلمة الرب التي تقول: لا تخافوا
تأتيك أفكار فشل وهزيمة.. ٱرفضها فهيَ مخالفة لكلمة الرب التي تقول: الله لم يُعطنا روح الفشل
وهكذا دواليك... تفحَّص بصورة دائمة ما تُفكِّر فيه، لكي ترفض المصادر المشبوهة، وتستقبل المصدر الوحيد:
الرب وكلمته التي تركها لنا..
والآن.. سأسرد عليكم ٱختبارين شخصيين يتلاءَمان مع موضوع تأملنا، واحد قديم العهد، وواحد جديد حصلَ معي مؤخَّرًا:
كان جدِّي يُعتبر من الأشخاص المتفائلين جدًا في الحياة، لديه فكر إيجابي، وكان دائمًا يقول لي: لا تهتم بشيء " الله كبير " وهوَ يتدخَّل بسرعة وفي الوقت المناسب لكي يحل المشاكل التي تعترضنا، وقد علَّمني هذا المثل إذ قال:
" أَمْسِكْ بقبعتك وٱرمها عاليًا، وثق أنها قبلَ أن تقع على الأرض مُجدَّدًا، يكون الله قد تدخَّلَ وحل المشكلة التي تعترضك ".
كم هوَ جميل هذا المثل، وكم هوَ جميل هذا التفكير الإيجابي، وكم هيَ قليلة تلكَ اللحظات التي تحتاجها تلكَ القبعة حتى تعود وتقع على الأرض، لكن بهذه اللحظات القليلة يستطيع الرب أن يتدخل ويحل مشاكلك، أليسَ هوَ إله الهزيع الرابع؟
وتدعم هذا الفكر هذه الآية التي تقول:
" الله لنا إله خلاص، وعند الرب السيد للموت مخارج " (المزمور 68 : 20).
فإن كانَ عندهُ للموت مخارج، أفلا تعتقد أنهُ لديه لمشكلتك مهما كانت مُستعصية مخارج؟
أمَّا الاختبار الثاني فكان، أنَّ ٱبني الأصغر وقع عن الدراجة، وٱرتطمَ رأسه بالأرض بقوة، مما جعلهُ يفقد وعيهُ وذاكرته لبعض الوقت، وقد ٱتصلوا بي وأخبروني، ولا أُخفي عليكم حجم الأفكار السلبية والمخيفة والمُتسائلة عن حماية الرب لأولاده، التي هاجمت ذهني (هل لديه نزيف في الرأس؟ هل سيتأذَّى؟ لماذا لم يتدخل الرب ويمنع وقوع هذه الحادثة؟ وهل.. وهل.. ولماذا؟ ولماذا؟).
وكنتُ أمام خيارين، إمَّا أن أستقبل هذه الأفكار، أفكار الجسد وأفكار إبليس المميتة، أو أن أرفضها، وأستأسرها إلى طاعة المسيح، وأُعلن وعود الله الصادقة وصلاحه..
ويكون لي عندها فكر المسيح..
كنتُ أمام خيارين لا ثالث لهما:
- خيار أفكار الجسد أي الموت..
- وخيار أفكار الروح أي الحياة..
وهذا ما تُخبرنا إياه رسالة رومية عندما تقول:
" لأنَّ ٱهتمـام الجسد (فكر الجسد) هوَ موت، ولكن ٱهتمام الروح (فكر الروح) هوَ حياة وسلام " (رسالة رومية 8 : 6).
وفجأة أعلنَ لي الروح القدس هذه الكلمات:
" ... الصدّيق يكـون لذكر أبدي، لا يخشى من خبر سوء، قلبـهُ ثابت، متكلاً على الرب " (المزمور 112 : 6 – 7).
ومباشرةً بعد هذا الإعلان، خرجت من داخلي ترنيمة:
وإن سلكتُ في وسط الضيق.. في وسط الضيق تُحييني.. على غضب أعدائي تمدُّ يدك، وتُخلِّصني يمينك.. الرب يُحامي عنِّي.. الرب يُحامي عنِّي.. يا ربُّ رحمتكَ إلى الأبد...
وفجأةً.. ٱرتفعَ إيماني، وطفقت أُسبِّح الرب وأُردِّد وعودهُ بالحماية، وأُعلن صلاح الرب وٱهتمامه بي وبعائلتي، لم أعرف وقد لا أعرف الأسباب الذي أدَّت إلى وقوع تلكَ الحادثة، ولستُ أحتاج أن أعرف إن لم يُخبرني الرب، لكن هذا لا يهم، وما يهم هوَ أنني أثق أنَّ إبليس قصدَ لابني ولي شرًّا لكن الرب حوَّله للخير، وسحق الشيطان وخططه تحت أقدامنا، وأنقذهُ وسينقذهُ على الدوام، ومن طول الأيام سيُشبعهُ ويريه خلاصه، شاءَ إبليس ومملكته أم أبوا، ولنا وعد أننا ندوس العقارب والحيات وكل قوة العدو، ولا شيء يضرنا أو يضر عائلاتنا.. ولم يتأثَّر ٱبني أبدًا بتلكَ الحادثة، كما أنَّها لم تترك لديه أي مُضاعفات، بل على العكس ٱستعادَ وعيهُ وذاكرته ونشاطه بسرعة فائقة أدهشت الطبيب في المستشفى..
وأنا لا أُخفي عليك، وأقول لكَ إنَّ الوضع كانَ سهلاً، أمام تدفُّق تلكَ الأفكار المُخيفة والسلبية، وأمام هجوم إبليس، لكنني أقول لكَ إنَّ الرب دعمني وقوَّاني، فتجاوبت مع دعمه وقررت أن أختار فكر الروح.. فكر المسيح.. فٱنتصرت.. لهُ كل المجد !!!
وردًّا على سؤالي للرب: أينَ الحماية يا رب؟
فالرب أجابني بعد فترة قائلاً لي:
" إن الحماية كانت موجودة.. ولولا حمايتي لكانَ ﭐبنك قد تأذَّى.. لكنهُ لم يتأذَّّ.. ولم يتأتَّ عن ذلكَ الحادث أي مضاعفات.. فالحماية هيَ النتيجة النهائية لأي حادثة قد تتعرضون لها، وليست الحادثة بحد ذاتها ".
وأحببت أن أُشارككم بهذه الأجابة، لكي تُدركوا حقيقة الأمور وجوهرها، ولكي لا تقعوا في أفخاخ العدو، وتشكيكه لكم في حماية الرب، وصلاحه وصدق وعوده..
أؤكِّد لكم، أنهُ إن تجاوبتم مع هذا الكلام، وقرَّرتم أن تختاروا في كل مرة الفكر الإيجابي.. فكر الروح.. فكر المسيح.. فإنهُ سيأتي وقت لا تحتملون فيه التفكير السلبي على الإطلاق، بل ستمتلئ أذهانكم بالأفكار الإيجابية حتى في وسط أقسى الظروف، وهذا لا يُعتبر تطرفًا..
فإن شعرت بالمرض، لا تقل " أنا لستُ مريضًا " لأنَّ هذا يُخالف الواقع، ولكـن قُل:
" أؤمن أنَّ الله سيشفيني "، ولا تقل من المحتمل أن تسوء حالتي وربما ٱضطر للذهاب إلى المستشفى، ولكن تستطيع القول: " يد الله الشافية ستلمس جسدي وأؤمن أن حالتي ستكون على ما يُرام ".
وإن شعرت بالخوف أو بالفشل، وأنت تواجه مشكلة مُعيَّنة، أو إن كنتَ تخوض حربًا ضد مملكة الظلمة، أو إن كنتَ تُشارك في حملة كرازية، أو إخـراج أرواح شريـرة، لا تقل " أنا لستُ خائفًا أو مَضطربًا بعض الشيء " لأنَّ هذا يُخالف الواقع، ولكن قُل: " الرب لم يُعطنا روح الفشل والخوف، بل هوَ سيشددني وسيدعمني، وسيسير أمامي، وسيحوِّل خوفي إلى إيمان وشجاعة ".
ولا تعتبر أن إعلانك أنكَ شفيت بالرغم من وجود علامات المرض.. أو إعلانك أن ٱحتياجاتك قد سُدِّدت بالرغم من عدم تسديدها بعد.. أو أنَّ مشكلتك قد حُلَّت بالرغم من عدم رؤيتك شيء ملموس بعد، بأن كل ذلك هوَ ضرب من الخيال أو القفز في المجهول، لأنَّ كلمة الله تقول:
" (إبراهيم) الذي آمن بهِ (أي بالله) الذي يُحيي الموتى ويدعو الأشياء غير الموجودة كأنها موجودة، فهوَ على خلاف الرجاء، آمن على الرجاء، لكي يصير أبًا لأمم كثيرة كما قيل هكذا يكون نسلك، وإذ لم يكن ضعيفًا في الإيمان، لم يعتبر جسدهُ وهوَ قد صار مُماتًا، إذ كانَ ٱبنُ نحوَ مئة سنة، ولا مماتية مستودع سارة، ولا بعدم إيمان ٱرتابَ في وعد الله، بل تقوَّى بالإيمان مُعطيًا مجدًا لله، وتيقَّنَ أنَّ ما وعدَ بهِ (أي الله) هوَ قادر أن يفعلهُ أيضًا ". (رسالة رومية 4 : 17 – 21).
آمنَ إبراهيم بالله وقالَ عنهُ، إنَّهُ يدعي الأشياء غير الموجودة كأنها موجودة، وفعلَ إبراهيم مثلَ الله، وآمنَ على خلاف الواقع الملموس والعيان، لم يعتبر مماتية جسده ومماتية رحم سارة عقبة أمام وعد الله وقدرته، بل آمنَ أن كل ما وعدَ به الله قادر أن يفعلهُ، فٱعتبرَ أنَّ كل ما ليسَ موجودًا لا بدَّ وأن يُصبح موجودًا..
كانَ لهُ.. ٱهتمام الروح.. فكر الروح.. كانَ لهُ فكر المسيح..
قد تقول لي: " لكن ليسَ لي إيمان بعد كإيمان إبراهيم ".
ليسَ لديك إيمان؟ لا بأس.. أليسَ لديك أقلَّهُ رجاء؟ فالكلمة تقول:
" لأنَّهُ لا بُدَّ من ثواب (مكافأة) ورجاؤك لا يخيب " (سفر الأمثال 23 : 18).
نعم.. وحتى وإن لم يكن لكَ إيمان، بل رجاء فقط، فهذا الرجاء لن يخيب عندَ إله الرجاء.. فقط ليُكن لكَ فكر المسيح..
ج - من تُصدِّق؟
أغلبنا نُشبه أسرى في معسكرات مُحرَّرة !!!
أرى في روحي هذه الصورة المُعبِّرة التي أعطاني إياها الرب، أرى وكأنَّ الرب دخلَ إلى معسكرات العدو، التي كانَ إبليس يأسر بداخلها جميع المؤمنين، فهزمهُ وجرَّدهُ من كل قوَّته، وسحقهُ سحقًا، ووضعهُ تحت أقدام المؤمنين على مرأى من الجميع، وأعطاهم السلطان عليه وعلى كل أجناده، وهدمَ الجدران العالية لهذه المعسكرات، وفتحَ أبوابها، وقالَ للجميع:
قد أُكمل.. ﭐخرجوا إلى الحرية..
وﭐنطلقَ الرب بعدها إلى السماء، ليجلس عن يمين الآب، يشفع فينا مدى الأيام، وأرسلَ لنا الروح القدس، لكي يُخبرنا كل ما فعلهُ من أجلنا، ولكي يُساعدنا أن نحيا في النصرة الدائمة، ونتمتَّع بكل ما صنعهُ الرب..
لكنهُ فجأة ﭐلتفتَ إلى تلكَ المعسكرات، فرأى أن المؤمنين ما زالوا في الداخل..
فتعجَّبَ وسألهم:
لماذا لم تخرجوا بعد؟
وتفاجأ أكثر عندما سمعَ الجميع يقولون:
نحنُ أسرى في معسكرات العدو.. فكيفَ يُمكننا أن نخرج؟
فعادَ الرب ليقول لشعبه:
" لقد حررتكم.. لقد هدمت جدران المعسكرات.. وفتحت الأبواب.. وهزمت الحراس وكل الذين كانوا يأسرونكم.. وجرَّدتهم من كل قوة.. وأعطيتكم سلطانًا عليهم لتدوسوهم ولا يضركم شيء.. أنتم تستطيعون كل شيء فيَّ.. أنتم ملوك وكهنة.. أنتم أولادي.. أنتم أعظم من منتصرين.. أنتم ملح الأرض.. أنتم نور العالم.. الأرض التي تدوسها بطون أقدامكم تكون لكم.. ألقيت رعبي على كل أعدائكم.. أرسلت هيبتي أمامكم.. لا يقف أحد في وجهكم كل أيام حياتكم.. أنا معكم كل الأيام.. أرسلت لكم الروح القدس لكي يساعدكم ويشددكم.. وأعطيتكم ﭐسمي ودمي بهما تهزمون كل قوة العدو.. أنا الرب شافيكم.. أنا مسدد كل ﭐحتياجاتكم.. لا تسقط شعرة من رؤوسكم دوني.. من مسَّكم مسَّ حدقة عيني.. تقولون لهذا الجبل ﭐنطرح في البحر فينطرح.. بٱسمي تقتحمون جيوشًا وتتسلقون أسوارًا.. مهما سألتم بٱسمي أفعلهُ.. ﭐطلبوا فأُعطيكم ليكون فرحكم كاملاً.. لم أُعطكم روح الفشل والخوف، بل روح القوة.. كل سلاح صُوِّرِ ضدّكم لا ينجح.. لا تدنو ضربة من خيمة أحد منكم ولا يُلاقيكم شر.. لا عيافة ولا سحر على أحد منكم.. اللعنات التي تُطلق عليكم أحوِّلها إلى بركات.. لا يكون محتاج في وسطكم.. ولا عاثر ولا عاقر.. ما تربطونهُ على الأرض يكون مربوطًا في السماء.. وما تحلُّونهُ على الأرض يكون محلولاً في السماء..
ما بالكم خائفين.. ما بالكم أسرى في معسكرات مُحرَّرة؟ ".
ويعود الرب ليسمع من جديد:
من يتشبَّه بإبراهيم ويقول لهُ:
" ليتَ إسماعيل يعيش أمامك.. كيف أُنجب إسحاق وأنا ﭐبن مئة سنة، وزوجتي قد مات رحمها؟ " (سفر التكوين 17 : 18).
ومن يتشبَّه بموسى ويقول لهُ:
" من أنا حتَّى أمضي إلى فرعون وأُخرج بني إسرائيل من مصر؟... ﭐصغِ يا رب، أنا لم أكن في يومٍ من الأيام فصيحًا، لا في الأمس، ولا منذُ أن خاطبتَ عبدك. إنمَّا أنا بطيء النُطق عييُّ اللسان... يا سيِّد أتوسَّل إليك أن تُرسل غيري ".
(سفر الخروج 3 : 11، 4 : 10 – 13).
ومن يتشبَّه بجدعون ويقول لهُ:
" ... أسألك يا سيدي بماذا أُخلِّص إسرائيل؟ ها عشيرتي هي الذلَّى في منسَّى، وأنا الأصغر في بيت أبي " (سفر القضاة 6 : 15).
ومن يتشبَّه بإرميا النبي ويقول لهُ:
" ... آه يا سيد الرب إنِّي لا أعرف أن أتكلَّم لأنِّي ولد " (سفر إرميا النبي 1 : 6).
وكثيرون يقولون لهُ:
أنا ضعيف.. أنا فاشل.. أنا مُكتئب.. أنا خائف.. أنا مريض.. أنا لا أقوم بشيء وينجح.. من أنا لكي أُحارب إبليس، فهوَ قوي.. من أنا لأُحارب أرواح السحر والعرافة والفساد والموت والمرض.. من أنا لأمتلك أراضي جديدة.. من أنا لكي أربح مدن وبلدان للملكوت.. ومن.. ومن.. ومن...
أحبائي: إنَّ الله لا يُمكن أن يطلب منَّا أمورًا لا نستطيع القيام بها.. لأنَّهُ لم يتركنا يتامى.. بل أعطانا كل ما نحتاجه لكي نقوم بالأمور التي يطلبها منَّا..
لكنَّ السؤال يبقى..
من تُصدِّق؟
الله؟
أم إبليس وإنسانك العتيق والظروف المحيطة بكَ؟
والله قالَ لموسى، عندما تذمَّر الشعب، وبكوا وخافوا بعدما سمعوا أقوال الجواسيس العشرة:
حتى متى يُهينني هذا الشعب؟ وحتى متى لا يُصدِّقونني؟
نعم.. إنَّ عدم تصديق الله هوَ بمثابة إهانة لهُ !!!
وأنا أسألكم اليوم.. حتَّى متى سنبقى نُهين الرب ولا نصدقهُ؟
إن صدقت الرب وكل ما فعلهُ من أجلك، وكل ما يقولهُ لكَ.. فسوف تخرج من معسكرات العدو التي أسرك بداخلها، وسوف تدخل أرض الراحة، وتتحرَّر من كل قيودك.. وسوفَ تكون سبب بركة وتحرير لكثيرين..
وإن لم تصدق الرب، فسوف تبقى أسيرًا في معسكرات محرَّرة..
جدرانها مهدومة وأبوابها مفتوحة..
لكنك لا تراها !!!
إبراهيم.. موسى.. جدعون وإرميا..
عادوا وصدَّقوا الرب.. وﭐستُخْدِموا بقوَّة.. وذُكِرِتْ أسماؤهم مع أبطال الإيمان..
والرب اليوم يقول للجميع:
ليكن لكم حسب إيمانكم.. والغلبة لمن يؤمن بما أقولهُ لكم..
والخيار متروكٌ لكَ..
جرادة أم أسد؟
تُصدِّق الله أم إبليس؟
أسير في معسكرات مُحرَّرة أم طليق تتمتَّع بحرية أولاد الله؟
يشوع وكالب.. أم من الجواسيس العشرة؟