بالرغم من التكنولوجيا المتطوِّرة التي تعتمدها الجيوش الكُبرى في حروبها، وبالرغم من دورها الكبير في حسم المعارك والحروب، يبقى العنصر البشري هوَ الأهم حول العالم في كل المعارك والحروب أيضًا، فهوَ من ﭐخترع أساسًا تلكَ الأسلحة وطوَّرها، وهوَ من يستخدمها، ولهُ وحدهُ في النهاية يعود حسم المعارك والحروب..
ولذلكَ تعمد كل الجيوش على ﭐختيار عناصرها بدقَّة متناهية، وتعمد إلى تدريبهم، وتزويدهم بالمعدات والعتاد، وتعنى عناية خاصة لجهة حمايتهم خلال المعارك لكي لا يُصاب أحد منهم أو يُقتل أو يمرض حتَّى، لكي لا يُصبح خارج حقل المعركة، وبالتالي لا يعود يُمكن ﭐستخدامهُ في تلكَ المعارك الدائرة..
وما ينطبق على الحروب العسكرية، ينبطق أيضًا على الحرب الروحية.. حربنا ضد إبليس.. ولهذا جاءَ هذا الكتاب، لكي يُقدِّم لكَ الإرشادات والنصائح العملية، لكي تبقى بصورة دائمة داخل حقل المعركة وليسَ خارجها، جاهزًا لخوض المعارك التي يقودك الرب إليها من خلال الكنيسة أو الخدمة التي تنتمي إليها، بكل عزم وقوة.. وهذا ما يؤكِّدهُ لنا الرسول بولس عندما يقول:
" كل الكتاب هوَ مُوحى بهِ من الله، ونافع للتعليم والتوبيخ، للتقويم والتأديب الذي في البر، لكي يكون إنسان الله كاملاً مُتأهِّبًا لكل عمل صالح " (رسالة تيموثاوس الثانية 3 : 16 – 17).
كل مواضيع هذا الكتاب إجمالاً، تدور حول كيف ينبغي أن نكون وأن نتصرَّف لكي يُحاربنا العدو ولا يقدر علينا، ولكي نحاربه ونهزمهُ بصورة دائمة.. وبالتالي أن لا يتمكن هذا العدو من إخراجنا من حقل المعركة قطعًا، وقد تناولنا أمورًا كثيرة تجعل المؤمن يخرج خارج حقل المعركة، لكن في هذا المقطع بالتحديد، سنُركِّز على موضوعين، شعرت بأنَّ الروح القدس يُريد إلقاء الضوء عليهما بطريقة مُفصَّلة ودقيقة..
أ - السائرون في المؤخِّرة:
إنَّهُ عنوان ذو صورة رمزية، أُريد من خلاله إيصال إعلان من الروح القدس للجميع..
وما أقصدهُ بالسائرين في المؤخرة، ليسوا الذين يكون موقعهم الطبيعي في هذا الموضع.. أي الذين يختارهم القائد ليكونوا في هذا الموقع.. بل ما أقصدهُ هنا، هُم الذين يتم تعيينهم في مواقع مُحدَّدة، لكنهم يتراجعون إلى مؤخرة الجيش، لا بل يُصبح بينهم وبين الجيش فاصل كبير، وهُم لا يقومون بذلكَ في أغلب الأحيان عن سابق تصوُّر وتصميم..
وهؤلاء المقاتلون السائرون في مؤخرة الجيش أو في مؤخرة الفرقة.. هُم الأكثر عرضة للإصابة من قبل الأعداء.. لأنهم خارج دائرة الحماية التي يوفرها لهم رفاقهم، قادتهم، أسلحة الدعم التي تحمي الفرقة ككل... إلخ.
وأغلب الأحيان، وبسبب بعدهم، لا تصلهم التوجيهات اللازمة التي تؤمِّن لهم الحماية، وخطط المعركة.. وبسبب تشرذمهم وبعدهم، يسهل على العدو أن يقتنصهم ويخطفهم ويقتلهم أو يُعطِّلهم.. وبالتالي يجعلهم خارج حقل المعركة..
من هُم هؤلاء الذين أتكلَّم عنهم؟
هم مقاتلون من النخبة، مُدرَّبون تدريبًا عالي المستوى.. يُتقنون شتَّى أنواع القتال.. يتمتعون بلياقة بدنية عالية، تؤهلهم لخوض كل أنواع المعارك..
لكن مشكلتهم الأساسية، أنهم عند شرح الدور الموكل إليهم والمهمة المطلوبة منهم شخصيًا، والمطلوبة من الفرقة التي يتبعون إليها.. من قبل قادتهم.. يكونون مُشتَّتي الذهن، مشغولين بأمور أُخرى.. أمور أكبر.. نظرًا للمستوى العالي الذي وصلوا إليه.. فلا يستمعون للتوجيهات الدقيقة التي تُعطى لهم عن طبيعة المهمة الخاصة بفرقتهم.. وبالتالي عند بدء المعركة، وبسبب عدم إلمامهم بكافة الأمور المحيطة بها، لا يتمكنون من المشاركة فيها بفعالية، وتراهم وكأنهم ﭐنفصلوا عن مجموعتهم وأصبحوا بعيدين عنها.. دون فعالية تُذكر، وعرضة للوقوع في قبضة الأعداء..
هؤلاء هُم على صعيد الحروب العسكرية..
فمن هُم على صعيد الحرب الروحية؟
هُم مؤمنون أُمناء جدًّا للرب.. مُدرَّبون تدريبًا عالي المستوى.. يُتقنون شتى أنواع الحروب الروحية التي تؤهلهم لخوض كل أنواع المعارك..
هُم مؤمنون لديهم ثقافة روحية عالية.. يقرأون كتبًا روحية لأعظم رجالات الله.. يُشاهدون برامجَ ذات مستوى روحي عالي.. يتمتعون بدرجة عالية من الإيمان.. يُشاركون في مؤتمرات روحية حول العالم تُكسبهم درجة عالية من الإيمان والاختبارات الروحية.. يُتابعون دورات روحية وتعليمية رائعة..
لكنّهم بعيدون كثيرًا عن رؤية الكنيسة أو الخدمة التي وضعهم الرب فيها.. أو الدور الذي أوكلهُ إليهم.. مشغولون بأمور كبيرة، وللأسف فهيَ قد تُصبح غالبًا كالسراب أو الوهم، بعيدة كل البعد عن ترجمتها على أرض الواقع..
سائرون في المؤخرة.. بينهم وبين الجماعة التي ينتمون إليها فاصل كبير.. لا تصلهم توجيهات قادتهم.. لا تصلهم توجيهات الله الخاصة والمُحدَّدة للجماعة التي ينتمون إليها.. لا يُتابعون أمور كنيستهم أو خدمتهم عن كثب، لكي يُدركوا توجيهات الله المستمرة لهذه الكنيسة أو هذه الخدمة.. فيفقدون سُبل الحماية الممنوحة لهذه الجماعة بالتحديد.. يفقدون الدعم الذي يوفره لهم رفاقهم.. يفقدون الرؤية الخاصة بجماعتهم.. وعند الحاجة إليهم تراهم بعيدين، لا يُمكن الوصول إليهم بسهولة.. وبالتالي مُتشرذمين، يسهل على العدو أن يقتنصهم ويخطفهم ويقتلهم، ويجعلهم مُعطَّلين خارج حقل المعركة..
لا تتوقَّف أبدًا عن تغذية نفسك بكل ما ذكرناه.. من قراءة كتب ومشاهدة برامج والمشاركة بمؤتمرات روحية... إلخ، فهذا مفيد كثيرًا لكَ..
لكن الخطورة تكمن.. عندما تعتبر أن هذا الغذاء الذي حصلت وتحصل عليه، هوَ غذاء دسم وعالي الجودة.. وهوَ يُغنيك عن الغذاء الذي توفره لكَ الجماعة التي وضعك الرب فيها، مُستخفًا بنوع هذا الغذاء وجودته، مُقارنًا إياه بالغذاء الذي تحصل عليه..
لأنَّ الله وضعك في وسط هذه الجماعة أو تلك لقصد مُعيَّن.. ومهما تناولت من غذاء خارجي ذي نوعية عالية، فهوَ لا ولن يُغنيك قطعًا عن الغذاء الذي يوفره لكَ الله من خلال جماعتك وقادتك.. وهوَ سمحَ أن تحصل على غذاء دسم وعالي الجودة، لكي تستخدمهُ في حقل معركتك الخاص بكَ وبجماعتك، وليسَ لكي يُبعدك عن رؤية من وضعك الرب في وسطهم.. فكن حذرًا.. وتغذَّى دومًا من غذاء جماعتك، كن قريبًا من إخوتك وقادتك، متواضع.. تستمع إلى أدق تفاصيل مُهمَّة الجماعة، وتُشارك فيها بفعالية، مُستخدمًا الغذاء الذي حصلت عليه لصالح هذه الرؤية وهذه الجماعة..
وقبل أن أختم هذا المقطع، أُريد أن أضع بينَ يديك مثالاً عمليًا عمَّا ذكرنا:
مؤمن لديه إيمان مرتفع، يقرأ كتبًا عن الإيمان، ويُشاهد برامج عن مؤتمرات جرت فيها آيات ومعجزات كبيرة.. وأصبحَ مشغولاً في أن يرى هذه الأمور تجري في كنيسته.. في بلده.. وهذا أمر رائع جميعنا نتمنى وننتظر حصوله..
لكن الرب.. وفي مطلع السنة يُعطي قادة كنيسته خطة خاصة لقيادة الجماعة خلال هذه السنة، بٱتجاه القداسة والتكريس والتنقِّي من الخطيئة مثلاً.. لأنَّ الرب ما زال يعمل في وسط هذه الجماعة، لكي يُعدّهُم إلى زمن المعجزات والعجائب فيما بعد..
وذلكَ المؤمن السائر في المؤخرة.. بعيد عن خطة الله لكنيسته لهذه السنة، يعمل بٱتجاه رؤية المعجزات والآيات تتحقق في كنيسته، لكن السنة تمضي ولا يتحقق شيء من ذلك، والنتيجة ستكون، إحباطًا وفشلاً، إلقاء اللوم على قادته وعلى إخوته، وربما ﭐتهامهم بعدم الإيمان.. وربما ينزوي على نفسه، ويتعطل عن العمل، ويُصبح خارج حقل المعركة..
لا تُهمل هذا الكلام قطعًا.. بل تأمل فيه بدقة متناهية وبعمق.. لكي تُدرك المغزى الروحي الذي يريد الروح القدس أن يوصله للجميع دون ﭐستثناء.. ولي ملء الثقة أنَّ الروح القدس سيُكلِّم كل واحد بعمق وبجدية.. لصالحك بالدرجة الأولى..
ولصالح الرؤية التي أعطاها الله للجماعة التي تنتمي إليها..
ب - الارتباطات الخطيرة !!!
تعمد مُعظم الجيوش في العالم، إلى عدم قبول ﭐنتساب أي فرد إلى الجيش، قبل فك ﭐرتباطه بمختلف المؤسسات الاجتماعية أو الدينية أو السياسية والحزبية...
كما تعمد إلى التقصِّي عن وضعه بالتفصيل، للتأكد من قيامه فعليًا بهذه الأمور وليسَ شكليًا فقط.. لأنَّ الجميع يعرف أنَّ الارتباطات تنقل للشخص المعني عادات وأفكار وتقاليد وممارسات الجهة المرتبط بها..
فإن كانَ الإنسان يُدرك خطورة الارتباطات السيئة فماذا عن الله برأيك؟
خصَّصَ الروح القدس صفحات كثيرة في الكتاب المُقدَّس لهذا الموضوع، نظرًا لأهميته، بدءًا من سفر التكوين أول أسفار الكتاب المُقدَّس..
فإبراهيم رجل الله العظيم، أدركَ تمامًا خطورة الارتباط بنساء لسْنَ من شعب الله، وﭐسمعهُ معي في آخر أيامه، ماذا أوصى عبدهُ:
" وشاخ إبراهيم وتقدَّمَ في الأيام، وباركَ الرب إبراهيم في كل شيء، وقال إبراهيم لعبده كبير بيته، المستولي على كل ما كان لهُ: ضع يدك تحت فخذي، فٱستحلفك بالرب إله السماء وإله الأرض أن لا تأخذ زوجة لابني من بنات الكنعانيين الذين أنا ساكن بينهم، بل إلى أرضي وإلى عشيرتي تذهب، وتأخذ زوجة لابني إسحاق، فقال لهُ العبد: ربما لا تشاء المرأة أن تتبعني إلى هذه الأرض، هل أرجع بٱبنك إلى الأرض التي خرجت منها، فقالَ لهُ إبراهيم: ﭐحترز من أن ترجع بٱبني إلى هناك، الرب إله السماء الذي أخذني من بيت أبي ومن أرض ميلادي، والذي كلمني، والذي أقسمَ لي قائلاً: لنسلك أُعطي هذه الأرض، هوَ يُرسل ملاكه أمامك، فتأخذ زوجة لابني من هناك، وإن لم تشأ المرأة أن تتبعك، تبرأت من حلفي هذا، أمَّا ﭐبني فلا ترجع به إلى هناك " (سفر التكوين 24 : 1 – 8).
تأمَّل معي كم كانَ هذا الموضوع هامًّا في نظر إبراهيم، حتَّى إنَّهُ كان يستحلف عبدًا لهُ قبل أن يموت بأن يفعل لهُ ذلكَ الأمر:
لا تأخذ زوجة لابني من بنات الكنعانيين الذين أنا ساكن بينهم.. بل تأخذها لهُ من أرضي ومن عشيرتي..
كانَ يُدرك خطورة ﭐرتباط شعب الله، بشعوب أخرى.. بشعوب غير مؤمنة..
ولذلكَ أيضًا حذَّرَ الله شعبه من خطورة هذا الموضوع في مواضع عدَّة:
" ﭐحترز من أن تقطع عهدًا مع سكان الأرض، فيزنون وراء آلهتهم، ويذبحون لآلهتهم فتُدعى وتأكل من ذبيحتهم، وتأخذ من بناتهم لبنيك، فتزني بناتهم وراء آلهتهنّ ويجعلن بنيك يزنون وراء آلهتهنّ " (سفر الخروج 34 : 15 – 16).
" متى أتى بك الرب إلهك إلى الأرض التي أنتَ داخل إليها لتمتلكها، وطرد شعوبًا كثيرة من أمامك، الحثيين والجرجاشيين والأموريين والكنعانيين والفرزيين والحوّيين واليبوسيين، سبع شعوب أكثر وأعظم منك، ودفعهم الرب إلهك أمامك وضربتهم فإنَّكَ تُحرِّمهم، لا تقطع لهم عهدًا ولا تُشفق عليهم، ولا تُصاهرهم، بنتك لا تُعطي لابنه، وبنته لا تأخذ لابنك، لأنَّهُ يرد ﭐبنك من ورائي فيعبد آلهة أُخرى، فيحمى غضب الرب عليكم ويُهلككم سريعا " (سفر التثنية 7 : 1 – 4).
لكن الشعب لم يُطع تحذيرات الله، وإليكَ النتيجة:
" فسكن بنو إسرائيل في وسط الكنعانيين والحثّيين والأموريين والفرزيين والحوّيين واليبوسيين، وﭐتخذوا بناتهم لأنفسهم نساء وأعطوا بناتهم لبنيهم وعبدوا آلهتهم، فعمل بنو إسرائيل الشر في عيني الرب، ونسوا الرب إلههم وعبدوا البعليم والسواري ".
(سفر القضاة 3 : 5 – 7).
نسوا إلههم وعبدوا البعليم والسواري.. هذه هيَ النتيجة..
وعلى مر العصور.. وعند مخالفة هذه الوصية.. النتيجة كانت نسيان الله وعبادة البعل..
هكذا حصل للشعب عندما زنوا مع بنات موآب، تعلَّقَ قلبهم بآلهتهنَّ.. ببعل فغور.. وهكذا حصل مع الملك سليمان.. فعبد آلهة غريبة.. وهكذا حصلَ مع أخآب عندما تزوَّجَ بإيزابل... إلخ.
ولم تقف الأمور عند حد الأذى الشخصي لمن يقوم بهذا الأمر.. بل عمل كهذا، تمتد نتائجه إلى الشعب كلّه.. ومن ثمَّ إلى أجيال..
يؤذي أجيالاً.. أو يجلب نتائج تتأثَّر فيها الأجيال القادمة..
لم يستمع عيسو شقيق يعقوب إلى تحذيرات أمّه وأبيه في ما خصَّ هذا الموضوع، فتزوَّجَ عندما بلغَ الأربعين من العمر، ﭐمرأتين من الحثِّيين الذين أنهاهم الرب عن الارتباط بهم، والنتيجة كانت:
" ولمَّا كانَ عيسو ﭐبن أربعين سنة، ﭐتخذَ زوجة يهوديت ﭐبنة بيري الحثّي، وبسمة ﭐبنة إيلون الحثِّي، فكانتا مرارة نفس لإسحاق ورفقة " (سفر التكوين 26 : 34 – 35).
وهناك أكثر بعد..
فقد تزوَّجَ عيسو ﭐمرأة تُدعى " عدا " الكنعانية، فأنجبت لهُ " أليفاز " الذي تزوَّجَ من ساريته، وأنجبَ منها " عماليق " ألد أعداء شعب الله، ولو تأملت بأسفار العهد القديم لأدركتَ كم قاومَ العماليقيون شعب الله، ولأدركت أن ﭐرتباط كهذا أثَّرَ على أجيال كثيرة وليسَ فقط على الشخص المعني فقط !!!
وجاءَ العهد الجديد، لكي يُحذِّرنا من الموضوع نفسه، فقالَ لنا الرسول بولس:
" لا تكونوا تحت نير مع غير المؤمنين، لأنَّهُ أيَّة خلطة للبر والإثم، وأيَّة شركة للنور مع الظلمة، وأي ﭐتفاق للمسيح مع بليعال، وأي نصيب للمؤمن مع غير المؤمن، وأيَّة موافقة لهيكل الله مع الأوثان، فإنكم أنتم هيكل الله الحي كما قال الله، أنِّي سأسكن فيهم وأسير بينهم، وأكون لهم إلهًا وهم يكونون لي شعبًا، لذلك ﭐخرجوا من وسطهم وﭐعتزلوا يقول الرب... " (رسالة كورنثوس الثانية 6 : 14 – 17).
كل أنواع الارتباطات ممنوعة بين المؤمنين وغير المؤمنين..
ﭐرتباط الزواج بالدرجة الأولى.. لأنَّ الإثنين يُصبحان جسدًا واحدًا !!!
ﭐرتباط العمل.. ﭐرتباط المصير مهما كان نوعه..
لا شركة ولا نيرًا واحدًا بين المؤمن وغير المؤمن..
ولا يُحاولَّنَ أحد ما أن يتلاعب في هذا الكلام.. ويدَّعي أن هذا الشخص أو ذاك يتمتع بأخلاق حسنة.. يخاف الله.. لا يؤذي أحدًا.. لا يؤذي نملة...
هذا الكلام لا نفع لهُ مع كلمة الله التي تفصل بين الأمور..
وقد سبق وحدَّدنا في فصول سابقة، من هوَ المؤمن ومن هوَ غير المؤمن.. ولا يوجد ثالث.. ولا يوجد لون رمادي..
إمَّا تكون ﭐبنًا لله.. وإمَّا تكون ﭐبنًا للشيطان.. وقد شرحنا هذا الموضوع بالتفصيل.. ولا توجد بُنوَّة أُخرى.. ولا ألقاب وتلطيفات بشرية..
ولا يدَّعي أحد كما ﭐدعى البعض أيام الرسول بولس، ويقول:
" أنا أُحب هذا الشاب أو هذه الفتاة، وأنا بعلاقتي معهُ أو معها يُمكنني أن أقودها إلى الإيمان وثمَّ أرتبط بها ".
هذا كلام من صنع حكمة بشرية، لا قيمة لهُ في نظر الله، وهذا كلام من إيحاء الشيطان لكي يُوقع أولاد الله في هذا الفخ الخطير، وبولس يقول لهؤلاء:
" لأنَّهُ كيف تعلمين أيتها المرأة هل تُخلِّصين الرجل؟ أو كيف تعلم أيها الرجل هل تُخلِّص المرأة؟ " (رسالة كورنثوس الأولى 7 : 16).
نعم كيف تعلم أو كيفَ تعلمين؟
وسؤال لا بد أن نطرحه، ونُجيب عليه لكي تتضح الصورة أكثر..
لماذا يمنعنا الله عن الارتباط مع غير المؤمنين؟
إضافة لما ذكرناه، والنتائج التي رأيناها عن هكذا ﭐرتباطات، نُدرج هذا الكلام الذي قالهُ أيضًا الرسول بولس:
" لا تضلُّوا، فإنَّ المُعاشرات الرديَّة تُفسد الأخلاق الجيِّدة " (رسالة كورنثوس الأولى 15 : 33).
قالَ بولس: لا تضلُّوا..
لكي لا يعتقد أحد أنَّهُ يمكنه أن يفعل عكس ما يقول بولس، مُعتقدًا أنَّهُ من خلال معاشرتهِ وﭐرتباطه بغير المؤمنين سيقوم بإصلاحهم..
فعندما تضع تفاحة مُهترئة بين عشر تفاحات جيِّدة، فالتفاحات الجيدة ستُصبح رديئة وتهترئ.. وليسَ العكس أبدًا.. فلنكن حذرين !!!
والحل، أن لا ترتبط أبدًا.. بل أن تعتزل عنهم، ولهذا ردَّدَ بولس ما قالهُ الله لشعبه قديمًا:
" لذلك ﭐخرجوا من وسطهم وﭐعتزلوا يقول الرب... ".
وذلكَ ما فعلهُ عزرا سابقًا بعدما ﭐرتبط شعب الله بنساء غريبات.. وذلكَ ما فعلهُ نحميا أيضًا:
" ولمَّا كملت هذه تقدَّمَ إليَّ الرؤساء قائلين: لم ينفصل شعب إسرائيل والكهنة واللاويون من شعوب الأراضي حسب رجاساتهم من الكنعانيين والحثّيين والفرزيين واليبوسيين والعمونيين والموآبيين والمصريين والأموريين، لأنَّهم ﭐتخذوا من بناتهم لأنفسهم ولبنيهم، وﭐختلط الزرع المُقدَّس بشعوب الأراضي، وكانت يد الرؤساء والولاة في هذه الخيانة أولاً... فقامَ عزرا الكاهن وقال لهم: إنكم قد خنتم وﭐتخذتم نساء غريبة لتزيدوا على إثم إسرائيل، فٱعترفوا الآن للرب إله آبائكم، وﭐعملوا مرضاته، وﭐنفصلوا عن شعوب الأرض وعن النساء الغريبة " (سفر عزرا 9 : 1 – 2، 10 : 10 – 11).
لاحظ معي دقَّة الوحي.. ﭐختلطَ الزرع المقدس بشعوب الأرض..
نعم نحن زرع مقدس.. زرع الله.. أولاد الله..
ولا ينبغي علينا أبدًا أن نرتبط أو أن نختلط بأي شعب.. بل بأولاد الله فقط..
وقد ﭐعتبر عزرا تلكَ الارتباطات خيانة للرب..
والقرار كان واحدًا فقط: ﭐنفصلوا عن شعوب الأرض وعن النساء الغريبة..
1 - إبراهيم..
قالَ لهُ الله:
إذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أُريك، فأجعلك أُمَّة عظيمة، وأُباركك وأُعظِّم ﭐسمك وتكون بركة، وأُبارك مُباركيك ولاعنك ألعنه، وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض، فذهبَ أبرام كما قالَ لهُ الرب وذهب معه لوط... ".
(سفر التكوين 12 : 1 – 4).
الله طلبَ من إبراهيم أن يترك بيت أبيه وعشيرته.. لكنَّ إبراهيم ربط مصيره بمصير لوط، وذلكَ كانَ خطأً كبيرًا..
فحصلت مشاكل فيما بعد.. ولم يُنفِّذ الله وعدهُ لإبراهيم إلاَّ بعد أن فكَّ ﭐرتباطه بلوط:
" وقال الرب لإبرام بعد ﭐعتزال لوط عنه، إرفع عينيك وﭐنظر من الموضع الذي أنتَ فيه شمالاً وجنوبًا وشرقًا وغربًا، لأنَّ جميع الأرض التي أنتَ ترى، لكَ أُعطيها ولنسلك إلى الأبد، وأجعل نسلك كتراب الأرض، حتى إذا ﭐستطاع أحد أن يُعد تراب الأرض، فنسلك أيضًا يُعدّ " (سفر التكوين 13 : 14 – 16).
بعد ﭐعتزال لوط.. بعد فك الارتباط مع لوط.. أُطلقت وعود الله لأبرام..
2 - يهوشافاط..
يهوشافاط وقعَ في هذا الفخ أيضًا، وٱرتبطَ مع أشر ملوك إسرائيل.. الملك أخآب، وقالَ لهُ عندما دعاه لمشاركته في الحرب:
" ... فقال يهوشافاط لملك إسرائيل مثلي مثلك، شعبي كشعبك وخيلي كخيلك ".
(سفر الملوك الأول 22 : 4).
والنتيجة كانت خسارة الحرب بكل تأكيد.. ولولا نعمة الرب ورحمته، لكان يهوشافاط قد قُتِل من قِبَل الأعداء في تلكَ المعركة !!!
وكما ﭐرتبطَ يهوشافاط في الحرب مع أخآب، ﭐرتبطَ أيضًا مع أخزيا ملك إسرائيل الشرير في التجارة والنتيجة كانت التالية:
" ثمَّ بعد ذلكَ ﭐتحدَ يهوشافاط ملك يهوذا، مع أخزيا ملك إسرائيل الذي أساءَ في عمله، فٱتحدَ معهُ في عمل سفن تسير إلى ترشيش، فعملا السفن في عصيون جابر، وتنبأ أليعزر بن دوداواهو من مريشة على يهوشافاط قائلاً: لأنك ﭐتحدتَ مع أخزيا، قد ﭐقتحمَ الرب أعمالك، فتكسَّرت السفن، ولم تستطع السير إلى ترشيش ".
(سفر أخبار الأيام الثاني 20 : 35 – 37).
وذهبَ يهوشافاط إلى أبعد من ذلكَ.. إذ زوَّجَ ﭐبنهُ يهورام لابنة أخآب، والنتيجة أيضًا كانت التالية:
" وﭐضطجع يهوشافاط مع آبائه، فدُفِنَ مع آبائه في مدينة داود، وملكَ يهورام ﭐبنه عوضًا عنه... فقام يهورام على مملكة أبيه وتشدَّد وقتلَ جميع إخوته بالسيف، وأيضًا بعضًا من رؤساء إسرائيل، كانَ يهورام ﭐبن إثنتين وثلاثين سنة، حين ملكَ وملكَ ثماني سنين في أورشليم، وسارَ في طريق ملوك إسرائيل كما فعل بيت أخآب لأنَّ بنت أخآب كانت لهُ ﭐمرأة، وعمل الشر في عيني الرب " (سفر أخبار الأيام الثاني 21 : 1 – 6).
قتلَ إخوته.. وسارَ في طريق ملوك إسرائيل الشريرة..
والسبب واحد: لأنَّ بنت أخآب كانت ﭐمرأته..
لا يوجد أوضح من كلمة الرب في تحديد مكامن الخطر والشر..
أحبائي: ما أخطر الارتباطات التي ليست من الله، في كل المجالات..
الزواج.. الحرب.. التجارة.. العمل.. العِشرة... إلخ.
إنها أفخاخ خطيرة للعدو.. لكي يُخرِج بواسطتها أولاد الله المؤمنين من حقل المعركة.. وليسَ أي خروج.. بل قد يكون خروجًا دائمًا.. فلنتعلَّم من كلمة الله وتحذيراته لنا..
ولنطلب من الروح القدس أن يقودنا ويحمينا من هذه الارتباطات.. ولنكن مُلتصقين بكلمة الرب، ولنعطها السلطان المُطلق على حياتنا، لكي تفصل في كل أمور حياتنا..
وفي هذا الأمر الخطير بالتحديد..
نعم.. قد لا يكون خروجًا من حقل المعركة فقط.. بل أكثر..
قد يكون ﭐنتقالاً من معسكر الرب إلى معسكر الأعداء !!!
عيسو أنجب العماليقيين.. ألد أعداء الرب..
سليمان عبدَ عشتاروت وآلهة أُخرى غريبة..
وأخآب جلب إلى شعب الرب.. إيزابل قاتلة الأنبياء.. ومُغوية القادة والشعب..