هيّئوا طريق الشعب
     
 

" ويقول: أعدُّوا أعدُّوا، هيِّئوا الطريق، ﭐرفعوا المعثرة من طريق شعبي ".
(سفر إشعياء النبي 57 : 14).

" ﭐعبروا ﭐعبروا بالأبواب، هيِّئوا طريق الشعب، أعدُّوا أعدُّوا السبيل، نقوُّه من الحجارة، ﭐرفعوا الراية للشعب " (سفر إشعياء النبي 62 : 10).

مهمَّة واضحة أوكلها الرب لأولاده..
على مرّ العصور.. طلب الله من شعبه ومن كنيسته، أن تُهيِّئ الطريق للأجيال التي ستأتي لاحقًا..

نحنُ اليوم نحصد ونستثمر تعب وتضحيات من سبقونا..
وغدًا سيحصد أولادنا.. وبلدنا ومُحيطنا تعبنا وتضحياتنا..
هذا إن كنَّا أُمناء على الدعوة، وأُمناء على الوكالة والمهمة اللتين كلَّفنا الرب بهما..

تقول الكلمة:
" الصدّيق يسلك بكماله، طوبى لبنيه بعده " (سفر الأمثال 20 : 7).

" يمدح أعمالك جيل ماضٍ لجيل آتٍ " (المزمور 145 : 4).

هكذا ينبغي أن نكون.. فعندما نسلك بكمال، ونقوم بما كلَّفنا الرب بهِ، بأمانة وبنشاط، غير آبهين بالتضحيات وبالصعاب.. فهنيئًا لأبنائنا من بعدنا، وهنيئًا لشعبنا من بعدنا، وهنيئًا لبلدنا من بعدنا.. واثقين أن جيلنا سيمدح أعمال الرب، ويُخبر بأمانته وبمعجزاته وببركاته.. للجيل الآتي..

فهل سنكون سبب بركة لمن سيأتي بعدنا؟
وهل لنا شوق وشهوة قلب، أن نعمل من أجل منفعة الآخرين..
وليسَ من أجل منفعتنا الخاصَّة؟

دعونا نتأمل أكثر في هذا الموضوع الهام..
دوَّن لنا الرسول بطرس هذه الكلمات الذهبية:
" وكم فتَّشَ الأنبياء قديمًا وبحثوا عن هذا الخلاص، فهم تنبَّأوا عن نعمة الله التي كانَ قد أعدَّها لكم أنتم، وٱجتهدوا لمعرفة الزمان والأحوال التي كانَ يُشير إليها روح المسيح الذي كانَ عاملاً فيهم... ولكنَّ الله أوحى إليهم أنَّ ٱجتهادهم لم يكن لمصلحتهم هُمْ، بل لمصلحتكم أنتم " ( رسالة بطرس الأولى 1 : 10 – 12).

من هُم هؤلاء الذين قاموا بهذا العمل؟
بولس الرسول يُخبرنا من هُمْ:
" في الإيمان ماتَ هؤلاء أجمعون، وهُمْ لم ينالوا المواعيد... وآخرون عُذِّبوا ولم يقبلوا النجاة... وآخرون تجرّبوا في هزء وجلد، ثم في قيود أيضًا وحبس، رُجموا، نُشروا، جُرِّبوا، ماتوا قتلاً بالسيف، طافوا في جلود غنم، وجلود معزى، مُعتازين مكروبين مُذلّين، وهُمْ لم يكن العالم مستحقًا لهم، تائهين في براري وجبال ومغاور وشقوق الأرض، فهؤلاء كلهم مشهودًا لهم بالإيمان، لم ينالوا الموعد ".
(رسالة العبرانيين 11 : 13 – 39).

ٱجتهدوا.. عُذِّبوا.. تجرّبوا في هزء وجلد وقيود وحبس.. رُجِموا.. نُشِروا.. ماتوا قتلاً بالسيف.. طافوا في جلود غنم وجلود معزى.. مُعتازين مكروبين مُذلّين.. تائهين في براري وجبال ومغاير وشقوق الأرض..

لكن الأهم من كل ذلكَ.. أنهم لم ينالوا هُمْ الوعد.. بل إنَّ كل ما قاموا به..
لم يكن لمصلحتهم هُمْ، بل لمصلحتكم أنتم !!!
كانوا يُهيِّئون الطريق لنا.. كانوا يُنقُّونهُ من الحجارة..

قد تُضحِّي كثيرًا.. وقد تتعرَّض لمخاطر كثيرة وأنتَ في حقل المعركة، لكي تربح أراضي جديدة، ولكي تربح نفوسًا كثيرة للرب..
لكن، قد لا تتحقَّق هذه الأهداف وهذه الأمور وأنتَ على قيد الحياة، بل تراها بالإيمان وتُحيِّيها من بعيد.. وتُدرك في أعماق قلبك أنها ستتحقَّق لاحقاً.. في الجيل الآتي..
فهل يكفيك ذلك؟
أم تُريد أن تحصد النتائج أنت؟

لماذا نضع هذا التحدِّي أمامنا؟
السبب واحد فقط.. وهوَ أنَّهُ إن كانَ دافعنا الأساسي من العمل والكد والنشاط والحرب والتضحية، أن نرى ملكوت الله يمتد، ونرى النفوس تخلص..
فسنعمل من كل قوتنا ومن كل قلوبنا، لكي نُنقِّي الطريق من الحجارة، ونُهيِّئ الطريق للشعب، سواء حصدنا النتائج نحن أم حصدها الجيل الآتي بعدنا..

داود الملك، الذي كانَ قلبه حسب قلب الرب كما تقول الكلمة، والذي عانى الكثير لكي يُتمِّم ما كلَّفه به الرب، كانَ شوق قلبهُ أن يبني بيتًا للرب، لكنَّ الرب أبلغهُ بأنَّ ﭐبنهُ سليمان، هوَ من سيبني البيت وليسَ هوَ..
لم يتأثَّر.. بل أطاع الله من كل قلبه، وهيَّأَ الطريق لابنه، وقدَّمَ لهُ كل دعم، وماتَ بشيبة صالحة قبلَ أن يرى بيت الله يُبنى، وإقرأ معي ما فعلَ داود حينها:
" فقال داود هذا هو بيت الرب الإله، وهذا هوَ مذبح المُحرقة لإسرائيل، وأمر داود بجمع الأجنبيين الذين في أرض إسرائيل، وأقامَ نحّاتين لنحت حجارة مُربَّعة لبناء بيت الله، وهيَّأَ داود حديدًا كثيرًا للمسامير، لمصاريع الأبواب وللوصل، ونحاسًا كثيرًا بلا وزن، وخشب أرز لم يكن لهُ عدد، لأنَّ الصيدونيين والصوريين أتوا بخشب أرز كثير إلى داود، وقال داود: إنَّ سليمان ﭐبني صغير وغضّ، والبيت الذي يُبنى للرب يكون عظيمًا جدًّا في الاسم والمجد في جميع الأراضي، فأنا أُهيِّئ لهُ، فهيَّأ داود كثيرًا قبل وفاته ".
(سفر أخبار الأيام الأول 22 : 1 - 5).

رأى داود أنَّ ﭐبنهُ ما زال صغيرًا وغضًّا..
والعمل الذي ينبغي عليه القيام بهِ كبير وعظيم..
فقالَ: أنا أهيِّئ لهُ..
وقام بذلكَ بالفعل..

وعندما شرعَ سليمان بالبناء، كانَ العمل سهلاً عليه..
لأنَّ من سبقهُ هيَّأَ الطريق لهُ.. نقَّاه من الحجارة..

أحبائي: ما أتكلَّم عنهُ هنا، ليسَ كلامًا نظريًا، بل هيَ حقائق روحية تُختبر، وتُلمس..
فنحنُ اليوم كمؤمنين حول العالم، نحصد ثمار البذار التي زرعها من سبقنا..
من هيَّأَ الطريق لنا ونقَّاها من الحجارة..

وأنتَ اليوم في حقل الخدمة الخاص بكَ، تحصد الثمار، لأنَّ من سبقوك، تعبوا وضحُّوا وحاربوا، وقيَّدوا القوي ودخلوا إلى مناطقه.. وفتحوا الأبواب أمامك..

لكن وكما قال الرب ليشوع حينها:
" ... بقيَت أرض كثيرة جدًّا للامتلاك " (سفر يشوع 13 : 1).

فهوَ اليوم يقول لنا الكلام نفسه.. بقيت أرض كثيرة جدًّا للامتلاك..
وينبغي علينا أن نعمل بكد، ونُضحِّي ونُحارب، ونمتلك ما يُمكننا ﭐمتلاكه..
لكن في الوقت نفسه ليكن هذا الفكر فينا، أنَّهُ بصلواتنا وتشفُّعاتنا وتسبيحنا وحربنا... نُهيِّئ الطريق ونُنقِّيه من الحجارة لمن سيأتي بعدنا، ليُكمل الرحلة، ويمتلك ما تبقَّى من أراضٍ لحين عودة الرب الثانية..

فلنقم بدرونا هذا، على أكمل وجه، ولنُهيِّئ لأولادنا ولشعبنا طريقًا سهلاً..
خاليًا من الحجارة..

لأنَّ من سيأتي بعدنا قد يكون صغيرًا وغضًّا كما كانَ سليمان..
والعمل قد يكون ضخمًا وعظيمًا.. فلنقل ولنفعل كما قالَ داود:
نحنُ نُهيِّئ لهُم !!!

 
 
   
عودة إلى الفهرس