" ولكنَّ الرب إلهك يطرد هؤلاء الشعوب من أمامك قليلاً قليلاً (أو تدريجيًّا)، لا تستطيع أن تفنيهم سريعًا، لئلاَّ تكثر عليك وحوش البريَّة، ويدفعهم الرب إلهك أمامك، ويُوقع بهم ﭐضطرابًا عظيمًا حتى يفنوا، ويدفع ملوكهم إلى يدك فتمحو ﭐسمهم من تحت السماء، لا يقف إنسان في وجهك حتى تفنيهم " (سفر التثنية 7 : 22 – 24).
آفة مُستشرية بينَ كل المؤمنين.. لا بُدَّ من التعامل معها، لكي نتمكَّن من:
- الانتصار دومًا على العدو..
- التحرر من كل قيودنا..
- صد كل هجماته..
- ﭐمتلاك أراضٍ جديدة..
- ربح نفوس كثيرة..
- والأهم من كل ذلكَ.. الثبات بعد كل ﭐنتصار في وجه مكايد العدو، وفي وجه هجماته المعاكسة ضدنا..
ما هيَ هذه الآفة المُستشرية؟
العجلة.. التسرُّع.. عدم الصبر.. عدم ﭐنتظار الله.. عدم الصمود طويلاً..
نُريد أن نتحرَّر من كل القيود.. دفعة واحدة وبسرعة..
نُريد أن نحسم كل المعارك مع إبليس بسرعة ومرة لكل المرات..
لا.. يا أحبائي.. ليست الأمور هكذا.. وليست هكذا هي حربنا مع العدو، إن كان على الصعيد الشخصي، أو على الصعيد العام..
وهكذا تفكير، مؤذٍ للغاية.. ونتائجه ستكون الإحباط والفشل وخسارة الحرب !!!
قال الله لشعبه: أطردهم من أمامكم.. قليلاً.. قليلاً.. أو تدريجيًّا..
ومهما تعدَّدت التفسيرات لهذا الكلام، فالمهم فيه، أنَّ الله سيطرد أعداءَنا من أمامنا تدريجيًّا..
في الحروب العسكرية، قد تُحسم المعارك بعض المرات بسرعة، ولمرة واحدة فقط..
لكن ليست هكذا حالنا في حربنا ضد إبليس..
يقول أحد رجالات الله المعروفين، إنَّهُ في إحدى الأيام جاءتهُ سيدة وقالت لهُ:
أيها الراعي، أريد منكَ أن تُصلِّي من أجلي..
فقالَ لها: لأي موضوع تُريدين الصلاة..
فقالت لهُ: أن لا يعود إبليس يُهاجمني..
فأجابها على الفور قائلاً: هناك صلاة واحدة فقط، تنفع في هذا المضمار، وهيَ أن أُصلِّي لله لكي يأخذك إليه، فهناك المكان الوحيد الذي لن يعود إبليس يُهاجمكِ فيه..
أحبائي: ما دُمنا في هذا الجسد، وما دُمنا نحيا على هذه الأرض، فإنَّ حربنا مع إبليس لن تتوقَّف قطعًا.. فلا تسمح لهذه الحقيقة الدامغة أن تُفارق ذهنك، لكي لا تُصاب بالإعياء والفشل والإحباط..
لقد نفَّذَ الله عشر ضربات على فرعون ومصر، حتَّى أخرجَ بعدها الشعب، وعندما أخرجهُ عادَ فرعون وتبعهُ.. وعندها أجرى الله معجزة شق البحر الأحمر، فخلَّصَ شعبه وقتلَ كل أعدائه..
وقد تعدَّدت الأسباب التي جعلت الله ينفذ عشر ضربات:
- تمجَّدَ في عيون المصريين..
- تمجَّدَ في عيون شعبه..
- علَّمهم دروسًا في الإيمان..
- علَّمهم فن الحرب والقتال..
- علَّمهم شراسة العدو وعدم ﭐستسلامه بسهولة..
- نقَّاهم من شرورهم وخطاياهم... إلخ.
فتعلَّم أن تتواضع وتنتظر الله، وطرق الله، لكي تنجح في كل ما تقوم به..
أ - من يصمد حتَّى النهاية؟
إبليس صاحب " نفس طويل " في حربه ضد المؤمنين.. وهذا ما يجعلهُ يهزمنا مرارًا كثيرة للأسف..
فهو لا يمل ولا يكل.. ولا يُوقف محاولاته المتكرِّرة.. حتَّى يُحقِّق أهدافه..
لكن كلمة الله تُعلِّمنا عكس ذلكَ تمامًا، ولو تأصلَّ وترسَّخَ هذا الدرس فينا.. وأصبحنا نحن أصحاب " النفس الطويل " لربحنا كل المعارك ضد إبليس..
ففي المقطع نفسه، الذي قالَ فيه الله لشعبه، إنَّهُ سيطرد أعداءهم من أمامهم قليلاً قليلاً.. أكَّدَ لهم ﭐنتصارهم، إن فهموا عليه، وﭐنتظروه.. قالَ لهم:
لا تستطيعون أن تفنوهم سريعًا..
لكن في النهاية..
يدفعهم الرب إلهك أمامك، ويُوقع بهم ﭐضطرابًا عظيمًا حتى يفنوا، ويدفع ملوكهم إلى يدك فتمحو ﭐسمهم من تحت السماء، لا يقف إنسان في وجهك حتى تفنيهم..
نعم.. النهاية: نحن نفني كل أعدائنا..
إن تعلَّمت أن تصمد في وجه العدو، وتعلمتَ أن لا تكون مُتسرِّعًا، وكنتَ صاحب " نفس طويل "، فأنت ستربح الحرب بكل تأكيد، لأنَّ إبليس مهما كانَ قويًّا، ومهما كانَ صاحب خبرة طويلة في الحروب، وصاحب نفس طويل، فهوَ محدود وغبي بكل تأكيد..
إقرأ معي هذا الكلام المُعبِّر:
عندما مثلَ موسى أمام فرعون، لكي يُجري المعجزات التي أمرهُ بها الله، تُخبرنا الكلمة: أنَّ موسى حوَّل العصا إلى حيَّة، وكذلكَ فعلَ السحرة..
وعندما حوَّلَ موسى ماء النهر إلى دم، كذلكَ فعلَ السحرة..
وعندما أصعد الضفادع على أرض مصر، كذلكَ فعلَ السحرة..
لكـــن.. عندما أصعد موسى البعوض على أرض مصر.. تقول الكلمة:
" وكذلكَ حاولَ السحرة بسحرهم ليُخرجوا البعوض فأخفقوا، وكانَ البعوض مُنتشرًا على الناس والبهائم. فقالَ السحرة لفرعون: هوَ فعل الله... " (سفر الخروج 8 : 18 – 19).
من يصمد للنهاية يربح الحرب بكل تأكيد !!!
كما قلت لكَ إبليس محدود.. وعندما صمدَ موسى.. أخفقَ إبليس، ولم يتمكَّن السحرة من الاستمرار..
وهناكَ بعد أكثر.. لأنَّ إلهنا قادر أكثر جدًّا مما نطلب أو نتوقَّع، إن تعلمنا ﭐنتظاره، لكي يطرد أعداءَنا من أمامنا تدريجيًّا..
تقول الكلمة:
" فأخذا (موسى وهرون) رمادًا من الأتون، ووقفا أمام فرعون، ثُمَّ ذرَّاه موسى نحو السماء، فتحوَّلَ إلى دمامل مُتقيِّحة أصابت الناس والبهائم. ولم يستطع السحرة أن يُواجهوا موسى من جرَّاء الدمامل، لأنَّ الدمامل أصابت السحرة وكل المصريين أيضًا ".
(سفر الخروج 9 : 10 – 11).
ليسَ فقط محدودًا.. بل عاجز وسينهزم بكل تأكيد !!!
من محدودية وعدم قدرة على الاستمرار في وجه ضربات الله.. إلى عاجز ومُصاب بالأذى والهزيمة.. وذلكَ عندما نتعلَّم أن نسير خلف الله قليلاً قليلاً..
ونصمد حتى النهاية..
عندما ضرب الله أرض مصر بالبرد، فإنَّ الكتَّان والشعير تَلِفَا، لأنَّ الشعير كانَ قد أصبحَ سنابل، والكتَّان كانَ مُبزِرًا.. لكــن:
" ... الحنطة والقطَّاني فلم تتلف بعد، لأنَّها تنمو مُتأخِّرة " (سفر الخروج 9 : 31 – 32).
تأمُّل ذو مغزى روحي رمزي.. النمو المُتأخِّر للحنطة والقطاني، أنقذهما من البرد ومن التلف.. تعلَّم من هذا الكلام، أن تهدأ.. تصبر.. تصمد حتى النهاية، ولن يُصيبك مكروه، ولن تؤذى، بل على العكس ستنتصر بكل تأكيد..
لقد علَّمَ الرب شعبهُ في البرية، أن لا يتحركوا بسرعة وعلى هواهم.. فكانوا يرتحلون عندما يصعد عنهم عمود السحاب، وكانوا ينزلون عندما يحل عليهم عمود السحاب:
" حسب قول الرب، كان بنو إسرائيل يرتحلون، وحسب قول الرب كانوا ينزلون، جميع أيام حلول السحابة على المسكن كانوا ينزلون، وإذا تمادت السحابة على المسكن أيامًا كثيرة، كان بنو إسرائيل يحرسون حراسة الرب ولا يرتحلون، وإذا كانت السحابة أيامًا قليلة على المسكن، فحسب قول الرب كانوا ينزلون وحسب قول الرب كانوا يرتحلون، وإذا كانت السحابة من المساء إلى الصباح، ثم ﭐرتفعت السحابة في الصباح كانوا يرتحلون، أو يومًا وليلة ثم ﭐرتفعت السحابة كانوا يرتحلون، أو يومين أو شهرًا أو سنة، متى تمادت السحابة على المسكن حالّة عليه، كان بنو إسرائيل ينزلون ولا يرتحلون، ومتى ﭐرتفعت كانوا يرتحلون، حسب قول الرب كانوا ينزلون، وحسب قول الرب كانوا يرتحلون... " (سفر العدد 9 : 18 – 23).
يوم.. شهر.. وربمَّا سنة لا يتحركون فيها.. لا عجلة.. صمود حتَّى النهاية.. حسب قول الرب بالتحديد.. وهذا ما جعلهم يتغلبون على كل أعدائهم..
تأمَّل في هذا الكلام بدقَّة وبهدوء، ودع الروح القدس يغرسهُ في داخلك.. لأنَّ إبليس صاحب خبرة طويلة في محاربة المؤمنين في هذا المجال.. وهوَ يعرف نقاط ضعفنا في طول الانتظار والصمود حتَّى النهاية.. وغالبًا ما يهزمنا في هذا المجال، لكن ليسَ بعد الآن بٱسم الرب يسوع، فمتى أدركنا أنهُ محدود.. ومتى صمدنا وصبرنا وﭐنتظرنا الرب مهما طالَ الوقت، فسوف نُشاهد بأعيننا ﭐنكفاءَهُ وعجزه وهزيمته..
نعم.. من يصمد حتى النهاية هوَ من يربح الحرب..