نشوة الإنتصار
     
 

كم هيَ خطيرة.. نشوة الانتصار هذه..
وكم يستغلَّها إبليس ليُضيِّع ﭐنتصاراتنا عليه..
وكم ينبغي التنبُّه لهذا الأمر..

ولا أُريدك أن تتذمَّر من كثرة التحذيرات التي يُقدمها لكَ هذا الكتاب، في حربك مع العدو، لأنَّها ليست حربًا عادية، ولأنَّ أي خطأ فيها قد يحوِّل نصرتك إلى هزيمة..
فكلمة الله تقول:
" ... والضابط أهواء روحه، خير من قاهر المدن " (سفر الأمثال 16 : 32).

فالحكيم في حربه، الذي يضبط أهواء روحه، ويتعلَّم أن يستمع لأدق تنبيهات وقيادة الروح القدس لهُ، أفضل بكثير من الجبَّار والمُقاتل الشرس الذي يقهر المدن..
وكلمة الله تقول أيضًا:
قد يُنتج حقلُ الفقير المحروث وفرة من الغلال، إنَّما يُتلفها سوء التبصُّر ".
(سفر الأمثال 13 : 23).

فقد تربح معارك كثيرة، وتنجح في القيام بأمور كثيرة، لكن سوء التبصُّر، أو سوء التصرُّف، قد يُتلف كل ما حقَّقتهُ، فكن حذرًا..

لأنَّ المحافظة على النجاح، والمحافظة على الانتصارات والثبات في الأراضي التي تمَّ ﭐسترجاعها، يكون في أغلب الأحيان، أدق وأصعب من النجاح والانتصار بحد ذاته !!!

وإبليس يُعوِّل دائمًا على هذه الأمور، وهوَ صاحب خبرة طويلة في حربه مع المؤمنين، لأنَّهُ يعرف أنَّ الغالبية العُظمى منَّا لا يستمرون حتىَّ النهاية، يخورون في منتصف الطريق، أو قبل النهاية بقليل، وتذكَّر ما سبقَ وذكرناه:
أنَّ الذي يربح الحرب، هوَ من يصمد حتَّى النهاية..

الكثير من المؤمنين، تؤذيهم نشوة الانتصار، وتدفعهم مرارًا كثيرة إلى الإعتقاد بأنَّ ذراعهم هيَ التي حقَّقت هذه الانتصارات، فلا يُعطون المجد للرب، ولا يتواضعون تحت يده، ممَّا يجعل الشيطان يستغل هذه الثغرات، لكي يقودهم إلى التعالي والتكبُّر، اللذين سيسببان لهم هزيمة ضررها أكبر، ممَّا لو ﭐنهزموا في المعارك السابقة التي قادتهم للتكُّبر والتعالي !!!

كاتب المزمور 44، أدركَ هذه المخاطر فقال:
" أللهمَّ بآذاننا قد سمعنا، آباؤنا أخبرونا بعمل عملتهُ في أيامهم في أيام القدم، أنتَ بيدك ﭐستأصلتَ الأمم وغرستهم، حطمتَ شعوبًا ومددتهم، لأنَّهُ ليس بسيفهم ﭐمتلكوا الأرض، ولا ذراعهم خلَّصتهم، لكن يمينك وذراعك ونور وجهك، لأنَّك رضيت عنهم، أنتَ هو ملكي يا الله، فأمُر بخلاص يعقوب، بك ننطح مُضايقينا، بٱسمك ندوس القائمين علينا، لأنِّي على قوسي لا أتكل، وسيفي لا يُخلِّصني، لأنَّك أنت خلَّصتنا من مُضايقينا وأخزيت مُبغضينا، بالله نفتخر اليوم كلّه، وﭐسمك نحمد إلى الدهر " (المزمور 44 : 1 – 8).

فَهِمَ أنَّ الرب هوَ من ملَّك شعبه الأراضي، وهوَ من أباد الأعداء وسلَّمهم لشعبه، ولذلكَ قال: لن أتكل على قوسي وعلى سيفي، بل بالله أفتخر..

أمَّا الآن.. فلنتعلَّم ممَّن وقعوا في هذا الفخ.. نشوة الانتصار..
يوشيَّا كانَ ملكًا صالحًا، وقد عمل القويم في نظر الرب، حتَّى إنَّ الكلمة تقول عنهُ:
" ولم يكن قبله ملك مثلهُ قد رجع إلى الرب بكل قلبه وكل نفسه وكل قوته، حسب كل شريعة موسى، وبعدهُ لم يقم مثله " (سفر الملوك الثاني 23 : 25).
فذلكَ الملك حقَّق إنجازات وﭐنتصارت لم يُحققها أحد مثلهُ..
لكنهُ وقعَ في الفخ !!!

وإليكَ ما حصلَ معهُ:
" بعدَ كل هذا، حين هيَّأَ يوشيَّا البيت، صعد نخو ملك مصر إلى كركميش ليُحارب عند الفرات، فخرج يُوشيَّا للقائه، فأرسلَ إليه رسلاً يقول: ما لي ولكَ يا ملك يهوذا، لستُ عليك أنت اليوم، ولكن على بيت حربي، والله أمر بإسراعي، فكف عن الله الذي معي، فلا يُهلكك، ولم يُحوِّل يوشيَّا وجههُ عنهُ، بل تنكَّر لمُقاتلته، ولم يسمع لكلام نخو من فم الله، بل جاء ليُحارب في بقعة مجدو، وأصاب الرماة الملك يوشيَّا فقال الملك لعبيده: ﭐنقلوني لأنِّي جُرحت جدًّا، فنقلهُ عبيده من المركبة، وأركبوه على المركبة الثانية التي لهُ، وساروا به إلى أورشليم، فمات ودُفن في قبور آبائه... ".
(سفر أخبار الأيام الثاني 35 : 20 – 24).

بعد كل هذا..
أي بعد كل إنجازاته وﭐنتصاراته.. جاءَتهُ نشوة الانتصار وهمست في أُذنه:
" أنت ملك عظيم.. محبوب من الله.. لقد حقَّقت إنجازات وﭐنتصارات عظيمة.. لا يوجد ملك مثلك رجعَ إلى الرب بكل قلبه.. ولن يقومَ مثلك ".
وعلى ما أعتقد، فإنَّ هذا الكلام تفاعلَ داخل يوشيَّا.. وجعلهُ ينتشي.. يسكر، ويعتقد أنَّ ذراعاه هيَ من حقَّقت كل تلكَ الأمور..

فتدخَّل بمعركة لا تعنيه.. تدخَّل بمعركة دون ﭐستشارة الرب.. لا بل لم يستمع لملك مصر الذي قالَ لهُ: أنَّ الله أمرهُ بتلكَ المعركة، وهذا ما أكَّدتهُ الكلمة.. وقام بما تُحذِّر منهُ كلمة الرب التي سبقَ لنا وذكرناها:
" من يتدخَّل في خصومة لا تعنيه، يكون كمن يقبض على أُذني كلب عابر ".
(سفر الأمثال 26 : 17).

والنتيجة كانت، إصابة الملك يوشيَّا في تلكَ المعركة وموته !!!

وملك آخر أيضًا.. عمل القويم في عيني الرب، وكانَ مُخلصًا للرب.. إنَّهُ الملك حزقيا..
قامَ بإنجازات كثيرة.. وبإصلاحات كثيرة..
وعندما هاجمهُ ملك أشور بجيش كبير، تواضعَ أمام الرب وصلَّى، والرب ﭐستجابَ طلبته، ولم يُحارب حزقيا وجيشه أبدًا، بل الرب أرسلَ ملاكهُ وضرب في تلكَ الليلة ماية وخمسة وثمانين ألف رجل.. ممَّا جعلَ ملك أشور ينكفئ، ويرجع إلى موطنهُ حيثُ قتلهُ ﭐبناه..

لكــن.. نشوة الانتصار هاجمت ذلكَ الملك، وبعدما مرضَ مرضًا للموت وشفاه الله، جاءَهُ رسل من قِبَل ملك بابل، وإليكَ ما حصلَ حينها:
" في ذلك الزمان أرسل برودخ بلادان بن بلادان ملك بابل، رسائل وهدية إلى حزقيا لأنَّهُ سمع أنَّ حزقيا قد مرض، فسمعَ لهم حزقيا وأراهم كل بيت ذخائره، والفضة والذهب والأطياب والزيت الطيب، وكل بيت أسلحته وكل ما وُجِدَ في خزائنه، لم يكن شيء لم يُرهم إياه حزقيا في بيته وفي كل سلطنته، فجاء إشعياء النبي إلى الملك حزقيا وقالَ لهُ: ماذا قال هؤلاء الرجال؟ ومن أين جاءوا إليك؟ فقالَ حزقيا: جاءوا من أرض بعيدة من بابل، فقال: ماذا رأوا في بيتك؟ فقالَ حزقيا: رأوا كل ما في بيتي، ليس في خزائني شيء لم أُرهم إياه، فقال إشعياء لحزقيا: ﭐسمع قول الرب، هوَّذا تأتي أيام، يُحمل فيها كل ما في بيتك وما ذخرهُ آباؤك إلى هذا اليوم إلى بابل، لا يُترك شيء يقول الرب، ويُؤخذ من بنيك الذين يخرجون منك، الذين تلدهم، فيكونون خصيانًا في قصر ملك بابل ".
(سفر الملوك الثاني 20 : 12 – 18).
لماذا عاقبَ الله حزقيا بهذه الطريقة؟
وما هوَ الذنب الذي ﭐقترفهُ؟

لنتأمل في ما يقولهُ سفر أخبار الأيام الثاني، عن الحادثة نفسها، لنفهم أكثر:
" في تلكَ الأيام مرض حزقيا إلى حد الموت، وصلَّى إلى الرب، فكلَّمه وأعطاه علامة، ولكن لم يردّ حزقيا حسبما أُنعِمَ عليه، لأنَّ قلبه ﭐرتفع، فكان غضب عليه وعلى يهوذا وأورشليم، ثمَّ تواضع حزقيا بسبب ﭐرتفاع قلبه هوَ وسكان أورشليم، فلم يأتِ عليهم غضب الرب في أيام حزقيا، وكان لحزقيا غنى وكرامة كثيرة جدًّا، وعمل لنفسه خزائن للفضة والذهب والحجارة الكريمة والأطياب والأتراس وكل آنية ثمينة، ومخازن لغلة الحنطة والمسطار والزيت وأواري لكل أنواع البهائم وللقطعان أواري، وعمل لنفسه أبراجًا ومواشي غنم وبقر بكثرة، لأنَّ الله أعطاه أموالا كثيرة جدًّا... وهكذا في أمر تراجم رؤساء بابل، الذين أُرسلوا إليه ليسألوا عن الأعجوبة التي كانت في الأرض، تركهُ الله ليُجرِّبهُ، ليعلم كل ما في قلبه " (سفر أخبار الأيام الثاني 32 : 24 – 31).

جاؤوا يسألونه عن معجزة شفائه.. وكم كانَ الوقت مُناسبًا لكي يشهد ذلكَ الملك أمام أشخاص وثنيين، عن الإله الحيّ، ويستغنم الفرصة لكي يربح هؤلاء الزائرين للرب، ومن ثمَّ يُرسلهم لكي يشهدوا في مملكتهم عن الرب.. أوليسَ هذا ما فعلهُ فيلبس مع الوزير الحبشي؟

والله تركَ حزقيَّا لكي يمتحن قلبهُ، ويكتشف ما في داخله..
لكن حزقيا شرعَ إلى تمجيد نفسه، وإنجازاته أمام زوَّاره، نشوة الانتصار أفقدتهُ الاتزان، أفقدتهُ إعطاء المجد للرب، فكل ما كانَ في خزائنه كانَ من يد الله، وليسَ من مجهوده الشخصي، فالمقطع الذي تأملنا فيه، يقول:
لأنَّ الله أعطاه أموالا كثيرة جدًّا...

 

الله هوَ الذي أنعمَ عليه.. الله هوَ الذي ضرب جيش الأشوريين.. الله هوَ الذي شفى حزقيا.. لكن نشوة الانتصار أسكرت ذلكَ الملك.. فوقعَ في فخّها المُدمِّر..
وجلب على نفسه غضب الله..
فلنكن حذرين.. ولنكن متواضعين.. ولنكن حكماء فلا نقع في أفخاخ العدو..

يحتوي العهد الجديد على واحد وعشرين رسالة، ثلاثة عشر منها كتبها بولس الرسول، أي ثلثي الرسائل تقريبًا، كما يحفل سفر أعمال الرسل بغالبيته بما قامَ به الرسول بولس، وهوَ الذي ﭐختُطِفَ إلى السماء، وسمعَ أمورًا مُدهشة تفوق الوصف ولا يحق لإنسان أن ينطق بها..
هوَ وسيلا فتنا المسكونة..

لكنهُ لم يسكر من تلكَ الإنجازات والانتصارات، لم يقع في فخ نشوة الانتصار..
لكنهُ أعطى المجد للرب عندما قال:
" ولكن بنعمة الله أنا ما أنا، ونعمته المُعطاة لي لم تكن باطلة، بل أنا تعبت أكثر منهم جميعهم، ولكن لا أنا بل نعمة الله التي معي " (رسالة كورنثوس الأولى 15 : 10).

لم يُنكر تعبهُ وتضحياته ومُعاناته، لكنهُ كانَ يُدرك في قرارة نفسه، أنَّهُ تمكَّن من تحقيق كل ما حقَّقهُ بفضل نعمة الله عليه، وليسَ بفضل ساعديه..
فلنتعلَّم منهُ.. ولنحمِ أنفسنا من الوقوع في هذا الفخ المميت !!!

 
 
   
عودة إلى الفصل الخامس