حلُّوه ودعوه يذهب..
هذا ما قالهُ الرب يسوع للذين كانوا حوله عندما أقامَ لعازر من الموت..
" ... لعازر هلمَّ خارجًا، فخرجَ الميت والأكفان تشدُّ يديه ورجليه، والمنديل يلفُّ رأسه. فقالَ يسوع لمن حوله: حلّوه ودعوه يذهب " (إنجيل يوحنا 11 : 43 - 44).
كانت تلكَ الأكفان تشدُّ يديه ورجليه.. والمنديل يلفُّ رأسه..
كانَ عاجزًا عن الحركة وعن الرؤية.. كانَ مُقيَّدًا وأعمى..
أحبائي: كل ميت يحتاج بعد قيامته من الموت، إلى من يحلَّه من الربط والأكفان التي تلف كل جسده.. وتجلعهُ مُقيَّدًا وعاجزًا عن الحركة والرؤية..
وإن لم يحلَّك الرب من قيودك ومن الكفن الذي يلفك..
فلن تستطيع أن تذهب..
لن تستطيع أن تسير.. لن تستطيع أن ترى.. ولن تستطيع أن تُحارب أبدًا..
نعم.. هذا ما يحتاجهُ كل واحد منَّا بالتحديد.. لأننا جميعنا كنا موتى.. قبلَ أن نتعرَّف على الرب ويُقيمنا من موتنا هذا:
" وأنتم إذ كنتم أمواتًا بالذنوب والخطايا، التي سلكتم فيها قبلاً، حسب دهر هذا العالم، حسب رئيس سلطان الهواء، الروح الذي يعمل الآن في أبناء المعصية، الذين نحنُ أيضًا جميعًا تصرفنا قبلاً بينهم، في شهوات جسدنا، عاملين مشيئات الجسد والأفكار، وكنَّا بالطبيعة أبناء الغضب كالباقين أيضًا. الله الذي هو غني في الرحمة، من أجل محبته الكثيرة التي أحبَّنا بها، ونحنُ أموات بالخطايا، أحيانا مع المسيح، بالنعمة أنتم مخلّصون، وأقامنا معهُ وأجلسنا معه في السماويات في المسيح يسوع " (رسالة أفسس 2 : 1 – 6).
جميعنا وقبلَ أن نختبر الولادة الجديدة، وننضم إلى عائلة الله، كنَّا أمواتًا بالذنوب والخطايا، وكنَّا نسلك حسب ما يُمليه علينا إبليس، رئيس سلطان هذا الهواء..
وبسبب ذلكَ، تأصَّلت فينا عادات سيئة، وخطايا صعبة وقاسية، تقاليد وخطايا الآباء.. وأصبحت كقيود تربطنا.. وكأكفان ومناديل تلف جسدنا كلّه، ونحتاج بعد أن يُقيمنا الرب من الموت ويُخرجنا من قبرنا، أن نتحرَّر منها، نحتاج إلى من يفك لنا هذه الربط، وهذه الأكفان، لكي نرى بوضوح ونسير بحرية..
وﭐختباراتنا جميعًا تعكس هذا الواقع الذي أتكلَّم عنهُ، فكم يوجد في وسطنا من المؤمنين الأمناء جدًّا للرب، وبالرغم من محاولاتهم المتكررة والجدِّية، للتحرر من عادات سيئة، وخطايا متكررة، لم ينجحوا حتى هذه الساعة في تحقيق هذه الرغبة..
وكأنَّ قوة مُعاندة تمنعهم من القيام بهذا الأمر..
والآن.. دعني أُخبرك السبب:
ما زلنا نتعامل مع المشكلة وليسَ مع الذي يقف وراءَها أو مع مُسبّبها..
ما زلنا نُحاول أن نُعالج ما سببته هذه الربط وهذه الأكفان من عفن وعجز عن الحركة.. لكننا لم ننزع ولم نفك تلكَ الربط والأكفان بعد..
إننا كالمريض الذي لديه خلل ما في دمه.. يؤدي إلى ظهور دمامل في جسده، فيعمد إلى معالجة الدمامل بالمراهم والأدوية.. لكنه لا يعالج خلل الدم، فتزول دملة لتظهر مكانها دمامل أخرى..
يتعامل مع النتائج ويُهمل المُسببات !!!
وبعيد عن ﭐختباراتنا الشخصية، فكلمة الله تؤكِّد لنا هذه الحقيقة، فبولس الرسول يقول:
" لأنِّي لستُ أفعل الصالح الذي أُريده، بل الشر الذي لستُ أُريده، فإياه أفعل ".
(رسالة رومية 7 : 19).
نعم.. وبصريح العبارة.. نحنُ نحتاج إلى " تحرير "..
بكل ما لهذه الكلمة من معنى..
فالرب يسوع قال:
" وتعرفون الحق، والحق يُحرِّركم " (إنجيل يوحنا 8 : 32).
لم يقل الرب إنَّ الحق يغفر خطاياكم أو يُخلِّصكم، بل هوَ ﭐستعمل الكلمة المناسبة بالتحديد: " تحرير ".
ومن يحتاج إلى تحرير، هوَ الشخص المأسور.. المُقيَّد.. المربوط.. ودون أدنى شك لا يوجد أحد على الإطلاق، يربط ويأسر ويُقيِّد، سوى إبليس والأرواح الشريرة..
" وكانَ يُعلِّم في أحد المجامع في السبت، وإذا ﭐمرأة كان بها روح ضعف ثماني عشرة سنة، وكانت مُنحنية ولم تقدر أن تنتصب البتَّة، فلمَّا رآها يسوع دعاها وقالَ لها: يا ﭐمرأة إنَّك محلولة من ضعفك، ووضع عليها يديه، ففي الحال ﭐستقامت ومجَّدت الله... وهذه وهيَ ﭐبنة إبراهيم قد ربطها الشيطان ثماني عشرة سنة، أما كان ينبغي أن تُحل من هذا الرباط في يوم السبت " (إنجيل لوقا 13 : 10 – 16).
مربوطة من الشيطان.. والرب يحل الرباط..
كلام لا يقبل التأويل والجدل..
" وتُعطي شجرة الحقل ثمرتها، وتُعطي الأرض غلَّتها، ويكونون آمنين في أرضهم، ويعلمون أنِّي أنا الرب، عند تكسيري ربط نيرهم، وإذا أنقذتهم من يد الذين ﭐستعبدوهم ". (سفر حزقيال النبي 34 : 27).
" أخرجهم من الظلمة وظلال الموت، وقطَّعَ قيودهم " (المزمور 107 : 14) .
وأيضًا شعب، مربوط.. مأسور في الظلمة وظلال الموت.. والرب يكسر ربط النير، ويُقطِّع القيود.. ويُطلقهم من يد الذين ﭐستعبدوهم..
أ – الجدال الذي لن ينتهي
كلنا نُجمع أنَّ المؤمن لديه قيود، يحتاج أن يتحرَّر منها، وكلمة الله تؤكِّد لنا هذا الأمر، وﭐختباراتنا الشخصية تؤكِّدهُ أيضًا، وأغلبنا يُجمع أن هذه القيود والربط يقف وارءَها إبليس والأرواح الشريرة، وكلمة الله تؤكِّد هذا الأمر أيضًا، وقد ﭐستعرضنا معًا الآيات المتعلقة بهذا الموضوع..
لكنَّ السؤال يبقى.. والجدال الذي لن ينتهي يبقى..
كيفَ يحدث هذا؟
وأينَ تكون هذه الأرواح الشريرة التي تربط المؤمنين وتُقيّدهم؟
1 – هل تقف على مسافة قريبة منهم وتربطهم وتضغط عليهم من هذا الموقع؟
2 – أم هيَ تجلس على أكتافهم وتقوم بعملها من هناك؟
3 – أم هيَ تكون ملتصقة بالنفس والجسد وتقوم بعملها من الداخل؟
ومع ميلي بأنَّ الأرواح الشريرة يُمكنها أن تكون ملتصقة بنفس وجسد المؤمن، فليسَ هذا هوَ هدفنا الأساسي، بل هدفنا هوَ أن نتحرَّر من قيود هذه الأرواح الشريرة، ومن الربط التي تربطنا فيها، ومن الظلام الذي تلفنا فيه، لكي ننطلق بحرية وبقوة، ونُبصر جيدًا لكي نفتح عيون العمي، ونُحرِّر المُقيَّدين والأسرى، ونقودهم إلى ملكوت النور..
آيات هامة من كلمة الله، تؤكِّد لنا أن الأرواح الشريرة يمكنها أن تحتل أرضًا في حياة المؤمن وتتحصَّن فيها، وتأبى أن تترك هذه الأرض قبلَ أن نُرغمها ونطردها:
" ﭐغضبوا ولا تُخطئوا، لا تغرب الشمس على غيظكم، ولا تُعطوا إبليس مكانًا ".
(رسالة أفسس 4 : 26 – 27).
والترجمة التفسيرية (Amplified Bible ) تقول:
" لا تُعطوا إبليس مكانًا أو غرفةً أو موطئ قدم ".
إذًا.. ماذا تُعطي الخطيئة لإبليس؟
إنها تُعطيه مكانًا.. غرفة.. موطئ قدم.. أرضًا.. وبولس هنا كانَ يتكلم إلى مؤمنين !!!
وبولس الرسول أيضًا أوصى المؤمنين قائلاً:
" إذ أسلحة مُحاربتنا ليست جسدية، بل قادرة بالله على هدم حصون ".
(رسالة كورنثوس الثانية 10 : 4).
وهذه الحصون لا يبنيها العدو من أجل الشكل والديكور، بل يبنيها لكي يتحصَّن فيها، وبولس يوصينا أن نهدمها، لكي نُخرج الأعداء منها !!!
ومثل أعطاه الرب يسوع:
" قدَّمَ لهم مثلاً آخر قائلاً: يُشبه ملكوت السموات إنسانًا زرع زرعًا جيِّدًا في حقله، وفيما الناس نيام جاء عدوه وزرع زوانًا في وسط الحنطة ومضى، فلما طلع النبات وصنع ثمرًا، حينئذٍ ظهر الزوان أيضًا، فجاء عبيد رب البيت وقالوا لهُ: يا سيِّد أليس زرعًا جيِّدًا زرعت في حقلك؟ فمن أينَ لهُ زوان؟ فقال لهم: إنسان عدو فعل هذا... ".
(إنجيل متى 13 : 24 – 28).
نعم.. الرب زرعَ في حقلنا زرعًا جيِّدًا، زرعَ فينا عندما أتينا إليه، الإنسان الجديد، لكن عندما لا نكون مُتنبِّهين ومُتيقِّظين كما سبقَ وذكرنا في فصل سابق، فالعدو أيضًا قد يدخل إلى حقلنا.. إلى أرضنا، ويزرع زوانًا..
عندما يكون هناك ثغرات في سور حياتنا، وعندما ينهدم السياج، فقد تدخل الثعالب، وتُصبح أرضنا مرتعًا لها:
" خذوا لنا الثعالب، الثعالب الصغار المُفسدة الكروم، لانَّ كرومنا قد أزهرت ".
(سفر نشيد الأنشاد 2 : 15).
" مضى فرح قلبنا، صار رقصنا نوحًا، سقطَ إكليل رأسنا، ويلٌ لنا لأننا قد أخطأنا، من أجل هذا حزن قلبنا، من أجل هذه أظلمت عيوننا، لأنَّ جبل صهيون أضحى أطلالاً ترتع فيه الثعالب " (سفر مراثي إرميا النبي 5 : 15 – 18).
كلمات ثمينة ومُعبِّرة، أتركها بين يديك، وأدعوك أن تتواضع تحت يد الله القديرة، وتطلب من الروح القدس أن يُجدِّد ذهنك، ويُعلن لروحك، المغزى العميق لهذه الكلمات، فالرجل الذي كانَ أعمى، وشفاه الرب يسوع، لم يأبه لرأي الناس فيه، ولا لرأي الفريسيين والكتبة، ولا للجدل اللاهوتي الذي واجهوه فيه، وإجابةً على كل أسئلتهم قالَ لهم:
" ... أخاطئ هوَ؟ لستُ أعلم، إنما أعلم شيئًا واحدًا، أنِّي كنتُ أعمى والآن أُبصر ". (إنجيل يوحنا 9 : 25).
وهذا ما عليك أن تفعلهُ، أن تُبصر.. وتقود العميان إلى النور..
أكانت الأرواح الشريرة تجلس على مقربة منك، أم على كتفيك، أم هيَ ملتصقة في نفسك وجسدك، فأنتَ تحتاج إلى تحرير، يوقف معاناتك وتعبك ووجعك، تحتاج إلى من يفك قيودك ويُطلقك إلى الحرية..
وأرجو أن لا ينتفض أحد لكرامته، وعزَّة نفسه..
بل من منكم بلا قيد فليرجمني بالحجر الأول !!!
لأنَّ همي الوحيد أن أُساعدك، لكي تتخلَّص من هذه الأحمال التي تُرهق كاهلك، وتجعلك مُعذَّبًا.. مريضًا.. مُكتئبًا.. مذلولاً.. مُعطَّلاً.. بينما ينبغي عليك أن تُساعد المتعبين والمذلولين والمرضى.. لكي لا يُقال لنا:
" أيها الطبيب إشفِ نفسك أولاً ".
وقبلَ أن نتأمَّل ببعض المقاطع من كلمة الله، التي تقودنا إلى كيفية التحرر بالتفصيل، دعني أضع أمامك الطرق الأساسية للتحرير..
فقد يُحرِّرك الرب:
1 – بواسطة الكلمة الممسوحة بالروح القدس، لأنَّهُ هوَ من قال:
" وتعرفون الحق، والحق يُحرركم ".
2 - أو من خلال ﭐجتماعات روحية يكون حضور الله فيها قويًّا وواضحًا.. فالأرواح الشريرة كانت تصرخ مرتعدة عندما كان الرب يمر أو يقترب من أشخاص مُقيَّدين بتلكَ الأرواح:
وكان في المجمع رجل بهِ روح شيطان نجس، فصرخَ بصوت عظيم قائلاً: آه ما لنا ولكَ يا يسوع الناصري، أتيتَ لتُهلكنا، أنا أعرفك من أنت، قدوس الله ".
(إنجيل لوقا 4 : 33 – 34).
3 - أو بواسطة جلسات خاصة، من خلال الصلاة بوضع الأيدي من قبل خدام ممسوحين لهذه الغاية.. وهذا ما فعلهُ الرب مع المرأة المنحنية.. ﭐبنة إبراهيم، إذ وضعَ يديه عليها وفكَّها من الرباط..
المهم أن تتحرَّر وتنفتح عينيك لكي لا تبقى أعمى تقود عميان..
ب – أعداء في المغارة
إبليس مُخادع وذكي، وأخطر خدعة يُمارسها على المؤمنين، هيَ خدعة التخفِّي، والظهور بطرق ملتوية، لكي لا يُكتشف أمره فنحاربهُ ونطردهُ بعيدًا عنَّا..
نختبر جميعنا خلال حياتنا اليومية، قيودًا وضغوطات كثيرة، كالقيود التي ذكرناها قبل قليل، وهيَ تُحوِّل حياتنا إلى جحيم في أغلب الأحيان.. حتى إننا نشعر أحيانًا، وكأنَّ وزنًا ثقيلاً قد وُضِعَ على أكتافنا وصدرنا، يلازمنا طوال اليوم..
وفي فصل سابق كنَّا قد ذكرنا، عن مملكة مُنظَّمة تُحاربنا، وسمَّينا الأرواح الشريرة بأسمائها كما ذَكَرَتْها لنا كلمة الله، وذكرنا أنها هيَ التي تضغط علينا، وتقودنا إلى ﭐرتكاب خطايا وعادات سيئة كثيرة، لكننا وللأسف نرفض التعامل معها كأصل لهذه المشاكل، ونجد الأعذار والتبريرات اللازمة لما نُعاني منهُ:
1 – إنها عادات قديمة سأتخلَّص منها بالتدرُّج، فالكلمة تقول: درِّب نفسك للتقوى..
2 – ربَّما ينبغي أن أُصلِّي أكثر..
3 - وربَّما ينبغي أن أكون مُدقِّقًا أكثر...
وما إلى ما هنالك من تبريرات مشابهة..
والعدو فرحان ومُتخفٍّ.. إنه في المغارة..
" ثم رجع يشوع وجميع إسرائيل معه إلى المحلّة في الجلجال، فهربَ أولئك الخمسة الملوك وٱختبأوا في مغارة في مقيدة، فأُخبرَ يشوع وقيلَ له: قد وُجِدَ الملوك الخمسة مختبئين في مغارة في مقيدة... فقالَ يشوع: ٱفتحوا فم المغارة، وٱخرجوا إليَّ هؤلاء الخمسة الملوك من المغارة، ففعلوا كذلك... وكانَ لمَّا أخرجوا أولئك الملوك إلى يشوع، أنَّ يشوع دعا كل رجال إسرائيل وقال لقواد رجال الحرب الذين ساروا معه: تقدموا وضعوا أرجلكم على أعناق هؤلاء الملوك، فتقدموا ووضعوا أرجلهم على أعناقهم، فقالَ لهم يشوع: لا تخافوا ولا ترتعبوا، تشددوا وتشجعوا، لأنه هكذا يفعل الرب بجميع أعدائكم الذين تحاربونهم " (سفر يشوع 10 : 15 – 25).
نعم.. إنها حرب إبليس الشائعة والتي يستخدمها دائمًا.. يختبئ منك.. يتخفَّى عن عينيك.. لكي تعتقد أن وراء ما تُعاني منهُ ألف سبب وسبب، لكن ليسَ هوَ على الإطلاق..
والخدعة الثانية والأهم.. هيَ أنَّكَ عندما تُدرك أنَّ الذي يقف خلف كل هذه الأمور، هوَ إبليس وأجناده، يعمل هذا العدو جاهدًا لكي يبقى إدراكك للأمر مشوَّهًا وناقصًا..
فالبرغم من ﭐعترافك أنَّ إبليس يُحاربك ويُحارب كل المؤمنين.. يبقى هذا الاعتراف وهذه المعرفة، ضمن حدود الإعلان فقط، فلا تنتقل إلى المرحلة العملية التي تقودك إلى التحرير.. خاضعًا لكل ما يُمليه عليك الروح القدس في هذا المجال.. لكي تتحرَّر بالحقيقة..
وهذا ما فلعهُ الشعب في مصر..
فهُم صرخوا إلى الله وإلى موسى من قساوة العبودية والأحمال الثقيلة، ومن ظلم مُسخِّريهم، وأدركوا أن فرعون هوَ من يفعل بهم كل تلكَ الأمور، لكن عندما أقامَ الرب موسى لكي يُخرجهم من أرض العبودية، وعندما بدأت مسيرة التحرير العملية والحقيقية، تذمَّروا على موسى وعاندوه، وأرادوا العودة إلى أرض مصر.. أرض العبودية.. والنتيجة كانت أنهم لم يدخلوا أرض الراحة.. أرض الحرية الحقيقية..
وماتوا جميعهم عبيدًا في البرية !!!
لقد سحقَ الرب رأس إبليس، وجرَّدَهُ من قوته وسلطانه عليك، لا بل أعطاكَ سلطانًا لكي تدوس عليه، لكنه يحتال عليك، ويستعبدك ويُسخِّرك، وأنتَ لا تدري..
فهكذا فعل فرعون مع شعب الله قبل أن يُخرجهم الرب على يد موسى:
" ثم قام ملك جديد على مصر لم يكن يعرف يوسف، فقالَ لشعبه: هوذا بنو إسرائيل شعب أكثر وأعظم منَّا، هلمَّ نحتال لهم لئلاَّ ينموا، فيكون إذا حدثت حرب، أنهم ينضمون إلى أعدائنا ويُحاربوننا ويصعدون من الأرض، فجعلوا عليهم رؤساء تسخير لكي يذلّوهم بأثقالهم، فبنوا لفرعون مدينتي مخازن فيثوم ورعمسيس " (سفر الخروج 1 : 8 – 11).
فرعون كانَ يعرف قوة الشعب، وكانَ يعرف أنهم أعظم منه ومن شعبه، فلهذا ﭐحتالَ عليهم، لكي لا تنفتح عيونهم وينموا ويُحاربوه ويخرجوا من أرض العبودية، فيتحرَّروا، لا بل جعلهم يبنون لهُ ويعملون لصالحه !!!
وإبليس يتَّبِع الطريقة نفسها، يعرف أننا أقوى منه في المسيح، ويعرف أن الرب جرَّده من سلطانه وقوته وتسلطه علينا، وأعطانا سلطانًا عليه، لذا فهو يحتال علينا، وللأسف فإنه ينجح، مُختبئًا في المغارة..
قال فرعون: إن ﭐكتشفوا حيلتنا وحاربونا فهم سيتحرَّرون..
ويشوع قال لمُحاربيه: أخرِجوا الأعداء المختبئين.. وضعوا أرجلكم على أعناقهم..
لأنه هكذا يفعل الرب بجميع أعدائكم الذين تحاربونهم..
لاحظ معي دقة الوحي، وما يقوله الروح القدس بالتحديد..
من سنهزم؟
سنهزم أعداءَنا الذين نُحاربهم فقط.. نعم الذين نُحاربهم..
فالذين لا نُحاربهم سيبقون في المغارة، ولن ننتصر عليهم، ولن ندوس على أعناقهم، وسيعودون للظهور عندما يرون ذلكَ مناسبًا، وستعود مأساتك لتتكرَّر بصورة مستمرة !!!
قالَ الرب يسوع:
" مكتوب بيتي بيت الصلاة يُدعى، وأنتم جعلتموه مغارة لصوص " (إنجيل متى 21 : 13).
ما هوَ يا ترى في العهد الجديد، بيت الرب أو هيكل الرب؟
" أما تعلمون، أنكم هيكل الله، وروح الله يسكن فيكم؟ " (رسالة كورنثوس الأولى 3 : 16).
نعم.. نحن بيت الله، هيكل الله.. فهل نجعلهُ مغارة لصوص؟
مغارة يختبىء فيها أعداؤنا؟
نعم.. أحيانًا كثيرة نجعلهُ مغارة للصوص.. للأرواح الشريرة.. عندما لا نفعل كما فعلَ يشوع، فنفتح باب المغارة، نُخرج هؤلاء الأعداء، وبمعاونة القادة ندوس على رقابهم، ودائمًا تذكر أن الله سيفعل بأعدائنا كما فعل بأعداء يشوع وشعبه..
فقط عندما نُحاربهم !!!
لنتخلَّ عن كبريائنا وتديننا، ولنتواضع تحت يد الله القديرة، ولنصرخ لهُ لكي يُخرج أعداءَنا من المغاور، ويضعهم تحت أقدامنا، ولنصرخ لهُ لكي يُرسل عليهم " الزنابير " لكي يفنيهم، لأنَّ كلمتهُ تقول:
" والزنابير أيضًا يُرسلها الرب إلهك عليهم، حتى يفنى الباقون، والمختفون من أمامك ". (سفر التثنية 7 : 20).
تأتي الزنابير من عند الله، وتفني المُختفين داخل المغاور من أمامك.
قوة حضور الرب وقوة المسحة وصلاة التحرير، تفضح الأرواح الشريرة وتُخرجها من المغارة..
تعمد الجيوش عندما تُقرِّر مهاجمة الأعداء المتحصِّنين والمختبئين، إلى أرسال مفرزة سبَّاقة قبل القوى المُهاجمة، وتكون مهمة هذه المفرزة ما يُسمَّى " الاستطلاع بالنار "، وهيَ تهدف أن تقترب من بقعة العدو، وتُطلق عليها نيرانًا غزيرة، لكي يردُّوا عليها، فتكتشف مخابئهم، وتجرهم إلى المعركة وفقاً لتوقيتها هي.. وهذا ما ينبغي علينا أن نفلعهُ نحن أيضًا مع إبليس وأجناده..
ينبغي علينا أن نتواجد في ﭐجتماعات روحية قوية، ٱجتماعات تسبيح قويَّة.. يكون فيها حضور الرب قويًّا، ومسحة الروح القدس قوية، فلا يُمكن عندها للعدو أن يبقى مُتخفِّيًا:
" فسمع الفلسطينيون صوت الهتاف، فقالوا: ما هوَ صوت هذا الهتاف العظيم في محلّة العبرانيين؟ وعلموا أن تابوت الرب جاء إلى المحلَّة، فخافَ الفلسطينيون لأنَّهم قالوا قد جاء الله إلى المحلَّة، وقالوا ويل لنا لأنَّهُ لم يكن مثل هذا منذُ أمس ولا ما قبله، ويلٌ لنا، من يُنقذنا من يد هؤلاء الآلهة القادرين، هؤلاء هم الآلهة الذين ضربوا مصر بجميع الضربات في البريَّة، تشدَّدوا وكونوا رجالاً أيها الفلسطينيون، لئلا تُستعبدوا للعبرانيين كما ﭐستعبدوا هم لكم، فكونوا رجالاً وحاربوا " (سفر صموئيل الأول 4 : 6 – 9).
حضور الله القوي يفضح العدو، ﭐنتهى زمن الاحتيال يا فرعون، وها هُم الأعداء يعترفون أن الشعب الذي نما وقادهُ موسى، هُم من ضربوا المصريين، وها هوَ العدو خائف أن يُستعبد هوَ، بعدَ أن كان يستعبدنا، لذا لا تخف.. بل تقدَّم وحاربهُ عندما يخرج من مغارته، والرب سيجعلك تدوس على أعناق ملوكه !!!
لا تخف.. ولا تنعزل لوحدك.. مُحاولاً التحرُّر بمفردك، فقد لا تستطيع.. لا تسمح للخجل أو للكبرياء أن يفوِّتا فرصة التحرير عليك.. بل تعالَ بكل تواضع إلى القادة الذين أقامهم الرب لكي يخدموك ويساعدوك، ودعهم يُزيحون الحجر الكبير عن مغارتك، ويُخرجون هؤلاء الملوك المختبئين، ويضعونهم تحت أقدامك لكي تدوسهم، كما فعلَ يشوع مع مُحاربيه..
لا تتردَّد أبدًا في هذا الأمر..
وأخيرًا..
عندما تتحرَّر.. كُنْ حذرًا ولا تفتح ثغرات من جديد، لكي لا يدخل منها العدو، ويختبئ في المغارة من جديد، بل عالج الوضع على الفور، لأنَّ كلمة الله تحذرنا قائلةً:
" وقال الملك لعماسا: ﭐجمع لي رجال يهوذا في ثلاثة أيام، وﭐحضر أنت هنا، فذهب عماسا ليجمع يهوذا، ولكنه تأخَّرَ عن الميقات الذي عيَّنهُ، فقال داود لأبيشاي: الآن يُسيء إلينا شبع بن بكري، أكثر من أبشالوم، فخذ أنتَ عبيد سيدك وﭐتبعه، لئلا يجد لنفسه مُدنًا حصينة وينفلت من أمام أعيننا " (سفر صموئيل الثاني 20 : 4 – 6).
نعم.. كن حذرًا وعالج الأمور قبلَ أن يجد العدو مُجدَّدًا، مُدنًا حصينة يختبئ فيها، وينفلت من أمام عينيك..
ليفتح الرب عيوننا بالروح القدس، لكي نُدرك المغزى الحقيقي والعميق لهذه الإعلانات التي أعطاها لنا الروح القدس، فنغدو محاربين أشدَّاء عيوننا مفتوحة، نُخرِج العدو من مخابئه، ونهزمه إلى التمام !!!
ج - إهدم المرتفعات
لو تأملتَ جيِّدًا في أسفار الملوك وأخبار الأيام، لاستوقفتكَ أخبار المرتفعات كثيرًا.. وسوف تكتشف أن أغلب الملوك الذين كانوا صالحين أو أشرار..
لم يهدموا تلكَ المرتفعات..
وتلكَ المرتفعات كانت أماكن عالية تُشرف على المدن، شيَّدَ عليها الشعب تماثيل لآلهة غريبة، فعبدوها وقدَّموا لها المُحرقات والذبائح، كما فعلَ سكان الأرض الذين طردهم الرب من أمام شعبه، وأنهاهم عن القيام بالرجاسات التي كانوا يقومون بها.. لكنهم لم يُطيعوه، ممَّا أثارَ غيرته وغضبه على شعبه، وممَّا جلب عليهم العقاب والدمار والهزيمة..
وفي الحروب العسكرية.. تتنافس الجيوش لكي تحتل المرتفعات التي تُشرف على المدن المنوي ﭐقتحامها، والمتعارف عليه، أنَّ من يتمركز على المرتفعات، فهوَ يُحْكِم سيطرته على المدن، وتُصبح تلكَ المدن بحكم الساقطة عسكريًا من حيث المبدأ..
وما ينطبق على الحرب العسكرية، ينطبق أيضًا على الحرب الروحية، فللمرتفعات مغزى روحي عميق، كون بنيان معابد لآلهة غريبة عليها، هيَ بمثابة بنيان معابد للشيطان ومملكته عليها، كونهُ لا توجد آلهة غريبة، بل يوجد الشيطان الذي يتخفَّى تحتَ هذا الغطاء الوهمي..
وهوَ يتحكَّم عندها بالمدن والبلدان التي تبني لهُ مذابح وهياكل على مرتفعاتها..
ولو أجريت دراسة روحية عميقة بقيادة الروح القدس، لاكتفشتَ أن القيود والخطايا التي تتحكَّم بمنطقة مُعيَّنة، تكون كلها متمحورة حول هويَّة الآلهة التي تُشاد لها معابد على مرتفعات تلكَ المنطقة، فتجد مدنًا تتحكَّم فيها خطايا الزنى والإباحية، كون الآلهة المعبودة فيها ترمز إلى تلكَ الخطايا والقيود.. ومدنًا تتحكم فيها خطايا وقيود السحر والشعوذة، كون الآلهة المعبودة فيها ترمز إلى تلكَ الخطايا والقيود.. وهكذا دواليك...
رياسات وسلاطين في عالم الظلمة تتحكَّم في تلكَ المدن والبلدان..
وما يصح على صعيد مدينة أو بلد، يصح أيضًا على صعيد الأشخاص إفراديًا..
فقد تجد شخصًا ما، لديه عدة قيود في حياته، لكن ينبغي عليه أن يكتشف بالدرجة الأولى، ما هوَ المرتفع الأساسي الموجود في حياته، والذي يكون السببب الرئيسي لباقي القيود، وعلى سبيل المثال، فقد تجد شخصًا لديه قيود عنف وغضب وعدائية، لكن المرتفع الأساسي في حياته يكون قيد صغر النفس مثلاً..
ولكي يتحرر ذلكَ الشخص بالكامل، ينبغي عليه التعامل أولاً مع المرتفع الأساسي الموجود في حياته، ومن ثمَّ تنفك باقي القيود بسهولة، لكنهُ لو فعلَ العكس فلن يتحرَّر أبدًا..
تقول كلمة الله:
" إنَّهُ هوَ الذي خلقَ الثريَّا والجبَّار، ويُحوِّل دياجير الظلمة إلى نهار... الرب ﭐسمهُ. الذي يُنزل الخراب بالقوي، فيعصف الدمار بالحصون " (سفر هوشع النبي 5 : 8 – 9).
نعم.. عندما يضرب الرب القوي.. تنهار باقي الحصون..
وإليكَ أيضًا ما حصلَ في حادثة داود وجليات العملاق:
" فخرجَ رجل مُبارز من جيوش الفلسطينيين، ﭐسمهُ جليات من جتّ، طوله ست أذرع وشبر، وعلى رأسه خوذة من نحاس، وكان لابسًا درعًا حرشفيًا، ووزن الدرع خمسة آلاف شاقل نحاس، وجرموقا نحاس على رجليه، ومزراق نحاس بين كتفيه، وقناة رمحه كنول النسَّاجين، وسنان رمحه ست مئة شاقل حديد، وحامل الترس كان يمشي قدامه، فوقف ونادى صفوف إسرائيل وقالَ لهم: لماذا تخرجون لتصطفُّوا للحرب، أما أنا الفلسطيني وأنتم عبيد لشاول، ﭐختاروا لأنفسكم رجلاً ولينزل إليَّ، فإن قدرَ أن يُحاربني ويقتلني، نصير لكم عبيدًا، وإن قـدرت أنا عليه وقتلتهُ، تصيرون أنتم لنا عبيدًا وتخدموننا " (سفر صموئيل الأول 17 : 4 – 9).
إنها معادلة ثابتة لا تقبل التأويل، تقتل القوي في صفوف الأعداء.. يُصبح باقي الأعداء عبيدًا لكَ، والعكس صحيح، يكون القوي مُسيطرًا عليك، فتكون عبدًا لهُ وللباقين..
وذلكَ ما حصلَ بالتحديد:
" وهكذا قضى داود على الفلسطيني بالمقلاع والحجر وقتلهُ. وإذ لم يكن بيده سيف، ركضَ نحوَ جليات وﭐخترطَ سيفه من غمده وقتلهُ وقطعَ بهِ رأسه. فلمَّا رأى الفلسطينيون أن جبَّارهم قد قُتل هربوا. فأطلقَ رجال إسرائيل ويهوذا صيحات الحرب، وتعقَّبوا الفلسطينيين حتى مشارف الوادي وأبواب مدينة عقرون، وﭐنتشرت جثث قتلى الفلسطينيين على طول طريق شعرايم إلى جت وإلى عقرون ".
(سفر صموئيل الأول 17 : 50 – 52).
لمَّا رأوا أن القوي قد قُتِل.. المرتفع الأساسي قد ﭐنهدم.. هرب الجميع..
وﭐنهارت باقي الحصون !!!
وهذا ما ينبغي على كل واحد منَّا أن يقوم به على الصعيد الشخصي.. وعلى صعيد الكنيسة.. هدم المرتفعات الموجودة في حياة كل واحد منَّا.. لكي تنهار باقي الحصون وباقي القيود.. وهدم المرتفعات التي تتحكَّم بمدن وببلدان، لكي تنهدم باقي الحصون وباقي معاقل العدو..
وقد لا تستطيع أن تعرف بمفردك ما هيَ المرتفعات المتحكِّمة في حياتك، ولهذا السبب أسَّس الرب الكنيسة، وأقامَ فيها قادة ممسوحين، ومواهب متنوعة، رسلاً وأنبياء، لكي يساعدوك أن تكتشف أعداءَك المختبئين من وجهك، أعداءَك المتحصنين في المرتفعات، فعندها تستطيع أن تقاتلهم وتهزمهم، وتتحرَّر إلى التمام..
ومن جديد أيضًا.. لا تخجل أبدًا ولا تسمح للكبرياء أن تمنعك من القيام بهذه الخطوات.. بل ليكن همك الوحيد كهم ذلكَ الأعمى، أن تُبصر، وأن تتحرَّر، وأن تسمح للذين أقامهم الرب من حولك، أن يحلّوك ويدعوك تذهب، لكي تغدو مقاتلاً شرسًا في جيش الرب.. تفتح عيون العمي، وتفك قيود الأسرى وتطلقهم إلى الحرية..
د - لا يبقى ظلف
" فدعا فرعون موسى وقال: ﭐذهبوا ﭐعبدوا الرب، غير أنَّ غنمكم وبقركم تبقى، أولادكم أيضًا تذهب معكم، فقالَ موسى: أنتَ تُعطي أيضًا في أيدينا ذبائح ومُحرقات لنصنعها للرب إلهنا، فتذهب مواشينا أيضًا معنا، لا يبقى ظلف، لأنَّنا منها نأخذ لعبادة الرب إلهنا، ونحنُ لا نعرف بماذا نعبد الرب، حتى نأتي إلى هناك " (سفر الخروج 10 : 24 – 26).
كان هدف إبليس.. ولا يزال.. وسيبقى..
أن يبقى ظلف للمؤمنين في أرضه..
والأخطر.. أن يُبقي لهُ ولو ظلف في أرض المؤمنين..
فالجيوش المُحتلَّة لأرضٍ ما، وبعد هزمها وتقهقرها وطردها من الأرض التي كانت تحتلها، تعمل جاهدة على إبقاء ولو عدد قليل من عناصرها في تلكَ الأرض، يكونون بمثابة جواسيس لها، يبقون على ﭐتصال مع تلكَ الجيوش، ينقلون لها ما يدور في تلكَ الأرض، ويُنفِّذون لتلكَ الجيوش مهامَّ وخططًا تهدف في نهاية المطاف، وعندما تسنح الظروف إلى إعادة ﭐحتلال أجزاء من الأرض أو كل الأرض من جديد..
وما يصح في الحروب العسكرية في هذا المجال.. يصح أيضًا في الحرب الروحية..
ولهذا نبَّهنا الرسول بولس.. بأن لا نُعطي إبليس مكانًا في حياتنا..
ولهذا نرى فرعون يُراوغ مع شعب الله، قبل أن يخرجوا من أرض مصر..
أرض سيطرته..
في البداية رفضَ فرعون مرارًا عديدة أن يُطلق الشعب..
لكنهُ وبعد أن أدركَ أنَّهُ لن يستطيع أن يُبقيهم تحتَ سيطرته، سمح لموسى بأن يمضي الرجال فقط..
ثمَّ سمحَ لهُ بأن يمضي الجميع لكن دون الماشية..
لكنَّ إدراك موسى لأسرار الحرب الروحية، وفهمه لخطط فرعون، جعلهُ يُصر، قائلاً لفرعون: نخرج جميعنا.. وحتَّى ظلف واحد من أظلاف المواشي لا يبقى..
والرب حقَّقَ هذا الأمر بيده القديرة..
لكن فرعون لم يستسلم، بالرغم من كل الضربات التي تعرَّض لها.. فبعدما خرج الشعب، خرج وراءهم بكل جيشه.. وعندها قضى عليه الرب، عندما أغرقهم جميعهم في البحر الأحمر، تقول الكلمة:
" ... فلم يفلت منهم ناجٍ واحد " (سفر الخروج 14 : 28).
وعندها تمكَّن موسى من القول:
" لا تخافوا. قفوا وﭐنظروا خلاص الرب الذي يُجريه لكم اليوم، لأنَّ المصريين الذين رأيتموهم اليوم، لن تروهم في ما بعد إلى الأبد. فالرب يُحارب عنكم وأنتم تصمتون ".
(سفر الخروج 14 : 13 – 14).
لن تروا أعداءَكم إلى الأبد.. إن لم تتركوا ظلفًا في أرض العدو..
أو إن لم تتركوا للعدو ظلفًا في أرضكم..
وهذا ما ينبغي علينا أن نقوم بهِ..
إبليس لن يستسلم بسهولة، فعندما يراك عازمًا على التحرُّر الكامل من سيطرته وسيطرة أجناده على حياتك، سيتبع الطريقة نفسها التي ﭐتَّبعها مع موسى والشعب..
سيُراوغ لكي يترك لهُ ولو ظلف بسيط في حياتك.. فلا تسمح لهُ أبدًا.. وكُن حذرًا في هذا الأمر الهام والمصيري !!!
تُخرج الأعداء من المغارة وتطردهم.. تهدم المرتفعات كلها.. ثمَّ تُنظِّف أرضك إلى التمام.. بحيث لا يبقى أي تواجد للعدو مهما كان حجمه..
وكلمة الله نبهتنا من هذا الأمر في مواضع عدَّة، فتعالَ معي الآن لنتعلَّم أكثر، لكي يترسَّخ هذا الدرس فينا إلى التمام:
" فقالُ لهُ أليشع (أي للملك يوآش): خُذْ قوسًا وسهامًا. فأخذَ لنفسه قوسًا وسهامًا. ثمَّ قالَ لملك إسرائيل: ركِّب يدك على القوس، فركَّبَ يده. ثمَّ وضعَ إليشع يده على يدي الملك، وقالَ: ﭐفتح الكوَّة لجهة الشرق. ففتحها، فقالَ أليشع: ﭐرمِ، فرمى. فقالَ: سهم خلاص للرب، وسهم خلاص من أرام، فإنَّكَ تضرب أرام في أفيق إلى الفناء. ثمَّ قال: خُذْ السهام، فأخذها. ثمَّ قالَ لملك إسرائيل: ﭐضرب على الأرض، فضربَ ثلاث مرَّات ووقف، فغضبَ عليه رجل الله وقال: لو ضربتَ خمس أو ست مرَّات، حينئذٍ ضربتَ أرام إلى الفناء، وأمَّا الآن، فإنَّكَ إنمَّا تضرب أرام ثلاث مرات " (سفر الملوك الثاني 13 : 15 – 19).
رجل الله أنبأَ الملك بأنَّ الأمر صدرَ من الله بفناء أرام..
لكن عندما كُلِّفَ ذلكَ الملك بتنفيذ ما أنبأَ بهِ الله على الأرض، لم يقم بدوره إلى النهاية.. تركَ أظلافًا في أرض العدو.. تركَ للعدو أظلافًا في أرضه.. فغضبَ عليه أليشع، وأبلغهُ أنَّهُ لن يفني أرام إلى التمام، بل سيضربها ثلاث ضربات فقط..
وهذا ما نقوم بهِ جميعنا.. لا نُنفِّذ ما يطلبهُ الرب منَّا إلى التمام.. لا نصبر إلى النهاية.. لا نُقاوم إلى النهاية.. بل تخور عزيمتنا قبلَ نهاية الأمر إلى التمام.. فنترك أرضًا للعدو في حياتنا، لنعود وندفع ثمن ذلكَ غاليًا فيما بعد..
الملك داود لم يكن هكذا بل هوَ من قال:
" أتبع أعدائي فأُدركهم، ولا أرجع حتى أفنيهم. أسحقهم، فلا يستطيعون القيام، يسقطون تحت رجليَّ، تُنطِّقني بقوَّة للقتال، تصرع تحتي القائمين عليَّ، وتُعطيني أقفية أعدائي، ومُبغضيَّ أفنيهم " (المزمور 18 : 37 – 40).
نعم.. إضرب العدو حتَّى الفناء.. لكي لا يتكَّرر معك ما حصل مع الملك شاول، الذي ذكرنا قصَّته في فصل سابق، لم يقتل كل العماليقيين كما أوصاه الرب، بل أبقى على البعض منهم، والنتيجة كانت قاسية ومُرعبة..
من أبقاهم عادوا وقتلوه.. فكن حذرًا !!!
أحبائي: في نهاية هذا المقطع.. تعالوا جميعًا لكي نتخلَّى عن تديّننا وكبريائِنا وعزة أنفسنا.. ولنتواضع تحت يد الرب، ونعترف أمامهُ.. أننا موتى كُنَّا قبلَ أن يُقيمنا معهُ، والموتى بعد قيامتهم ينبغي أن يحلّهم أحد ما، من الأكفان والربط التي تقيدهم وتمنعهم من الرؤية ومن السير..
ولنصرخ إلى الرب، لكي يحررنا من سيطرة إبليس والأرواح الشريرة، أينما كانت هذه الأرواح تتواجد لكي تأسرنا وتشل حركتنا، لكي ننطلق أحرار، منتصرين، نُحارب بقيادة رب الجنود، ندخل أراضي جديدة.. نستولي عليها ونُطلق الأسرى المحتجزين فيها من الظلمة إلى النور.. لكي نُدعى أبناء العلي..
لقد كان هدف الرب وسيبقى.. أن يُطْلِق المأسورين والمُقيَّدين، لأنَّهُ يُحبهم بالدرجة الأولى، لكن هناكَ أكثر من ذلك بعد..
وهوَ أن تنطلق، لكي تُخبر ما صنعَ بكَ الرب، وتُطلق الأسرى بدورك..
فعندما حرَّر الرب مجنون كورة الجدريين من الأرواح التي كانت تأسره، قالَ لهُ:
" ﭐذهب إلى بيتك وإلى أهلك، وﭐخبرهم كم صنعَ الرب بكَ ورحمك، فمضى، وﭐبتدأَ يُنادي في العشر المدن، كم صنعَ بهِ يسوع، فتعجَّب الجميع " (إنجيل مرقس 5 : 19 – 20).
تقول الكلمة: أنَّهُ عندما كانَ مأسورًا، كان يقطع الطريق على الناس، وكانّ يُجرِّح نفسهُ..
لكن عندما تحرَّر.. شُفيَ إلى التمام، وﭐنطلقَ إلى عشر مدن بكاملها يشهد عمَّا صنع الرب بهِ، ويُحرِّر غيره..
وإن لم نفعل مثلهُ، سنقطع طريق التحرير على الناس..
وسنبقى نُجرِّح أنفسنا مدى العمر..
فلا تسمح لهذا أن يحصل معك، بعد كل ما قرأتهُ حتَّى الآن !!!