لا تسترضِ العدو
     
 

إجمالاً.. تعمد الجيوش التي تخسر معركة أو بقعة أرض، إلى ﭐتباع خطة من ﭐثنتين:
1 – شن هجوم مُعاكس لاسترداد البقعة التي خسروها..
2 – أو مفاوضة القوى المُهاجمة، بغية عقد صلح أو معاهدة معها، للحيلولة دون خسارة أراضٍ جديدة..

وهذان الأمران يقوم بهما إبليس أيضًا في حربه معنا..

فعندما أدركَ فرعون أن الشعب، أصبح على وشك الخروج من أرض مصر، قسَّى عليهم القيود والعمل، وسخَّرهم بطريقة قاسية، وزاد من عملهم ليُثنيهم عن مبتغاهم، وعندما لم ينجح، بدأَ يفاوضهم، لكي لا يخرجوا جميعهم.. لكنهُ وأمام إصرار موسى، الذي أبلغهُ أنهُ لن يترك ظلف حيوان واحد في أرض مصر.. ﭐضطرَ فرعون أخيرًا إلى إطلاق الشعب كلّه مع مواشيه أيضًا.. ولكنهُ لم يستسلم بسهولة، فعادَ وتبع الشعب بجيشه ومركباته، إلى أن أجرى الرب مُعجزة شق البحر الأحمر، الذي عادَ وأغرقَ فيه فرعون وكل جيشه..

والطريقتان المُعتادتان اللتان يتبعهما إبليس معنا هما:
أ – التهديد
ب - والمساومة.

1 - الملك يهوآش:
إنَّهُ الملك الذي عايشَ يهوياداع الكاهن الأمين للرب..
إنَّهُ الملك الذي تقول الكلمة عنهُ: أنَّهُ عمل ما هوَ مستقيم في عيني الرب.. وفي أيامه خُلِعَت الملكة الشريرة " عثليا " عن عرشها وقُتلت.. وفي أيامه أيضًا رُمِّمَ بيت الرب..

لكن عندما هاجمهُ حزائيل ملك أرام، وﭐستولى على مدينة " جت "، ثُمَّ توجَّهَ لمهاجمة أورشليم وإسقاطها..

خاف الملك يهوآش.. وساومَ مع العدو المُهاجم، وتقول الكلمة:
" فأخذَ يهوآش ملك يهوذا جميع الأقداس التي قدَّسها يهوشافاط ويهورام وأخزيا آباؤه ملوك يهوذا، وأقداسه وكل الذهب الموجود في خزائن بيت الرب وبيت الملك، وأرسلها إلى حزَّائيل ملك أرام، فصعد عن أورشليم " (سفر الملوك الثاني 12 : 18).

وهنا أريد أن ألفت نظرك إلى أمر هام للغاية.. لا تعتقد أن المساومة مع العدو ستُنجِّيك منهُ.. فعندما تُساوم مُعتقدًا أنَّهُ سيتوقَّف عن مهاجمتك، فأنتَ تفتح لهُ بابًا خطيرًا في حياتك أو في خدمتك، لأنَّهُ سيعود بعدها لكي يُدمِّرك إلى التمام..
وهذا ما حصل مع يهوآش الملك..

لأنَّ القصة لم تنتهِ هنا.. فسفر أخبار الأيام الثاني، يُلقي لنا الضوء على ما حصلَ بالضبط معهُ، عندما يقول:
" وفي مدار السنة، صعد عليه جيش أرام وأتوا إلى يهوذا وأورشليم، وأفنوا قادة الشعب، وأرسلوا ما ﭐستولوا عليه من غنائم إلى ملك دمشق " (سفر أخبار الأيام الثاني 24 : 23).

2 - الملك آسا:
ملك آخر تقول الكلمة عنهُ، أنَّهُ عملَ ما هوَ مستقيم في عيني الرب كداود أبيه..
وتقول أيضًا: أنَّهُ أزالَ المذابح الغريبة والمرتفعات وحطَّمَ الأوثان، وقطَّعَ سواري عشتاروت، وﭐستأصلَ من كل مدن يهوذا المرتفعات وتماثيل عبادة الشمس، فٱستراحت المملكة في عهده..

وعندما هاجمهُ أعداؤه نجحَ مرَّة.. لكنهُ في المرة الثانية أخفقَ.. فلنتعلَّم..
المرَّة الأولى.. هجمَ عليه زارح الكوشي بجيش مؤلف من مليون مُحارب.. فتضرَّع آسا إلى الرب قائلاً لهُ: أيها الرب، لا فرقَ عندك أن تُساعد جيشًا قويًّا أو جيشًا ضعيفًا، فأعنَّا أيها الرب إلهنا لأننا عليكَ ﭐتكلنا، وبٱسمكَ جئنا لنُحارب هذا الجيش... فقضى الرب على الكوشيين أمام آسا وجيش يهوذا، ففرَّ الكوشيون، وتعقَّبهم آسا والجيش إلى جرار، فقتلَ الكوشيين، فلم يفلت منهم أحد، لأنهم ﭐنهزموا أمام الرب، وأمام جيشه...
(سفر أخبار الأيام الثاني 14 : 9 – 13).

وبعد تلكَ المعركة، أكمل آسا إصلاحاته.. وكانَ أمينًا للرب..
لكنَّ عندما هاجمهُ بعشا ملك إسرائيل.. أخفقَ هذه المرَّة في الصمود، وساوم مع أعدائه:
" في السنة السادسة والثلاثين لمُلك آسا، صعد بعشا ملك إسرائيل على يهوذا وبنى الرامة لكيلا يدع أحدًا يخرج أو يدخل إلى آسا ملك يهوذا، وأخرج آسا فضة وذهبًا من خزائن بيت الرب وبيت الملك، وأرسلَ إلى بنهدد ملك أرام الساكن في دمشق قائلاً: إنَّ بيني وبينك وبين أبي وأبيك عهدًا، هوَّذا قد أرسلتُ لك فضة وذهبًا، فتعال ﭐنقض عهدك مع بعشا ملك إسرائيل فيصعد عني، فسمع بنهدد للملك آسا، وأرسلَ رؤساء الجيوش التي له على مدن إسرائيل، فضربوا عيون ودان وآبل المياه وجميع مخازن مدن نفتالي، فلمَّا سمع بعشا، كفَّ عن بناء الرامة وترك عمله، فأخذَ آسا الملك كل يهوذا فحملوا حجارة الرامة وأخشابها التي بنى بها بعشا، وبنى بها جبع والمصفاة، وفي ذلك الزمان جاءَ حناني الرائي إلى آسا ملك يهوذا وقال لهُ: من أجل أنكَ ﭐستندت على ملك أرام، ولم تستند على الرب إلهك، لذلك قد نجا جيش ملك أرام من يدك، ألم يكن الكوشيون واللوبيون جيشًا كثيرًا بمركبات وفرسان كثيرة جدًّا؟ فمن أجل أنَّكَ ﭐستندت على الرب دفعهم ليدك، لأنَّ عيني الرب تجولان في كل الأرض، ليُقوِّي ذوي القلوب الخالصة لهُ، أمَّا أنت فقد تصرفت بحماقة في هذا الأمر، لهذا تثور ضدَّك حروب ".
(سفر أخبار الأيام الثاني 16 : 1 – 9).  

أحبائي: فليشن إبليس حروبًا علينا بقدر ما يشاء.. فطالما أنَّ قلبك مُخلص للرب، فهوَ سيُحارب عنكَ في كل مرَّة وسيهزم الأعداء أمامك، لا بل في كل مرَّة، سيستخدم هذه الحروب وهذه الانتصارات، لكي يزيدك قوةً وإيمانًا، حتَّى تتمكَّن من خوض حروب أكبر وأشرس.. فلا تخف.. ولا تُساوم.. ولا تسترضِ العدو.. ولا تلجأ إلى حيل وطرق بشرية.. بل تقوَّى بالرب وتشدَّد، وسوف ترى هزيمة أعدائِك على الدوام..
ليسَ المطلوب أن نكون أمناء مرَّة واحدة أو أن نغلب ونصمد مرَّة واحدة.. ولا أمناء وغالبين لفترة مُحدَّدة فقط.. بل أُمناء وغالبين على الدوام:
قالَ الرب في سفر الرؤيا:
" ... كُن أمينًا إلى الموت، فسأُعطيك إكليل الحياة... ومن يغلب ويحفظ أعمالي إلى النهاية، فسأُعطيه سلطانًا على الأمم " (سفر الرؤيا 2 : 10 – 26).

أمانة إلى الموت.. وغلبة إلى النهاية !!!

ومن أجل ذلك أيضًا، نبَّهنا بولس الرسول قائلاً:
" من أجل ذلك، ﭐحملوا سلاح الله الكامل، لكي تقدروا أن تُقاوموا في اليوم الشرير، وبعد أن تُتمِّموا كل شيء، أن تثبتوا " (رسالة أفسس 6 : 13).

المُقاومة والربح في اليوم الشرير، في المعارك التي يشنّها إبليس علينا، أو التي نشنَّها نحن على إبليس.. هام للغاية.. لكن الأهم.. أن نُحافظ على هذا الانتصار..
أي بعد أن نُتمِّم كل شيء.. أن نثبت ضد الهجمات المعاكسة..
إن كانت تهديدًا أو مساومةً !!!

3 - نحميا:
رجل مُميَّز من رجالات الله.. جاءَ من السبي لكي يبني أسوار أورشليم المُنهدمة..
وعندما سمعَ أعداؤه أن الأسوار قد رُمِّمت، والثغرات قد سُدَّت، ﭐحتدمَ غضبهم.. وتآمروا على مهاجمة أورشليم..
حرب تهديد يشنها الأعداء عليه..
لكن نحميا لم يقع في أخطاء الملكين اللذين تأملنا بما حصل معهما..
لم يخف.. بل لجأَ إلى الرب وتضرَّعَ إليه، وأقامَ حرَّاسًا نهارًا وليلاً.. وأكملَ بناء السور..
فشلَ أعداؤه في التهديد.. فٱنتقلوا إلى المساومة والحيلة:
" وعندما سمعَ سنبلط وطوبيا وجشم العربي وسائر أعدائنا أنِّي قد ﭐستكملت بناء السور، ولم تبقَ فيه ثغرة، وإن لم أكن حتَّى هذا الوقت قد نصبت مصاريع الأبواب، أرسلَ إليَّ سنبلط وجشم قائلين: تعالَ لنجتمع معًا في إحدى قرى سهل أونو، وكانا يُريدان أن يُوقعا بي الأذى. فبعثتُ إليهما رسلاً قائلاً: أنا مُنهمك في القيام بعمل عظيم، فلا أستطيع الحضـور إليكما... وأرسلا إليَّ يستدعيانني للحضور أربع مرَّات، فكنتُ أردُّ بنفس الجواب " (سفر نحميا 6 : 1 – 4).  

لا مساومة.. ولا لقاءات.. ولا مفاوضات مع العدو.. بل إصرار على إكمال العمل، والاتكال الكامل على الله..
أحبائي: عندما يرى إبليس أنَّكَ تنجح في سيرك مع الرب، إن كانَ على الصعيد الشخصي، أو إن كان على صعيد خدمتك وربح النفوس، وﭐسترداد الأراضي المسلوبة، وعندما تبدأ بالانتصار عليه، في مواقع عدَّة، فهوَ سيفعل معك كما فعلَ الأعداء مع رجالات الله الذين سبقونا.. سيشن عليك هجومًا مُعاكسًا لكي يسترد ما ربحتهُ أنت وما خسرهُ هوَ، وسيشن هذا الهجوم بالطريقتين المعهودتين، التهديد والمُساومة..

ولو سألنا أنفسنا الآن.. من هُم الذين شنَّ إبليس هجماته المُعاكسة عليهم؟
لأدركنا أنَّهُ هاجم.. ويُهاجم.. وسيُهاجم بنوع خاص المُقاتلين الحقيقيين في جيش الرب..
القادة.. الخدَّام.. أصحاب المواهب.. الذين يقاتلون بشراسة وبأمانة، كونهم يُشكِّلون الخطر الحقيقي على ممكلة الظلمة..
لذا كُنْ حذرًا ومُتنبِّهًا ومُدقِّقًا، ولا تسمح لعينيك أن تغفلا ولو للحظة واحدة عن تحركات العدو، ولا تقل لقد أصبحت على مستوى روحي عالٍ، يصعب على الشيطان أن يخدعني أو أن يهزمني أو أن يجعلني أُساوم، بل على العكس تمامًا، فهذا المستوى هوَ السبب الرئيسي لمهاجمة وخداع إبليس لكَ.. ومُحاولة إيقاعك في دائرة المساومات.. فهوَ لن يُركِّز هجماته على المؤمنين الذين لا يُشكِّلون خطرًا حقيقيًّا عليه، بل عليك أنت بالتحديد..
وكم من قادة وخدَّام ومؤمنين مُكرَّسين وأمناء، سقطوا من مواقع متقدِّمة بسبب خداع العدو، وبسبب عدم تنبُّههم لمكره ولخططه..
والذي يحميك، هوَ أن تتَّضع تحتَ يدي الرب، وتُدرك في قرارة نفسك أنَّكَ مُستهدف، ويُمكن أن تقع من أي موقع وإن كانَ عاليًا، وتتعلَّم كيفَ تكون مُتنبِّهًا على الدوام وتحمي نفسك بٱستمرار !!!

لا تخف.. ولا تُساوم.. ولا تسترضِ العدو أبدًا.. بل تمسَّك بإلهك.. وتابع تقدُّمك..
وذكِّرهُ، بما صنع الرب مع شعبه على يد موسى، وما صنعهُ بفرعون وجيشه..
ذكَّرهُ بهزيمة اللوبيين والكوشيين عندما هاجموا الملك آسا..
ذكِّرهُ بالجمهور الكبير الذي هاجم الملك يهوشافاط وما حلَّ بهم..
ذكِّره بهزيمة جيش الأشوريين عندما هاجموا الملك حزقيا..
ذكِّرهُ بهزيمة جيش المديانيين على يد جدعون وثلاثمئة من رجاله فقط..
ذكِّرهُ بهزيمة الملوك الخمسة أمام يشوع وجيشه..
ذكِّرهُ بأنهُ عدو مهزوم، ومسحوق الرأس ومُجرَّد من قوته وسلطانه عليك..
ذكِّرهُ بأنَّ الرب أعطاك السلطان لكي تدوس عليه وعلى كل قوته، ولا يضرك شيء..

وقل لهُ: لن أخاف ولن أتراجع.. ولن أعود قبل أن أفني جميع أعدائي..
ولن أُساوم.. ولن أُبقي ظلفًا في أرضك، ولن أُبقي لكَ ظلفًا في أرضي..
وثق أنَّ الرب، سيُعطيك الإيمان والقوة لكي تقهر ممالك.. وسيُعطيك أقدام الآيائل لكي تطأ المرتفعات التي قد تُواجهك..
دواد ﭐختبرَ كل ما أقولهُ لكَ.. فقال:
" فمن هوَ إلهٌ غير الرب؟ ومن هوَ صخرة سوى إلهنا؟ يشدني الله بحزام من القوة، ويجعل طريقي كاملاً، يُثبِّت قدميَّ كأقدام الآيائل ويُصعدني على مرتفعاتي الوعرة. يُدرِّب يديَّ على فن الحرب، فتشدُّ ذراعاي قوسًا من نحاس... وسَّعتَ طريقي تحت قدميَّ، فلم تتقلقل عقبايَ، أُطارد أعدائي فأُدركهم، ولا أرجع حتَّى أُبيدهم. أسحقهم فلا يستطيعون النهوض. يسقطون تحتَ قدميَّ " (المزمور 18 : 31 – 38).

 
 
   
عودة إلى الفصل الخامس