أينما قرأتَ في تاريخ الحروب العسكرية القديمة أو الحديثة، ستجد دورًا هامًّا لمخابرات الدول الكبرى، يتمحور حول إيجاد شتَّى الوسائل المُتاحة، بغية إحداث ﭐنقسام أو شرخ ضمن الجماعات أو البلدان التي تُخطِّط تلكَ الدول لمُحاربتها، بغية تفكيكها وشرذمتها..
ممَّا يُسهِّل هزمها فيما بعد..
فالمُتعارف عليه أنَّ الجماعات المُتحِّدة، والبلدان التي تستطيع أن تكون مُوحَّدة في وجه العدو، يصعب هزمها..
كما تعمد تلكَ الدول الكبرى إلى ما هوَ أخطر من ذلك أيضًا.. فهيَ قد تذهب إلى أبعد من خلق ﭐنقسامات داخل الدول المُعادية لها والمحيطة بها.. فهي تعمد إلى محاولة خلق فتن داخلية وحروب أهلية، ممَّا يجعل تلكَ الدول تنشغل بحروبها الداخلية، ولا يعود لها أي إمكانية لتهديدها..
ولهذا فإنَّ الرب يسوع قال:
" ... كل مملكة مُنقسمة على ذاتها تخرب، وكل مدينة أو بيت منقسم على ذاته لا يثبت ". (إنجيل متى 12 : 25).
وما ينطبق على الحروب العسكرية، ينطبق أيضًا على حربنا مع إبليس ومملكته.. فعندما ينجح إبليس في خلق ﭐنقسامات بين المؤمنين.. فهوَ سيجعلهم جماعات مُتفرِّقة.. وعندها سيستفردهم ويسهل عليه هزمهم.. وإن نجحَ في أكثر من ذلكَ، بأن يجعل المؤمنين يُقاتلون بعضهم البعض، وينشغلون ببعضهم البعض، فهم عندها لن يعود بإمكانهم مُحاربتهِ قطعًا.. وهذا ما يفعلهُ دائمًا.. وللأسف فإنَّهُ ينجح مرارًا عديدة !!!
نحميا رجلَ الله.. كانَ مُتنبِّهًا لهذا الأمر.. ولذلكَ نجدهُ يقول للولاة وللشعب:
" ... العمل كثير ومُتَّسع، ونحن مُتفرِّقون على السور، وبعيدون بعضنا عن بعض، فالمكان الذي تسمعون منهُ صوت البوق، هناك تجتمعون إلينا، إلهنا يُحارب عنَّا ".
(سفر نحميا 4 : 19 – 20).
كانَ يُدرك أنَّ التفرُّق والتباعد خطر للغاية على الشعب، ولهذا نبَّههم بأن يجتمعوا معًا عند سماعهم صوت البوق، الذي كانَ يُضرب بهِ عند وجود مخاطر مُعيَّنة..
ولهذا السبب أيضًا، نقرأ عدة مرَّات عن شعب الله، أنهم في الأزمات والحروب، كانوا يتَّحدون مع بعضهم البعض:
" فٱجتمعَ جميع رجال إسرائيل على المدينة متّحدين كرجل واحد " (سفر القضاة 20 : 11).
نعم.. كانوا يجتمعون كرجل واحد في الحرب.. وهذا ما ينبغي على المؤمنين فعلهُ دائمًا، إن كانوا يرغبون الصمود في وجه حروب ومكايد إبليس، وإن كانوا يرغبون هزمه وﭐسترداد الأراضي التي يحتلها.. وتحرير النفوس الأسيرة..
أ - حارب عنهم.. ومعهم.. ولا تُحاربهم.
- حارب عنهم:
بدأ الشعب الخارج من أرض مصر بٱمتلاك الأرض الموعود بها ﭐعتبارًا من شرقي الأردن، وكانَ نصيب سبطي رأوبين وجاد ونصف سبط منسَّى أن يمتلكوا أرضًا شرقي الأردن، وهذا ما حصلَ بالفعل، وقبل أن يبدأ الشعب بعبور نهر الأردن بقيادة يشوع، كلَّم يشوع تلكَ الأسباط التي ﭐمتلكت الأرض قائلاً لهم:
" ﭐذكروا الكلام الذي أمركم به موسى عبد الرب قائلاً: الرب إلهكم قد أراحكم وأعطاكم هذه الأرض، نساؤكم وأطفالكم ومواشيكم تلبث في الأرض التي أعطاكم موسى في عبر الأردن، وأنتم تعبرون متجهِّزين أمام إخوتكم، كل الأبطال ذوي البأس، وتُعينونهم، حتَّى يُريح الرب إخوتكم مثلكم، ويمتلكوا هُم أيضًا الأرض التي يُعطيهم الرب إلهكم، ثمَّ ترجعون إلى أرض ميراثكم وتمتلكونها، التي أعطاكم موسى عبد الرب في عبر الأردن نحو شروق الشمس، فأجابوا يشوع قائلين: كل ما أمرتنا بهِ نعمله، وحيثما تُرسلنا نذهب، حسب كل ما سمعنا لموسى نسمع لكَ... " (سفر يشوع 1 : 13 – 17).
هذا هوَ قصد الله بالضبط.. أن تُحارب عن إخوتك.. تُحارب حروب إخوتك..
ولا تُحارب إخوتك !!!
قالَ لهم: تعبرون أمام إخوتكم.. وتُعينونهم.. حتَّى يُريح الرب إخوتكم مثلكم..
لا ينبغي على من حرَّرهُ الرب وملَّكهُ أرضه.. أن يرتاح قبلَ أن يرى إخوته وقد ﭐرتاحوا مثله..
ما أصعب العمل والكد والمُخاطرة والتضحية لمنفعة الآخرين.. وإن كنتَ لا تستطيع أن تُضحِّي وتُخاطر وتعمل بكد ونشاط من إجل إخوتك، فكيف ستفعل كل هذا من أجل خطأة.. من أجل أعداء ربَّما.. من أجل أشخاص لا تعرفهم ولا يربطك بهم أي رابط؟
ولا يقل أحد أنا مُستعد أن أُحارب لأجل الله وملكوت الله.. فهذا هوَ هدفي الأساسي.. قبلَ أن أُحارب من أجل إخوتي.. فأنا أُحب الله بالدرجة الأولى..
فهذا كلام نظري.. وشعارات لا فائدة منها.. بعيدة عن كلمة الله.. لأنَّ الرسول يوحنا فضحَ هذه الشعارات وهذا الكلام النظري عندما قال:
" إن قال أحد إنِّي أحب الله، وأبْغَضَ أخاه فهوَ كاذب، لأنَّ من لا يُحب أخاه الذي أبصرهُ، كيف يقدر أن يُحب الله الذي لم يُبصره، ولنا هذه الوصية منهُ، أنَّ من يحب الله، يُحب أخاه أيضًا " (رسالة يوحنا الأولى 4 : 20 – 21).
كلام يتحدَّى كل واحد منَّا.. كيف تُحب الله الذي لم تُبصرهُ، وأنتَ لا تستطيع أن تُحب أخاك الذي تُبصره؟
تُحب الله وتريد أن تخدمهُ وتحارب حروبه، وتضحي بكل شيء من أجله؟
إذًا ينبغي أن تفعل ذلكَ لإخوتك أولاً.. لكي تستطيع أن تفلعهُ لله !!!
ولهذا شبَّه الرب الكنيسة بالجسد..
لأنَّهُ إن مَرِضَتْ عينك، فسيتألَّم جسدك كلّه.. فلا يُمكن للجسد أن يقول ما شأني بالعين، فلتتألم وحدها.. ولهذا معنى عميق للغاية..
وإن رأت عينك منظرًا جميلاً.. أو إن سمعت أُذنك خبرًا مُفرحًا.. فلا العين ستفرح لوحدها بما رأت، ولا الأُذن ستفرح لوحدها بما سمعت.. بل سيفرح الجسد كلّه..
هذا هوَ قصد الله لنا كمؤمنين متحدِّين مع بعضنا البعض.. رجل واحد:
" فإن كان عضو واحد يتألَّم، فجميع الأعضاء تتألَّم معهُ، وإن كان عضو واحد يُكرم، فجميع الأعضاء تفرح معهُ " (رسالة كورنثوس الأولى 12 : 26).
كانت ردَّة فعل السبطين ونصف السبط، على طلب يشوع مُعبِّرة للغاية:
" كل ما أمرتنا بهِ نعمله، وحيثما تُرسلنا نذهب ".
ولم تقف ردَّة فعلهم تلك عندَ حدود الكلام والشعارات فقط.. بل تخطَّتهُ إلى العمل، وٱقرأ معي ما دوَّنهُ لنا الروح القدس، لكي تتعلَّم كيف تُحارب حروب إخوتك أو حروب الآخرين:
" وسارَ جنود سبطي رأوبين وجاد ونصف سبط منسَّى في طليعة بني إسرائيل... ".
(سفر يشوع 4 : 12).
ﭐنتبه معي جيِّدًا إلى دقَّة الوحي، لم يسيروا في الصفوف الخلفية، ولا حتَّى في الصفوف الثانية.. بل ساروا في طليعة إخوتهم، كانوا يريدون أن يُبرهنوا للرب ولقائدهم ولإخوتهم على السواء، أن حروب إخوتهم هيَ حروبهم هم بالذات.. ولذلكَ ساروا في الطليعة..
ما أصعب أن نُحارب لمنفعة الغير.. أن نُحارب عندما ستذهب الثمار والغنائم لآخرين.. لكن هذه هيَ المحبة الحقيقية والقلب الصادق.. وهكذا مقاصد هيَ غالية كثيرًا على قلب الرب.. وهكذا شعب لا بدَّ أن يهزم أشد وأقوى الأعداء.. فلنتعلِّم هذا الدرس جيِّدًا..
قصة مُعبِّرة:
" وحدثَ في ذلكَ الزمان، أنَّ يهوذا نزل من عند إخوته ومال إلى رجل عدلاميّ ﭐسمه حيرة، ونظرَ يهوذا هناك ﭐبنة رجل كنعاني ﭐسمه شوع، فأخذها ودخل عليها، فحبلت وولدت ﭐبنًا ودعا ﭐسمه عيرا، ثمَّ حبلت أيضًا وولدت ﭐبنًا ودعت ﭐسمه أونان، ثم عادت فولدت أيضًا ﭐبنًا ودعت ﭐسمه شيلة... وأخذَ يهوذا زوجة لعير بكره ﭐسمها ثامار، وكان عير بكر يهوذا شريرًا في عيني الرب، فأماته الرب، فقال يهوذا لأونان: ﭐدخل على ﭐمرأة أخيك وتزوج بها، وأقم نسلاً لأخيك، فعلم أونان أنَّ النسل لا يكون لهُ، فكان إذ دخلَ على ﭐمرأة أخيه، أنَّهُ أفسد على الأرض لكيلا يُعطي نسلا لأخيه، فقبح في عيني الرب ما فعله، فأماته أيضًا " (سفر التكوين 38 : 1 – 10).
هكذا أوصى موسى الشعب، أنَّهُ إن مات رجل من الشعب، ولم يكن لهُ أولاد، فعلى أخيه أن يتزوَّج بٱمراتهِ، والبكر الذي تلدهُ يقوم بٱسم أخيه الميت، لئلاَّ يُمحى ﭐسمهُ من إسرائيل..
المطلوب أن تُقيم نسلاً لأخيك، وليسَ لأخيك في المسيح فقط، بل لأخيك الذي من لحمك ومن دمك، أخيك الذي نشأت معهُ، تربيت معهُ، والذي من السهل منطقيًّا أن تحبهُ..
وهذا ما فعلهُ يهوذا الأب، إذ طلبَ من ﭐبنه " أونان " أن يتزوَّج ﭐمرأة أخيه الذي مات، ويُقيم لهُ نسلاً، لكنهُ لمَّا علمَ أن النسل لن يكون لهُ، بل سيكون لمنفعة أخيه، تلاعبَ في الأمر، ولم يُقِم نسلاً لأخيه، فقبح الأمر في عيني الرب وأماتهُ..
قصة مُعبِّرة للغاية..
نستنتج من خلالها كم هوَ صعب على الإنسان أن يحب غيره.. حتَّى لو كانوا إخوته بالتحديد.. كم هوَ صعب على الإنسان أن يُضحِّي ويُحارب ويُخاطر من أجل منفعة الآخرين.. وأيضًا حتَّى لو كانوا إخوته..
أحبائي: ينبغي أن يتعمَّق هذا الدرس فينا، إن كنا بالفعل نرغب أن نكون مُقاتلين أشدَّاء في جيش الرب، نعمل ونكد ونُحارب ونُضحِّي ونخاطر بأنفسنا من أجل خلاص النفوس، لأنَّهُ إن لم نكن قادرين أن نفعل ذلكَ من أجل إخوتنا الذين نعيش معهم ونتقاسم معهم الإيمان نفسه، والمصير نفسه، فكيف سنستطيع أن نفعل ذلكَ من أجل أشخاص لا نعرفهم ولا يربطنا فيهم أي رابط، لا بل أحيانًا قد يكونون من أعدائنا، من الأشخاص الذين أساؤوا إلينا.. فلنطلب من الله أن يُعيطنا قلبه المحب، الذي جعله يُضحِّي بنفسه من أجل خطأة.. من أجل من قاموا بصلبه بالتحديد !!!
فلنتحد، ولنكن كرجل واحد في الحرب، ضد عدونا الوحيد إبليس، فالدول التي نجحت بالصمود ونجحت بهزم أعدائها، هي الدول التي تناست كل خلافاتها مهما كانت..
وتوحَّدت عندما شعرت بأنَّ هناكَ خطر خارجي يُهدِّدها..
- حارب معهم:
إبليس عدو مهزوم، جرَّدهُ الرب من سلطانه علينا كمؤمنين، وأعطانا السلطان عليه، وقالَ لنا: تدوسون العقارب والحيَّات وكل قوَّة العدو، ولا يضركم شيء..
هذا الكلام واضح وحقيقي مئة بالمئة..
لكن ينبغي أن نُميِّز بينَ أمرين، لكي لا نُخدع من العدو، ولا نؤذى..
فعندما تشعر في روحك وتتأكَّد بأن إبليس يُحاربك على الصعيد الشخصي المتعلِّق بكَ وبأفراد عائلتك، أي زوجتك وأولادك، فأنتَ تستطيع أن تُمارس سلطانك عليه، وتنتهرهُ دون حدود أو ضوابط، مُتكِّلاً على قيادة الروح القدس لكَ في هذه الحرب..
لكـــن.. عندما يتعلَّق الأمر في الدائرة الأوسع منك ومن عائلتك، فإنَّ الموضوع يختلف تمامًا، وينبغي أن نتعلَّم كيفَ نُحارب الشيطان ومملكته في هذا المضمار، لكي لا نؤذى، ولكي نُحقِّق النتائج المطلوبة، ولا تكون حربنا دون جدوى..
قالَ الرب لتلاميذه:
" وأيُّ ملك إن ذهبَ لمُقاتلة ملك آخر في حرب، لا يجلس أولاً ويتشاور، هل يستطيع أن يُلاقي بعشرة آلاف الذي يأتي عليه بعشرين ألفًا " (إنجيل لوقا 14 : 31).
هنا الموضوع مختلف عن الحرب التي نخوضها ضد إبليس على المستوى الشخصي، هنا الموضوع يتعلَّق بالحروب التي نشنّها على المستوى الجماعي.. التي نشنّها ضد الأرواح الشريرة التي تُسيطر على مجموعة من الأشخاص البعيدين عنك.. أو التي تُسيطرعلى مدينة.. أو التي تسيطر على بلد بكامله.. أو الحروب التي تخوضها الكنيسة مجتمعة، ضد مملكة الظلمة، من أجل الكرازة وربح النفوس.. من أجل ﭐمتلاك أراضي جديدة.. من أجل تحرير مدن وبلدان من سيطرة الأرواح الشريرة...
ولذلكَ ينبغي أن نحسب حساب النفقة كما أوصانا الرب..
فلا نواجه عشرين ألفًا.. بعشرة آلاف..
شهدَ العهد القديم حروبًا شرسة بين شعب الله، وبين شعوب أُخرى وثنية، بغية ﭐمتلاك الأرض التي وعدهم الله بها، وفي كل تلكَ الحروب نرى أنَّ الشعب مُجتمعًا.. كانَ يدخل في المعركة مُقادًا من الله، ومن خلال خطط وﭐستراتيجيات كانَ الله يُعطيهم إياها في كل مرحلة.. وبالإجمال لم نشهد أن فردًا واحدًا كانَ يخوض تلكَ الحروب، كما نرى أنَّهُ في العهد الجديد أيضًا كانت الحروب الروحية التي تُشن على العدو من أجل الكرازة وربح النفوس، وتحرير أسرى الشيطان، كانت تتم من خلال الكنيسة ككل، مدعومة بصلوات مؤمنين آخرين حول العالم، ولم نشهد حربًا فردية في هذا المضمار.
وكلمة الله تقول:
" كيف يطرد واحد ألفًا، ويهزم إثنان ربوة... " (سفر التثنية 32 : 30).
إذًا الواحد مُقابل ألف.. لكن الإثنان مُقابل عشرة آلاف..
كلام واضح عن دور الجماعة والكنيسة في الحروب الكبيرة..
والكلمة تقول أيضًا:
" ﭐثنان خيرٌ من واحد، لأنَّ لهما أجرة لتعبهما صالحة، لأنَّهُ إن وقعَ أحدهما، يُقيمه رفيقه، وويلٌ لمن هو وحده، إن وقعَ إذ ليسَ ثانٍ ليُقيمه، أيضًا إن ﭐضطجع ﭐثنان، يكون لهما دفء، أمَّا الواحد فكيف يدفأ؟ وإن كانَ الواحد القوي يغلب واحدًا أضعف منهُ، فإنَّ ﭐثنين قادران على مُقاومتهِ، والخيط المثلوث لا ينقطع سريعًا " (سفر الجامعة 4 : 9 – 12).
إن وقعَ.. أو أُصيب أحدنا في الحرب، فالثاني يُقيمه.. وإن قويَ أحدهم على واحد منَّا، فالإثنان قادران على مقاومته وهزمه.. فالخيط المثلوث لا ينقطع سريعًا..
ولو أخذنا مثالاً عمليًا من الحروب العسكرية، سنفهم الموضوع أكثر..
فعندما تُواجه فرقة من الجيش، فرقة أُخرى، فإنَّ عناصر هذه الفرقة ستفتح نيرانها مجتمعة ضد الفرقة الأخرى، وبالتالي فإنَّ الفرقة المُقابلة سترد بالنار على كامل عناصر الفرقة التي أطلقت النيران..
وستتوَّزع نيرانها بالتساوي تقريبًا على كل العناصر..
لكن تخايل معي، لو أنَّ عنصرًا واحدًا فقط من الفرقة، فتحَ نيرانه على العناصر المُقابلة لهُ، فسوف نرى أن عناصر الفرقة الأخرى، ستُركِّز نيرانها كلّها على ذلكَ العنصر.. وستُصبح نسبة إصابته عالية جدًّا، لا بل مُحتَّمة.. دون مساعدة رفاقه لهُ..
الدرس الذي أُريد أن نتعلَّمهُ سويًّا مما ذكرناه حتَّى الآن.. هوَ أنَّهُ ينبغي أن نخوض الحروب الكُبرى، الخارجة عن إطار دائرتنا الشخصية، على مستوى الكنيسة مجتمعة، وأحيانًا على مستوى كنائس عدَّة، عندما تكون الحرب على مستوى بلد ككل..
وليسَ على المستوى الشخصي قطعًا..
هل نصعد؟
ويبقى سؤال آخر هام.. ينبغي أن نُجيب عليه أيضًا لكي تتضح الصورة أكثر..
هل ينبغي على الكنيسة أن تخوض كل الحروب؟
وكيف؟
ممَّا لا شكَّ فيه، أنَّ الرب أسَّس كنيسته التي هيَ جسده.. وهوَ رأسها.. لكي تُنفِّذ مشيئته على هذه الأرض.. ولهذا السبب أيضًا أعطاها سلطانه لكي تملك على هذه الأرض، ولكي تمتد وتمتلك أراضي جديدة.. أو لكي تسترد الأراضي التي سلبها الشيطان.. ولكي تنقض كل أعمال إبليس في كل دوائر الحياة..
لكن.. ينبغي على هذه الكنيسة.. أن تتلقَّى أوامرها في كل عمل ينبغي أن تقوم بهِ من الرأس الذي هوَ الرب.. وبعبارة أوضح ينبغي أن نكون مُقادين في كل حرب سنشنّها على مملكة الظلمة..
رجالات الله المُحاربون.. أو رجالات الحرب.. لم يكونوا يُقدمون على أي قرار حرب، قبلَ أن يسألوا الله.. وستجد في الكتاب المُقدَّس السؤال المعهود الذي تدرَّبوا أن يسألوه للرب قبل الشروع في أي معركة:
هل نصعد؟
لأنَّ الحروب التي خاضها الشعب دون موافقة الله خسرَ فيها، لأنَّ الله لم يكن معهم فيها، ولو تأملنا مليًّا في الآية التي ذكرناها من سفر التثنية، لتوضحت لنا الصورة أكثر:
" كيف يطرد واحد ألفًا، ويهزم ﭐثنان ربوة، لولا أنَّ صخرهم باعهم والرب سلَّمهم؟ ".
(سفر التثنية 32 : 30).
لقد ﭐستطاعَ الواحد أن يطرد ألفًا والاثنان عشرة آلاف، لأنَّهم كانوا رجلاً واحدًا في الحرب بكل تأكيد.. لكن هذه نصف الحقيقة.. فهنالكَ أبعد من ذلكَ بعد..
لقد ربحوا الحرب..لأنَّ الرب سلَّم هؤلاء الأعداء لهم..
داود كانَ مثالاً يُحتذى بهِ في هذا المضمار:
" فسأل داود من الرب قائلاً: إذا لحقت هؤلاء الغزاة، فهل أُدركهم؟ فقال لهُ: ﭐلحقهم فإنك تُدرك وتُنقِذ " (سفر صموئيل الأول 30 : 8).
والآن لنتأمل بحادثتين مُعبِّرتين توضحان لنا الصورة أكثر:
- الحادثة الأولى: خطتان مُختلفتان.. لمعركة واحدة.
" وجاءَ الفلسطينيون وﭐنتشروا في وادي الرفائيين، وسأل داود من الرب قائلاً: أأصعد إلى الفلسطينيين؟ أتدفعهم ليدي؟ فقال الرب لداود: ﭐصعد لأنِّي دفعًا أدفع الفلسطينيين ليدك، فجاءَ داود إلى بعل فراصيم، وضربهم داود هناك وقال: قد ﭐقتحمَ الرب أعدائي أمامي كٱقتحام المياه، لذلك دعا ﭐسم ذلك الموضع بعل فراصيم... ثمَّ عاد الفلسطينيون فصعدوا أيضًا، وﭐنتشروا في وادي الرفائيين، فسأل داود من الرب، فقال: لا تصعد، بل دُر من ورائهم، وهلمَّ عليهم مُقابل أشجار البكا، وعندما تسمع صوت خطوات في رؤوس أشجار البكا، حينئذٍ ﭐحترص لأنَّهُ إذ ذاك يخرج الرب أمامك لضرب محلّة الفلسطينيين، ففعلَ داود كذلك، كما أمرهُ الرب، وضرب الفلسطينيين من جبع إلى مدخل جازر ".
(سفر صموئيل الثاني 5 : 18 – 25).
الأعداء نفسهم.. المكان نفسه.. والمحارب نفسه..
لكن خطتان مختلفتان من الله.. لكل معركة على حدة.. وتواضع واضح.. وﭐتكال بالكامل على قيادة الله من داود الملك.. وذلك ما أدَّى إلى نجاحه..
لم يتكل داود على خبرته السابقة في المعركة نفسها.. ولم يقل إنهم الأعداء نفسهم.. والمكان نفسه، وقد سألت الرب سابقًا وقالَ لي: ﭐصعد لأنِّي أسلمتهم ليدك..
بل سألَ الله ثانيةً قبلَ أن يتحرك.. وكما قرأنا.. نكتشف أنَّ الله غيَّرَ لهُ الخطة..
هكذا ينبغي أن نُحارب لكي ننجح..
- الحادثة الثانية: الروح.. وليسَ الريح.
سفينة في عرض البحر، كانت تنقل بولس إلى روما لكي يمثل أمام القيصر.. وعندما صارَ السفر في البحر خطرًا، نبَّهَ بولس القائد حينها.. لكن إليكَ ما حصل:
" ولمَّا مضى زمان طويل، وصار السفر في البحر خطرًا إذ كان الصوم أيضًا قد مضى، جعل بولس يُنذرهم قائلاً: أيها الرجال أنا أرى أنَّ هذا السفر عتيد أن يكون بضرر وخسارة كثيرة، ليسَ للشحن والسفينة فقط، بل على حياتنا أيضًا، ولكن كانَ قائد المئة ينقاد إلى ربَّان السفينة، وإلى صاحبها أكثر ممَّا إلى قول بولس، ولأنَّ المينا لم يكن موقعها صالحًا للمشتى، ﭐستقرَّ رأي أكثرهم أن يُقلعوا من هناك أيضًا، عسى أن يُمكنهم الإقبال إلى فينكس ليشتوا فيها... فلمَّا نسمت ريح جنوب، ظنُّوا أنهم قد ملكوا مقصدهم، فرفعوا المرساة وطفقوا يتجاوزون كريت على أكثر قرب، ولكن بعدَ قليل، هاجت عليها ريح زوبعية، يقال لها " أوروكليدون "، فٱندفعت السفينة ولم تقوَ على مُقاومة الريح، فٱستسلمنا... " (سفر أعمال الرسل 27 : 9 – 15).
ﭐنقادَ القائد إلى الريح.. وليسَ إلى الروح.. فتضرَّر الجميع..
ﭐنقادَ إلى أصحاب الخبرة.. إلى رأي الأكثرية.. إلى الظروف الطبيعية.. والنتيجة كانت كارثية..
إياك أن تنقاد إلى المنطق والعيان والظروف المحيطة.. أو إلى الخبرة الشخصية والحكمة البشرية مهما كانت مُقنعة.. بل دومًا كُنْ مُقادًا من الروح القدس، حتَّى لو كانت كل الظروف المحيطة مُعاكسة.. هكذا ينبغي على الكنيسة أن تخوض حروبها ضد العدو.. وإلاَّ فسوفَ تنهزم لا محالة.. أو أقلَّهُ ستكون حروبها دون جدوى !!!
بالطبع كان القادة والشعب يُدركون أنَّ الله يُريدهم أن يمتلكوا تلكَ الأراضي، فهوَ من قالَ لهم: كل مكان تدوسه بطون أقدامكم يكون لكم..
لكن بالرغم من ذلكَ، فهم لم يدخلوا حربًا قبل سؤال الله، والتأكُّد من أنَّهُ موافق على تلكَ الحرب، وأنهُ أسلمَ أعداءَهم ليدهم..
وأخيرًا علينا أن نُدرك الحقائق التالية:
1 – لا تخض حروبًا كبيرة خارج إطار الدائرة الشخصية المرتبطة بكَ لوحدك، بل من ضمن كنيستك.
2 – بكل تأكيد أنَّ الرب أقامَ كنيسته، لكي تكون كنيسة مُحاربة، مؤثِّرة في البلد الذي تنتمي إليه، تحكم وتتملَّك، وتُغيِّر الظروف والأوقات والأزمنة، تنقض أعمال الشيطان، وتنشر رائحة المسيح الذكيَّة، وتربح النفوس، وتسترد الأراضي المسلوبة، وتُقيِّد القوي ومن ثمَّ تدخل إلى بيته لتنهب غنائمه وتسترد أسراه..
3 - لكن في كلتي الحالتين، وفي كل الظروف، ينبغي أن نكون مُقادين من الله في كل حرب نخوضها، إن كانَ على المستوى الشخصي، أو على المستوى الأشمل والأكبر.
- ولا تُحاربهم:
ما أصعب وما أخطر الحروب بين الإخوة.. فهيَ ليست فقط أنها تجعلنا ننهزم، وتجعلنا ننشغل بحروبنا الداخلية، وننسى محاربة عدونا الخارجي إبليس، وننسى النفوس الضائعة، وﭐسترداد الأراضي المحتلة..
بل هيَ تُدمِّر شخصياتنا.. وتجرحنا.. وتجعل شفاءنا صعبًا أغلب الأحيان.. والأهم من كل ذلكَ أنَّها تجرح قلب الله.. قلب الأب المُحب عندما يرى أولاده يتقاتلون..
والآن.. لنقرأ معًا ما حصل في هذا المضمار مع الملك داود.. ذلكَ الملك الذي لم يُحَارَب فقط من قِبَل إخوته وأصدقائه.. بل من ﭐبنه أبشالوم بالتحديد:
" لو كانَ عدوِّي هوَ الذي يُعيِّرني لكنتُ أحتمل، ولو كانَ من يُبغضني هوَ الذي يتجبَّر عليَّ لكنتُ أختبئ منهُ. ولكنَّكَ عديلي، وإلفي وصديقي الحميم، الذي كانت لنا عشرةٌ معهُ، وكنَّا نترافق إلى بيت الله مع جمهور العابدين... رفيقي القديم هاجمَ أصحابهُ المُسالمين ونقضَ عهدهُ معهم، كانَ كلامهُ أنعم من الزبدة، وفي قلبه يُضمر القتال، كلماته أليَنُ من الزيت، ولكنها سيوف مسلولة " (المزمور 55 : 12 – 21).
هل تعرَّضتَ لحروب من قبل إخوتك؟
وهل حاربت إخوتك؟
لن يستطيع أحد بيننا أن يخرج من دائرة هذين السؤالين، الكل تَحَارَبَ من إخوته وحارب إخوته.. وكم هيَ صعبة النتائج.. وكم هيَ مُدمِّرة.. جراح عميقة وموجعة.. وكم يصعب شفاؤُها غالبًا:
" إرضاء الأخ المُتأذِّي أصعب من قهر مدينة حصينة... " (سفر الأمثال 18 : 19).
ولو تأملت بما قالهُ داود.. لأدركتَ ذلكَ.. ولو تأملت بما حدثَ ويحدث معك في هذا المجال، لأدركتَ أيضًا ما أنوي قوله بالتحديد..
كم من كنائس وخدمات دُمِّرَت من جرَّاء حروب الإخوة ضد بعضهم البعض..
وكم من مواهب دُفنت وفُقِدَت من حقل خدمة الرب بسبب حروب الإخوة..
وكم من خدام كانوا ممسوحين لخدمة الرب.. تركوا كنائسهم وأضحوا زائري كنائس، يتنقلون من واحدة إلى أُخرى بسبب حروب الإخوة..
وكم.. وكم.. وكم...
حسد.. نميمة.. دينونة.. طمع.. تسابق على الظهور.. تسابق على الأدوار.. حقد.. بُغضة.. مرارة.. من هوَ الأفضل؟ من هوَ القائد؟ من هوَ...؟
هذه ما نفعلهُ ببعضنا البعض.. والأسوأ من ذلكَ، هوَ أننا عندما نلتقي ببعضنا البعض، نتعانق ونبتسم ونُعبِّر عن ﭐشتياقنا لبعضنا البعض.. وما إلى ما هنالك من الكلام المعسول..
وهذا ما قالهُ داود بالتحديد:
" كانَ كلامهُ أنعم من الزبدة، وفي قلبه يُضمر القتال، كلماته أليَنُ من الزيت، ولكنها سيوف مسلولة ".
لا يا أحبائي.. لا يصلح أبدًا أن يكون هذا بين الإخوة.. بين من جمعهم الرب يسوع المسيح بدمه الثمين، وجعلهم رغيفًا واحدًا، جسدًا واحدًا.. بين من أقامهم الله وكلاء على ملكوته وعلى خدمته، وعهدَ إليهم إكمال الحرب لاسترداد الأراضي المحتلة، وتحرير النفوس المأسورة، وخطفها من قبضة إبليس قبل ذهابها إلى النار الأبدية..
نتحارب ونتصارع ونتنافس.. والسبب واحد:
أنا أولاً..
ولن تجد حلاًّ لكل ذلكَ قبلَ أن تموت عن ذاتك.. قبلَ أن تُشبه الرب، الذي أخلى نفسهُ آخذًا صورة عبد..
والرسول يعقوب يؤكِّد السبب الرئيسي لحروب الإخوة عندما يقول:
" من أين الحروب والخصومات بينكم؟ أليست من هنا، من لذَّاتكم المُحاربة في أعضائكم؟
تشتهون ولستم تمتلكون، تقتلون وتحسدون، ولستم تقدرون أن تنالوا، تُخاصمون وتُحاربون ولستم تمتلكون لأنكم لا تطلبون، تطلبون ولستم تأخذون، لأنكم تطلبون رديًّا لكي تُنفقوا في لذَّاتكم " (رسالة يعقوب 4 : 1 – 3).
من هنا.. نعم من هنا الحروب والخصومات فيما بيننا من لذاتنا المحاربة فينا.. من الأنا التي تريد كل شيء لها.. نريد أن نكون كل شيء..
لكي نُشبِع وحش الأنا الذي لن يشبع..
والحل الوحيد:
" المحبة فلتكُن بلا رياء... وادِّين بعضكم بعضًا بالمحبة الأخوية، مُفضِّلين بعضكم على بعض في الكرامة " (رسالة رومية 12 : 9 – 10).
" مُحتملين بعضكم بعضًا، ومُسامحين بعضكم بعضًا، إن كانَ لأحد على أحد شكوى، كما غفرَ لكـم المسيح، هكذا أنتم أيضًا، وعلى جميع هذه ﭐلبسوا المحبة، التي هي رباط الكمال " (رسالة كولوسي 3 : 13 – 14).
لا يُمكن أن لا يكون لأحد ما بيننا شكوى على الآخر.. ولا يُمكن أن لا تحصل ﭐحتكاكات بين الإخوة.. لكن ما يُريد الرب أن يقوله لنا، هوَ كيفَ نتعامل مع بعضنا البعض عندما تحصل هذه الأمور..
نتعامل..
بالمحبة.. مُحبين لبعضنا البعض.. مُفضِّلين بعضنا على بعض بالكرامة.. مُحتملين بعضنا البعض.. ومُسامحين لبعضنا البعض.. كما سامحنا ويُسامحنا وسيُسامحنا الرب عندما نُخطئ إليه.. ولا يوجد حل آخر قطعًا..
ولن نستطيع هزم إبليس، وحسم الحروب، وﭐمتلاك الأراضي، وربح النفوس، إن لم نُوقف حروبنا الداخلية.. ونتحد مع بعضنا البعض، وننصرف لمقاتلة عدونا الوحيد إبليس..
فلا نُضيِّع وقتنا قطعًا بعدَ الآن..
لن تجد راعيًا كاملاً.. ولن تجد قائدًا كاملاً.. ولن تجد أخًا كاملاً..
ولن تجد كنيسة مثالية على وجه الأرض..
وهل تريد بعد أكثر من ذلك؟
المشكلة ليست في إيجاد أشخاص كاملين.. وخدمات رائعة..
بل المشكلة فيك أنت وفيَّ أنا بالتحديد.. وهذا ما ينبغي معالجته..
فبكل تأكيد أنَّ الله كامل، لا بل هوَ مصدر الكمال.. ومع ذلكَ نجحَ إبليس في أن يُقنع آدم وحواء بعدم كمال الله وصلاحه.. وجعلهما يُشكِّكان فيه.. ويتخلَّيان عنهُ، ويتعاونان مع إبليس.. وقد تكلمنا بما فيه الكفاية في فصول سابقة عن هذا الموضوع !!!
لم تكن المشلكة في الله بكل تأكيد.. بل كانت في آدم وحواء..
وهيَ للأسف مستمرة فينا.. فلنحسمها.. ولنقبل بعضنا البعض كما نحن..
ولنُوقف كل حروب تُدمِّرنا.. ولنتحد ولنُكمل حربنا ضد إبليس..