مبدأ هام للغاية في الحروب العسكرية..
فعندما تحتل دولة ما، مدينة أو دولة أُخرى، وتُسقِط الحكم فيها.. ينبغي على الدولة التي دخلت تلكَ المنطقة، أن تُقيم سلطة بديلة عن التي كانت موجودة سابقًا، لتستلم زمام الأمور، تلافيًا للفوضى والشغب، وتثبيتًا للسلطة الجديدة..
وكما يصح هذا المبدأ في الحروب العسكرية، فهوَ يصح أيضًا في الحروب الروحية..
قال الرب عندما كان على أرضنا هذا الكلام الثمين والمُعبِّر:
" إذا خرجَ الروح النجس من الإنسان، يجتاز في أماكن ليس فيها ماء، يطلب راحة ولا يجد، ثُمَّ يقول: أرجع الى بيتي الذي خرجت منه، فيأتي ويجده فارغًا مكنوسًا مُزيَّنًا، ثُمَّ يذهب ويأخذ معهُ سبعة أرواح أُخر أشر منهُ، فتدخل وتسكن هناك، فتصير أواخر ذلك الإنسان أشر من أوائله، هكذا يكون أيضًا لهذا الجيل الشرير ".
(إنجيل متى 12 : 43 – 45).
لا تترك البيت مكنوسًا !!!
لقد دُعينا لكي نكرز بالإنجيل للخليقة كلّها.. وقد تعلَّمنا حتَّى الآن خططًا وﭐستراتيجياتٍ كثيرة للحرب ضد العدو، لكي نسترد الأراضي المسلوبة..
كما تعلَّمنا ماذا نفعل قبلَ أن ندخل مدن ومناطق لكي نكرز فيها..
والآن.. ونحنُ ندخل إلى منطقة معيَّنة.. نُقيِّد فيها الرياسات والسلاطين التي كانت تتحكَّم فيها وتملك عليها، فنطردها منها، ونُطلق الأسرى، ونكرز بالإنجيل ونربح النفوس..
لا ينبغي علينا قطعًا، وبعدَ أن نُنجز العمل، أن نُدير ظهرنا ونمضي..
تاركين تلكَ المنطقة مكنوسة وفارغة..
لأنَّ إبليس عدو شرير وحقود ومُتكبِّر.. وكما تعلَّمنا، فهوَ لن يستسلم بسهولة ولن يعترف بهزيمته بسهولة.. وهوَ خبير في الهجمات المُعاكسة.. ويعرف ما يُمكنها أن تُحقِّق لهُ..
تأمل معي بدقَّة في الكلام الذي قالهُ الرب:
الروح الشرير وبعدما يخرج، يقول: أرجع إلى بيتي !!!
بالرغم من طرده.. فهوَ لا يزال يعتبر أنَّ ذلكَ المكان هوَ بيته.. وليسَ بيتك أنت..
إبليس يعرف أنَّهُ رئيس هذا العالم.. ويعتبر هذا العالم مُلكًا لهُ.. ويعتبرك أنتَ الغريب وليسَ هوَ.. ولذلكَ فهو لن يتخلَّى عمَّا يعتبرهُ مُلكًا لهُ بسهولة..
وعندما يعود ويرى أنَّ تلكَ المنطقة التي طردتهُ منها ما زالت فارغة ومكنوسة..
فهوَ سيُرسل أرواحًا إضافية أشر من التي كانت تُسيطر عليها سابقًا.. لأنَّهُ حقود وغاضب لما فعلتهُ بهِ.. وسيُحاول إحكام سيطرتهُ من جديد بقوى أكبر وأشر، لكي لا تنجح في المرة القادمة بطرده..
إنَّهُ يتعلَّم من أخطائه.. أكثر ممَّا نتعلَّم نحن.. للأسف !!!
داود الملك، كانَ يُدرك هذا المبدأ الذي نتكلَّم عنهُ، فتعالَ نتعلَّم منهُ:
" وبعد ذلك ضرب داود الفلسطينيين وذلَّلهم، وأخذَ داود زمام القصبة من يد الفلسطينيين، وضرب الموآبيين وقاسهم بالحبل، أضجعهم على الأرض فقاس بحبلين للقتل، وبحبل كامل للاستحياء، وصار الموآبيون عبيدًا لداود يُقدِّمون هدايا، وحينَ حاولَ هدد بن رحوب، ملك صوبة أن يسترد سلطتهُ على أعالي نهر الفرات هزمهُ داود، وأسرَ من جيشه ألفًا وسبع مئة فارس وعشرين ألف راجل، وعرقب داود جميع خيل المركبات وأبقى منها مئة مركبة، فجاءَ أرام دمشق لنجدة هدد عزر ملك صوبة، فضرب داود من أرام ﭐثنين وعشرين ألف رجل، وأقامَ داود حاميات عسكرية في أرام دمشق، وأصبحَ الأراميون تابعين لداود يدفعون لهُ الجزية... وأقام عدَّة حاميات عسكرية في جميع أرجاء أدوم، فأصبحَ الأدوميون تابعين لداود. وكانَ الرب ينصر داود حيثما توجَّهَ ".
(سفر صموئيل الثاني 8 : 1 – 14).
كما نقرأ.. فإنَّ داود كانَ مُتنبِّهًا لهذا الأمر الهام.. ولذلكَ فهوَ لم يُفاجأ، ولذلكَ ﭐنتصر حيثما توَّجهَ..
عندما ﭐستولى داود على مناطق جديدة، فإنَّ عدوَّهُ لم يستسلم على الفور، بل حاول أن يسترد سلطتهُ على أعالي نهر الفرات، لكنَّ داود كانَ بالمرصاد، لم يُدر ظهرهُ بعدما ﭐستولى على تلكَ الأرض، ولهذا نراه يضرب العدو ويهزمهُ ويأسر المُهاجمين، وعندما حاول ملك أرام مساندة ملك صوبة، ضربهُ داود أيضًا..
واللافت النظر ما فعلهُ داود في أرام..
أقامَ حاميات عسكرية، قواعد عسكرية لهُ، لكي لا يُعيد ذلكَ الملك الكرَّة من جديد..
لم يترك أرام مكنوسة وفارغة، بل أقامَ فيها قواعد لجيشه.. وعندما سيُحاول ذلكَ الملك السيطرة من جديد، سيصطدم بتلكَ القواعد وسينهزم بكل تأكيد..
كما أقامَ داود حاميات وقواعد عسكرية لهُ في جميع أرجاء أدوم..
لم يترك مكانًا واحدًا مكنوسًا أو فارغًا..
مبدأ هام جدًّا للغاية في الحرب.. كانَ داود مُتنبِّهًا لهُ..
فلم يخسر أي منطقة سبقَ لهُ وﭐستولى عليها..
وكما كانَ داود.. كذلكَ كان الرسول بولس..
فهوَ حيثما ذهب وكرزَ بالإنجيل وربح نفوسًا للرب.. كانَ يزرع كنائس، ويُقيم قادة عليها.. وكانَ يحملها في قلبه بالصلاة والتشفُّع ليلاً ونهارًا:
" لذلك أنا أيضًا إذ قد سمعت بإيمانكم بالرب يسوع، ومحبتكم نحو جميع القديسين، لا أزال شاكرًا لإجلكم، ذاكرًا إياكم في صلواتي " (رسالة أفسس 1 : 15 – 16).
وعندما عدَّدَ بولس ما تعرَّض لهُ خلال رحلاته التبشيرية من تعب وسهر ومخاطر.. قال:
" عدا ما هوَ دون ذلك، التراكم عليَّ كل يوم، الاهتمام بجميع الكنائس ".
(رسالة كورنثوس الثانية 11 : 28).
كانَ مُهتمًّا بجميع الأماكن التي دخلَ إليها وربحها للرب، أقامَ فيها حاميات وقواعد للرب، لكي لا يرجع العدو ويجد المكان مكنوسًا، فيُرسل إليها أعدادًا أكبر وأشر من الأرواح الشريرة..
وكانَ بولس يفتقد بٱستمرار تلكَ المناطق والقواعد، وﭐقرأ معي لكي تتعلَّم:
" من أجل هذا إذ لم أحتمل أيضًا، أرسلت لكي أعرف إيمانكم، لعلَّ المُجرِّب يكون قد جرَّبكم، فيصير تعبنا باطلاً " (رسالة تسالونيكي الأولى 3 : 5).
" فإنِّي أغار عليكم غيرة الله، لأنِّي خطبتكم لرجل واحد، لأُقدِّم عذراء عفيفة للمسيح، ولكنني أخاف، أنَّهُ كما خدعت الحية حواء بمكرها، هكذا تُفسد أذهانكم عن البساطة التي في المسيح " (رسالة كورنثوس الثانية 11 : 2 – 3).
إبليس لن يتوقَّف لحظة واحدة قبلَ عودة الرب الثانية عن محاولاته المُتكرِّرة، وهجماته المُعاكسة لاسترداد ما خسرهُ، لكن ليسَ هذا هوَ المهم، بل المهم أن لا يعود لاسترداد موقع أو منطقة أو مدينة، ويجدها مكنوسة وفارغة، فيعود ويتسلَّط عليها بقوة أكبر وأشر..
ولذلكَ فإنَّ بولس كان مُهتمًا في متابعة أحوال المناطق التي ربحها للرب، ومُهتماً بأحوال الحاميات والقواعد التي أنشأها في تلكَ المناطق..
وهكذا علينا أن نفعل نحن في حربنا اليوم مع إبليس..
فعندما تربح شخصًا ما للمسيح، وتُحرِّره من سيطرة الأرواح الشريرة، لا تعتبر أنَّ دورك قد ﭐنتهى هنا، بل عليك أن تهتم بهِ، وأن تُغذِّيه بكلمة الرب، وتُتابع أحواله، وتقوده لكي ينضم إلى جسد الرب.. إلى كنيسة الرب.. وهكذا لا تترك بيتهُ مكنوسًا..
وعندما تتحرَّر أنتَ شخصيًا من قيود كانت تقف وراءَها أرواح شريرة.. لا تترك المكان مكنوسًا وفارغًا.. بل دع الروح القدس يملأك بالقوة.. وتغذَّى بكلمة الرب.. لكي لا يرجع العدو ويرى المكان مكنوسًا..
وعندما تربح الكنيسة، مدينة أو منطقة للرب، فلا ينبغي أن تعتبر أن دورها قد ﭐنتهى، بل عليها أن تُقيم سلطة بديلة للسلطة التي تمَّ إسقاطها وطردها..
ينبغي عليها أن تزرع كنيسة في تلكَ المنطقة، حامية وقاعدة للرب، وليسَ بالضرورة كنيسة كبيرة ومُنظمَّة منذ البداية، فقد يبدأ الأمر بخلية صلاة، بمجموعة من المؤمنين الجدد، تتم رعايتهم من قبل قائد أو خادم يُعيَّن لهذه الغاية، وينبغي على الكنيسة أن تُتابع أحوال تلكَ المنطقة، وتلكَ القواعد التي أقامتها فيها، بالصلاة والتشفُّع وزيارت الافتقاد، حتى تتأكَّد أنها أصبحت قوية وثابتة، وعندها ستقوم تلكَ الكنيسة بربح مناطق أخرى كما قال بولس الرسول لتيموثاوس:
" وما سمعتهُ مني بشهود كثيرين، أودعهُ أُناسًا أُمناء، يكونون أكفَّاء أن يُعلِّموا آخرين أيضًا " (رسالة تيموثاوس الثانية 2 : 2).
نعمل بجهد، لكي يغدو المؤمنون الجدد أُمناء وأكفَّاء، قادرين على ربح غيرهم، ومتابعة المسيرة..
وموضوع آخر هام في هذا السياق دعونا نتطَّرق إليه الآن..
عندما تدخل مناطق جديدة، أُطلب من الرب أن يقودك إلى مفاتيح حسَّاسة، ومؤثِّرة في تلكَ المناطق..
أشخاص أصحاب نفوذ.. أصحاب شهرة ومكانة لدى الشعب..
أشخاص تكون كلمتهم مسموعة ومحترمة، فذلكَ سيكون كمفتاح للمنطقة بكاملها..
فعندما يرى الشعب أنَّ هؤلاء الأشخاص قد تحرَّروا وجاؤوا إلى الرب، فذلكَ سيكون عامل تشجيع لهم، وسيقود أشخاصًا كُثُر إلى الرب..
فخلاص المرأة السامرية التي كانت معروفة في مدينتها، كانَ سببًا لخلاص عدد كبير من سكان تلكَ البلدة..
والمجنون الذي كان يسكنهُ جيش من الأرواح الشريرة (لجئون)، أرسلهُ الرب يسوع كشهادة، لكي يكرز في المدن المحيطة بهِ..
" فلم يدعهُ يسوع، بل قال لهُ: ﭐذهب إلى بيتك وإلى أهلك وﭐخبرهم كم صنعَ الرب بكَ ورحمك، فمضى وﭐبتدأَ يُنادي في العشر المدن، كم صنع به يسوع، فتعجَّبَ الجميع ". (إنجيل مرقس 5 : 19 – 20).