هل نحتاج رسلاً وأنبياءً في كنيستنا اليوم.. في عصرنا هذا؟
أم أنَّ ذلكَ كانَ ضروريًا في العهد القديم والكنيسة الأولى فقط؟
وإن كنَّا ما زلنا نحتاجهم اليوم.. فلماذا؟
بعض الآيات من كلمة الله، لكي تكشف الطريق أمامنا:
" فوضعَ الله أُناسا في الكنيسة، أولاً رسلاً، ثانيًا أنبياء، ثالثا... ".
(رسالة كورنثوس الأولى 12 : 28).
أولاً رسلاً, وثانيًا أنبياء.. وبعدهما تأتي باقي المواهب والمناصب في الكنيسة..
" وهوَ أعطى البعض أن يكونوا رسلاً، والبعض أنبياء، والبعض... لأجل تكميل القديسين لعمل الخدمة، لبنيان جسد المسيح، إلى أن ننتهي جميعنا إلى وحدانية الإيمان ومعرفة ٱبن الله، إلى إنسان كامل، إلى قياس قامة ملء المسيح، كي لا نكون فيما بعد أطفالاً مضطربين ومحمولين بكل ريح تعليم، بحيلة الناس بمكر إلى مكيدة الضلال، بل صادقين في المحبة، ننمو في كل شيء إلى ذاك الذي هو الرأس المسيح " (رسالة أفسس 4 : 11 – 15).
" مبنيين على أساس الرسل والأنبياء... " (رسالة أفسس 2 : 20).
والهدف من ذلكَ، تكميل القديسين.. تكميلك أنت وتكميلي أنا.. بنيان جسد الرب.. لكي لا نبقى أطفالاً مُضطربين، لكي لا نُخدع بمكائد الضلال، ولكي نصل إلى قياس قامة ملء المسيح..
والآية المحورية هنا:
مبنيين على أساس الرسل والأنبياء..
وكلنا نعرف معنى كلمة " أساس "، فالمبنى الذي يكون دون أساس، أو يكون أساسهُ غير قوي وصلب ومتين، فلا بُدَّ لهُ أن ينهار.. عاجلاً أم آجلاً..
لكن للآسف.. فهاتين المسحتين:
1 – المسحة الرسولية..
2 - والمسحة النبوية.
ﭐختفتا أو سُلبتا من الكنيسة لفترة طويلة جدًّا.. وأنا لا أتفاجأ أبدًا.. لأنَّ إبليس يرتعب منهما.. ويعرف أنَّهُ بغيابهما.. يستطيع أن يفعل الكثير.. الكثير.. دون أن يمنعهُ أحد كما ينبغي..
لكن.. شكرًا للرب أنَّهُ في هذه الأيام، التي ربَّما تكون الأخيرة.. يُعيد إلى كنيسته هاتين المسحتين.. لأنَّهُ يعرف أهميتهما.. ويعرف فعاليتهما ضد مملكة إبليس.. وفعاليتهما لحسم الحروب الشرسة لصالح أولاده المؤمنين..
فلنتعلَّم معًا..
أ - المسحة الرسولية:
أحبائي: الحرب مع إبليس، ليست نزهة..
بل هيَ حرب حقيقية.. وجدِّية.. وشرسة.. ودقيقة للغاية..
وبولس يقول أنَّهُ حاربَ وحوشًا في أفسس:
" إن كنتُ كإنسان قد حاربتُ وحوشًا في أفسس... " (رسالة كورنثوس الأولى 15 : 32).
وبالطبع تلكَ الوحوش لم تكن من الحيوانات البريَّة، بل هيَ وحوش في العالم الروحي..
نعم.. إننا نُحارب وحوشًا.. نُحارب مملكة منظمة وقويَّة.. وليسَ أعداء عاديين..
وهناك مثل عاميّ يقول:
" الرطل بدُّو رطل ووقية ".
أي أن القوي يحتاج إلى من هوَ أقوى منهُ، والرب بنفسه قال لتلاميذه، عندما علَّمهم حساب النفقة قبل البدء بأي حرب:
" وأيُّ ملك إن ذهب لمقاتلة ملك آخر في حرب، لا يجلس أولاً ويتشاور، هل يستطيع أن يُلاقي بعشرة آلاف، الذي يأتي عليه بعشرين ألفًا " (إنجيل لوقا 14 : 31).
بالطبع لن تستطيع أن تهزم جيشًا من عشرين ألف مُقاتل، بجيش من عشرة آلاف مقاتل، بل وفقًا للعلم العسكري، فإنَّ المُهاجم يحتاج أقلَّهُ إلى ثلاثة مُهاجمين مقابل كل مُدافع..
وحيث إنَّ مهمة الكنيسة الأساسية، هي مهاجمة مملكة الظلمة.. تقييد القوي، ونزع أسلحته، والدخول إلى بيته وأرضه لاستردادها، وتحرير الأسرى الذين يتشبَّث بهم إبليس، ويأبى أن يُطلقهم.. فالبحري علينا أن يكون لدينا قوة أكبر..
ولستُ أنا من أطلق على إبليس لقب القوي، بل كلمة الله:
" أنقذني من عدويِّ القوي، ومن مبغضيَّ لأنهم أقوى منِّي " (المزمور 18 : 17).
والرب قالَ لتلاميذه:
" لا يستطيع أحد أن يدخل بيت قوي وينهب أمتعتهُ، إن لم يربط القوي أولاً، وحينئذٍ ينهب بيته " (إنجيل مرقس 3 : 27).
وقد علَّمنا الرب كيف ندخل بيت القوي.. إذ قال:
" حينما يحفظ القوي دارهُ متسلِّحًا تكون أمواله في أمان، ولكن متى جاءَ من هوَ أقوى منهُ، فإنَّهُ يغلبهُ وينزع سلاحهُ الكامل، الذي ﭐتكلَ عليه، ويُوزِّع غنائمه، من ليسَ معي فهو عليَّ، ومن لا يجمع معي فهوَ يُفرِّق " (إنجيل لوقا 11 : 21 – 23).
والأقوى منهُ.. ليسوا أشخاصًا لهم سواعد مفتولة، وبُنيَة جسدية قوية، بل هُم من خصَّهم الله بمسحة رسولية قادرة على إخضاع وحوش وقوى شيطانية كبيرة، فالأرواح الشريرة لا تحترم موقعًا أو لقبًا، بل هيَ تحترم وتخضع للقوة والسلطان.
لقد وزَّعَ الله مواهبه على المؤمنين: كلام حكمة، كلام علم، إيمان، موهبة الشفاء، عمل القوات، تمييز الأرواح، نبوءَة، أنواع ألسنة وترجمة ألسنة..
(رسالة كورنثوس الأولى 12 : 8 – 10).
وعلى كل واحد منَّا أن يُمارس مواهبه هذه، في الكنيسة..
لكــن.. عندما نتكلَّم عن حرب سرشة مع العدو.. حرب على مستوى بلد.. حرب لاسترداد الأراضي المُحتلة من العدو، فنحنُ نحتاج إلى مسحة رسولية، مسحة أكبر، مسحة تفوق قوة العدو..
وهذا ما نقرأ عنهُ في سفر أعمال الرسل:
" وبقوة عظيمة (تقول إحدى الترجمات: على نحو قوي جداً، وبتوهُّج عظيم من الروح، أو بالكفاءة العظيمة، أو بالعديد من المعجزات، وعمليات قويَّة في شفاء المرضى، طَرْد شياطين) كان الرسل يؤدُّون الشهادة، بقيامة الرب يسوع، ونعمة عظيمة، كانت على جميعهم ".
(سفر أعمال الرسل 4 : 33).
" حتَّى أنهم كانوا يحملون المرضى خارجًا في الشوارع، ويضعونهم على فرش وأسرَّة، حتَّى إذا جاءَ بطرس، يُخيِّم ولو ظلّه على أحد منهم " (سفر أعمال الرسل 5 : 15).
" وكانَ الله يصنع على يدي بولس، قوات غير المُعتادة، حتَّى كان يؤتى عن جسدهِ بمناديل أو مآزر إلى المرضى، فتزول عنهم الأمراض وتخرج الأرواح الشريرة منهم ". (سفر أعمال الرسل 19 : 11 – 12).
نعم.. نحتاج قوَّة عظيمة.. وليست أي قوَّة.. نحتاج إلى ظل ممسوح بقوة الرب الفائقة الطبيعة، لكي نشفي أمراضًا مستعصية.. والمسحة غير المُعتادة، التي كانت على بولس، لكي نطرد أرواحًا شريرة ونُحرِّر المُقيَّدين..
وبولس أكَّدَ لنا، أنَّ ما تكلمنا عنهُ، هوَ المسحة الرسولية، عندما قال:
" إنَّ علامات الرسول صنعت بينكم في كل صبر، بآيات وعجائب وقوات ".
(رسالة كورنثوس الثانية 12 : 12).
أحبائي: بسبب فقدان هذه المسحة من كنائسنا اليوم، فإنَّ ما حصلَ مع التلاميذ عندما كانَ الرب على أرضنا هذه، يتكرَّر معنا اليوم:
" ولمَّا جاؤوا إلى الجمع، تقدَّم إليه رجل جاثيًا لهُ وقائلاً: يا سيد ﭐرحم ﭐبني فإنَّهُ يُصرع ويتألَّم شديدًا، ويقع كثيرًا في النار، وكثيرًا في الماء، وأحضرته إلى تلاميذك، فلم يقدروا أن يشفوه، فأجابَ يسوع وقال: أيها الجيل غير المؤمن الملتوي، إلى متى أكون معكم؟ إلى متى أحتملكم؟ قدِّموه إليَّ ههنا، فٱنتهرهُ يسوع، فخرج منهُ الشيطان، فشُفِيَ الغلام من تلكَ الساعة " (إنجيل متى 17 : 14 – 18).
أحضرتهُ إلى تلاميذك فلم يقدروا أن يشفوه..
وكم من الأشخاص يأتون إلينا اليوم، والمشهد نفسهُ يتكَّرر..
لا نقدر أن نشفيهم ونشفي أولادهم.. لا نقدر أن نشفي أنفسنا ونشفي عائلاتنا ومعارفنا ومحيطنا، المعجزات التي ﭐختبرناها قليلة ونادرة ومتقطعة..
والحقول ﭐبيضت للحصاد.. والفعلة قليلون، ليسَ عددًا فقط، بل الأهم نوعًا..
ومعاناة الناس تزداد.. والتحديات كبيرة.. نريد أن نربح نفوسًا كثيرة.. نريد أن نمتلك الأرض.. نريد أن نُغِّير بلدانًا.. نُريد أن نفرض مشيئة الله على الأرض.. نريد أن نشفع لشعب.. نشفي أمراضه.. نُطلقه من العبودية القاسية إلى الحرية..
القطيع مُشتَّت، وهوَ فريسة لوحوش البرية.. يحتاج إلى من يجمعهُ.. يُضمِّد جراحه، يُطعمهُ ويحميه...
شعاراتنا كبيرة.. نقول للناس تعالوا وﭐشفوا..
والناس يأتون إلينا ويذهبون كما جاؤوا أغلب الأحيان..
نرى مرضى.. نرى أطفالاً مشوَّهين.. نُقابل مدمنين على المخدرات.. عبدة للشيطان.. مدمني كحول.. زناة.. سارقين.. قتلة...
وأمام ضعفنا عن إيجاد الحلول لهم..
نوبِّخهم على خطاياهم وسلوكهم الرديء، ونصرخ في وجوههم:
توبوا لكي تُغفر خطاياكم.. ونقف عند هذا الحد..
لكن يا أحبائي، وأنا هنا لستُ أُقلِّل أبدًا من أهميَّة التوبة، فهيَ بكل تأكيد، الباب الأساسي للخلاص من أي شر، لكن هنالك قسم كبير من الناس قد تعب وسئِمَ من حالته، وهوَ يريد الخلاص من هذا الوضع الذي يتخبَّط فيه، لكنهُ عاجز حتَّى عن فتح قلبه للرب، بسبب قساوة القيود، وبسبب الإعماء الذي يُلقيه إبليس عليه.. ونحن نلومهم على خطاياهم..
أخاف أن نكون قد أصبحنا كالفريسيين الذين قالَ الرب عنهم:
" فإنَّهم يحزمون أحمالاً ثقيلة، عسرة الحمل، ويضعونها على أكتاف الناس، وهم لا يريدون أن يُحرِّكوها بإصبعهم " (إنجيل متى 23 : 4).
نعم.. لسنا بعد نُحرِّك إصبعنا، لكي نُزيح هذه الأحمال عنهم، وهذا النير القاسي، لكي يفلتوا من قبضة إبليس..
والملفت النظر.. أنَّ الرب لم يوبِّخ الابن المُقيَّد ولا أبيه.. بالرغم من أنهما كانا خاطئين بكل تأكيد.. بل وبَّخَ تلاميذه وعدم إيمانهم !!!
وهوَ لم يفعل كما كان يفعل الفريسيُّون.. بل حرَّكَ إصبعهُ، إصبع الله، مُعلنًا مجيء الملكوت، مجيء الأقوى:
" ولكن إن كنتُ بإصبع الله أُخرج الشياطين، فقد أقبلَ عليكم ملكوت الله ".
(إنجيل لوقا 11 : 20).
وقال لتلاميذه إلى متى أحتملكم، هاتوا لي من عجزتم عن تحريره..
وجال خلال كل خدمته على أرضنا، يشفي المرضى ويُحرِّر المُقيَّدين، ويُعزِّي النائحين، ويُطلق كل الذين أسرهم إبليس..
فجمع القطيع المُشتَّت وقال لنا:
" من ليسَ معي فهوَ عليَّ، ومن لا يجمع معي فهوَ يُفرِّق ".
من ليس معي في خدمة تحرير وشفاء الناس التي دعاني إليها الآب، فهو عليَّ، لأنكم تُقاومون جزءًا أساسيًّا من العمل الذي أوكله لي أبي، سواء عن دراية أو عن عدم دراية.. ومن لا يُحرِّر القطيع من تسلُّط وحوش البرية عليه، ويجمعهُ معي، فهوَ يُفرِّقه..
وقبل أن يصعد إلى السماء قال لنا:
" ولي خراف أُخر، ليست من هذه الحظيرة، ينبغي أن آتي بتلك أيضًا، فتسمع صوتي وتكون رعية واحدة وراعٍ واحد " (إنجيل يوحنا 10 : 16).
وهذه الخراف ينبغي علينا نحن أن نجمعها، ولكي نجمعها نحتاج أن تكون لدينا مسحة القوة العظيمة.. المسحة الرسولية.. المسحة التي كانت على الرب، لأنَّهُ هوَ كان رسولاً أيضًا، وينبغي أن نكون مثله:
" من ثمَّ أيها الإخوة القديسون، شركاء الدعوة السماوية، تأمَّلوا يسوع الرسول، ورئيس كهنته المسيح يسوع " (رسالة العبرانيين 3 : 1).
نعم .. نحن شركاء هذه الدعوة.. شركاء هذه المسحة الرسولية.. ولنتأمل بيسوع الرسول.. ولتكن لنا المسحة الرسولية..
أليشع النبي، سمعَ عن إيليا النبي ورأى المسحة التي كانت عليه، وسمع عن ذلكَ الرجل كيف قتلَ كل أنبياء البعل.. لكنهُ سمع أيضًا كيف أن ذلكَ النبي القوي خاف من إيزابل الشريرة عندما هدَّدتهُ.. ممَّا جعلهُ يهرب ولا يُكمل دعوته.. ولذلكَ السبب عينه وعندما سألهُ إيليا ماذ تريد أن أفعل لكَ قبل أن أُؤخذ منك، قالَ لهُ:
" ولما عبرا قال إيليا لأليشع: ﭐطلب ماذا أفعل لكَ قبل أن أُوخذ منك، فقال أليشع: ليكن نصيب ﭐثنين من روحك عليَّ (ضعف ما لديك من قوة روحية)... ورفعَ رداء إيليا الذي سقطَ عنهُ، ورجع ووقف على شاطئ الأردن، فأخذَ رداء إيليا الذي سقط عنهُ، وضرب الماء وقال: أينَ هوَ الرب إله ايليا؟ ثمَّ ضرب الماء أيضًا فٱنفلقَ إلى هنا وهناك، فعبرَ أليشع ".
(سفر الملوك الثاني 2 : 9 – 14).
كانَ يُدرك، ما سيُواجههُ من حروب شرسة عندما سيبدأ خدمته، كانَ يُدرك أنَّ إيزابل ما زالت حيَّة، وهوَ لم يشأ أن يحصل معهُ ما حصلَ مع إيليا، وأدركَ أنَّ الحل يكمن، في مسحة مُضاعفة، أقوى من المسحة التي كانت على إيليا، فطلبَ ونال طلبته، وأمسكَ ذلكَ الرداء الممسوح مسحة مضاعفة، وضرب بهِ نهر الأردن فٱنفلقَ إلى هنا وهنالك..
فعبرَ أليشع..
ذلكَ النهر الذي قلنا عنهُ، أنَّهُ حد فاصل بين شعب عاش تحت العبودية فتأصَّلت فيه، وكان عاجزًا عن إكمال الرحلة ومواجهة التحديات الكُبرى..
وشعب أراد الحرية، وعزم على ﭐسترجاع الأرض المُحتلة وإطلاق الأسرى، فعبر بهم يشوع، فٱمتلكوا الأرض وهدموا الأسوار الشامخة التي حاولت إعاقتهم..
وتلكَ المسحة التي نالها أليشع، صنعت معجزات، قهرت جيوش، أقامت موتى، شفت مرضى، وكما أجرى الرب معجزات غير المعتادة على يد بولس، كما ذكرنا عن المآزر التي أُخذت عن جسده، أجرى الله معجزة بواسطة أليشع، ما زال المُفسِّرون حتَّى يومنا هذا، يتحيَّرون في تفسيرها:
" وماتَ أليشع فدفنوه، وكانَ غُزاة موآب تدخل على الأرض عند دخول السنة، وفيما كانوا يدفنون رجلاً، إذا بهم قد رأوا الغزاة، فطرحوا الرجل في قبر أليشع، فلما نزل الرجل ومسَّ عظام أليشع، عاش وقام على رجليه " (سفر الملوك الثاني 13 : 20 – 21).
هل تُفاجئك هذه الكلمات؟
إنها كلمة الرب..
وهل تريد تلكَ المسحة؟
فلنصرخ إلى الرب، ولنطلب منهُ أن يُقيم في كنائسنا اليوم رسلاً..
لهم مسحة رسولية.. مسحة مضاعفة كما طلب أليشع، نسير معًا تحتَ رايتها.. نجمع القطيع المُشتَّت.. نُضمِّد جراحه.. نُطعمه ونحميه.. نشفي المرضى، نُحرِّر المُقيَّدين، نُرعب مملكة الظلمة.. نُحارب وحوشًا وننتصر عليهم، نسترد الأرض المُحتلة، نربح بلدانًا، نربط القوي وننزع سلاحه، وندخل داره، ونُطلق الأسرى ونسلب الغنائم..
ب - المسحة النبوية:
قد لا تجد أهم من إيصال توجيهات القائد إلى مُحاربيه خلال كل مراحل الحرب، ومن المُتعارف عليه أن ﭐنعدام وصول هذه التوجيهات، قد يؤدِّي إلى ضعضعة المُحاربين، وإلى خسارة الحرب، ولهذا تعمد الجيوش إلى ﭐستخدام أفضل وسائل الاتصال، وتعمل على حمايتها بدقة متناهية، وتعمل على تعدُّدها حتى إذا تعطَّلت واحدة أو إثنتين منها، تبقى وسائل أُخرى، والعدو الذي يعرف أيضًا أهمية هذا الاتصال، فهوَ يعمل جاهدًا منذُ ساعات الحرب الأولى على ضرب أو تشويش هذه الاتصالات..
وما يصح عل صعيد الحرب العسكرية، ينسحب أيضًا على صعيد الحرب الروحية، ولهذا ينبغي علينا دومًا أن نتنبَّه إلى هذا الأمر الهام، ونحرص على البقاء على ﭐتصال دائم مع قائدنا.. قائد حربنا.. رب الجنود..
وتُحذِّرنا كلمة الله عندما تقول:
" بلا رؤية يجمح الشعب... " (سفر الأمثال 29 : 18).
فعندما تنعدم الرؤية بسبب فقدان الاتصال مع الله، فالشعب يتضعضع ويجمح بكل تأكيد..
وواضح بما لا يقبل الشك، أن الله كانَ ولا يزال حتى يومنا هذا، يُوصل توجيهاته إلى شعبه بواسطة الأنبياء..
الموهبة المفقودة للأسف.. لكن ليسَ بعد اليوم بٱسم الرب يسوع المسيح..
" إنَّ السيد الرب لا يصنع أمرًا، إلاَّ وهوَ يُعلن سرَّهُ لعبيده الأنبياء ".
(سفر عاموس النبي 3 : 7)
قبلَ أن يولد صموئيل النبي، يقول الكتاب المُقدَّس:
" وكانت رسائل الرب نادرة في تلك الأيام، والرؤى عزيزة " (سفر صموئيل الاول 3 : 1).
ولذلكَ مرَّ الشعب حينها بفتور روحي مخيف، فكانَ أولاد عالي الكاهن، يرتكبون أمورًا فظيعة وشنيعة في بيت الله، حتَّى وصلَ بهم الأمر إلى ﭐرتكاب الزنى مع النساء أمام بيت الله..
نعم إنها الموهبة المفقودة.. أو الشريعة المدفونة..
لكن من دونها لن ننجح في حربنا.. فتعالوا نتعلَّم معًا..
عندما مات الملك حزقيا، خَلَفَهُ على العرش ﭐبنهُ منسَّى، الذي ﭐرتكبَ أفظع الخطايا والشرور في عيني الرب، إذ أقام تمثالاً للبعل في هيكل الله، والأهم من كل ذلكَ، أنَّهُ أضلَّ الشعب، فٱرتكبوا ما هوَ أقبح ممَّا ترتكبهُ الأمم.. وقد دام حكمهُ خمسة وخمسين سنة.. وقت طويل وكافٍ لكي ينسى الشعب إلهه.. وما إن خَلَفَهُ ﭐبنهُ آمون حتَّى سار على طريقهِ، فذبحَ للتماثيل التي عملها أبوه..
لكن بعد موته ملكَ مكانه ﭐبنهُ يوشيَّا الذي عملَ ما هوَ صالح في عيني الرب.. وفي السنة الثامنة عشرة لحكمه، وبينما كانَ العاملون في هيكل الله يُخرجون الفضة، تقول الكلمة:
" قد عثرتُ على سفر الشريعة في هيكل الرب ".
الشريعة المدفونة.. حوالي سبعين سنة..
ممَّا جعلَ الشعب يضل ويعبد الأوثان ويرتكب أفظع وأشنع الخطايا والشرور في عيني الرب، فيجلب على نفسه الويلات والمآسي والدمار والموت..
وعندما سُلِّمَت تلكَ الشريعة إلى الملك وقرأها، مزَّق ثيابه، إذ ﭐكتشفَ كم أصبحوا بعيدين عن طرق الله، وﭐكتشفَ كل أسباب الهزيمة والويلات.. فطلبَ إلى الذين جاؤوه بالشريعة أن يذهبوا ويسألوا الله عن مصيره ومصير من بقيَ من الشعب، فما كانَ منهم إلاَّ أن ذهبوا إلى النبيَّة " خلدة " ، التي أوصلت للملك بعد طول غياب، توجيهات الله، فصحَّحَت المسار، وعاد الشعب إلى الله، وﭐحتفلوا بعيد الفصح بعد طول غياب..
(سفر أخبار الأيام الثاني 33 : 21 – 35 : 1).
شريعة مدفونة.. وموهبة مدفونة.. والنتيجة بُعد عن طرق الله.. فقدان الاتصال مع القائد.. هزيمة، ويلات ومآسي.. دمار وموت..
وعندما تمَّ نفض الغبار عن تلكَ الشريعة.. وعندما عاد الاتصال مع الرب من خلال النبيَّة " خلدة "، عادَ الشعب إلى الرب، فعادت النصرة وعاد الفرح وعادت الأعياد..
فلننفض الغبار عن هذه الموهبة المدفونة.. ولنصرخ إلى الله، لكي يُقيم أنبياء في وسطنا، وينقل لنا توجيهاته كل يوم بيومه.. فننتصر ونهزم أعداءَنا ونربح الحروب ونتسرد الأراضي المحتلة..
ماذا بعد؟
مقاطع ثمينة من كلمة الله توضح لنا دور الأنبياء على مر العصور:
" يا إلهنا أما تقضي عليهم لأنَّهُ ليس فينا قوة أمام هذا الجمهور الكثير الآتي علينا، ونحن لا نعلم ماذا نعمل ولكن نحوك أعيننا، وبينما كان كل بني يهوذا واقفين أمام الرب مع أطفالهم ونسائهم وبنيهم، حلَّ روح الرب على يحزيئيل بن زكريا بن بنايا بن يعيئيل بن متّنيا اللاوي من بني آساف، الذي كانَ واقفًا وسط الجماعة، فقال: ﭐصغوا يا جميع يهوذا وسكان أورشليم وأيها الملك يهوشافاط، هكذا قال الرب لكم: لا تخافوا ولا ترتاعوا بسبب هذا الجمهور الكثير، لأنَّ الحرب ليست لكم بل لله، غدًا ﭐنزلوا عليهم، هوَّذا هم صاعدون في عقبة صيص، فتجدوهم في أقصى الوادي أمام برية يروئيل، ليسَ عليكم أن تُحاربوا في هذه، قفوا ﭐثبتوا وﭐنظروا خلاص الرب معكم يا يهوذا وأورشليم لا تخافوا ولا ترتاعوا، غدًا ﭐخرجوا للقائهم والرب معكم، فخرَّ يهوشافاط لوجهه على الأرض وكل يهوذا وسكان أورشليم سقطوا أمام الرب سجودًا للرب... وبكَّروا صباحًا وخرجوا إلى بريَّة تقوع، وعند خروجهم وقف يهوشافاط وقال: ﭐسمعوا يا يهوذا وسكان أورشليم، آمنوا بالرب الهكم فتأمنوا، آمنوا بأنبيائه فتفلحوا " (سفر أخبار الأيام الثاني 20 : 12 – 20).
لم يكن الملك يهوشافاط يعرف ماذا ينبغي أن يفعل أمام جمهور كبير من الأعداء يُحاصرهُ، لكن تلكَ الموهبة.. موهبة النبوءَة، لم تكن مدفونة خلال حكمه، فأرسل الرب توجيهاته الدقيقة للملك وللشعب، فٱنتصرَ الشعب على أعدائه، وقال الملك:
آمنوا بالأنبياء فتفلحوا..
فعل نفعل مثلهم؟
ماذا بعد؟
- النبوءَة تُشجِّع وتُشدِّد وتُعيد الشعب إلى الله، وتحميه من كل شر وخطيئة، وتجمع الشعب حول قائده من جديد، بعد الفرقة والبعد..
" وكانَ روح الله على عزريا بن عوديد، فخرج للقاء آسا (الملك) وقالَ له: ﭐسمعوا لي يا آسا وجميع يهوذا وبنيامين، الرب معكم ما كنتم معه، وإن طلبتموه يوجد لكم، وإن تركتموه يترككم، ولإسرائيل أيام كثيرة بلا إله حق وبلا كاهن معلّم وبلا شريعة، ولكن لمَّا رجعوا عندما تضايقوا إلى الرب إله إسرائيل وطلبوه وُجد لهم، وفي تلك الأزمان لم يكن أمان للخارج، ولا للداخل، لان ﭐضطرابات كثيرة كانت على كل سكان الأراضي، فأُفنيت أُمَّة بأُمَّة ومدينة بمدينة، لأنَّ الله أزعجهم بكل ضيق، فتشدّدوا أنتم ولا ترتخِ أيديكم، لأنَّ لعملكم أجرًا، فلمَّا سمع آسا هذا الكلام، ونبوَّة عوديد النبي، تشدَّد ونزع الرجاسات من كل أرض يهوذا وبنيامين، ومن المدن التي أخذها من جبل أفرايم، وجدَّدَ مذبح الرب الذي أمام رواق الرب، وجمعَ كل يهوذا وبنيامين والغرباء معهم من أفرايم ومنسّى، ومن شمعون لأنَّهم سقطوا إليه من إسرائيل بكثرة، حين رأوا أن الرب إلهه معه ".
(سفر أخبار الأيام الثاني 15 : 1 – 9).
ماذا بعد؟
لا يُمكن لمؤمن أو لكنيسة أن يختبرا طعم النبوءَة، ليعودا ويتوقفا بعدها عن تذوقه بصورة دائمة..
ويهوشافاط الذي ﭐختبرَ مع شعبه نتائج النبوءَة، عندما أحاطت بهم جيوش كثيرة، لم يكن يتحرك في أي حرب، دون ﭐستشارة الأنبياء:
" فقال يهوشافاط: أليسَ هنا نبيٌّ للرب فنسأل الرب به؟ فأجابَ واحد من عبيد ملك إسرائيل وقال: هنا أليشع بن شافاط، الذي كان يصبّ ماء على يدي إيليا ".
(سفر الملوك الثاني 3 : 11).
تأكيد في هذه الآيات على أنَّ الرب يوصل توجيهاته إلى شعبه من خلال الأنبياء:
أليسَ هنا نبيٌّ للرب، نسأل الرب بهِ؟
وماذا بعد؟
- النبوءَة تُعيد بناء كل ما تهدَّمَ..
" فتنبأ النبيَّان حجي النبي وزكريا ﭐبن عدّو، لليهود الذين في يهوذا وأورشليم بٱسم إله إسرائيل عليهم، حينئذٍ قام زربابل بن شألتئيل ويشوع بن يوصاداق، وشرعا ببنيان بيت الله الذي في أورشليم ومعهما أنبياء الله يساعدونهما... وكان شيوخ اليهود يبنون وينجحون حسب نبوَّة حجي النبي وزكريا ﭐبن عدّو، فبنوا وأكملوا حسب أمر إله إسرائيل وأمر كورش وداريوس وأرتحششتا ملك فارس " (سفر عزرا 5 : 1 – 2، 6 : 14).
وماذا بعد؟
- النبوءَة تفضح خطط العدو، فتُنبِّه الشعب.. وتجعل العدو يفشل..
" وأمَّا ملك أرام فكان يُحارب إسرائيل، وتآمر مع عبيده قائلاً: في المكان الفلاني تكون محلتي، فأرسل رجل الله (النبي أليشع) إلى ملك إسرائيل يقول: ﭐحذر من أن تعبر بهذا الموضع، لأنَّ الأراميين حالُّون هناك، فأرسلَ ملك إسرائيل مُراقبيه إلى الموضع الذي أخبرهُ عنهُ رجلَ الله، فتأكَّدَ من صحَّة النبأ، فٱضطربَ قلب ملك أرام من هذا الأمر، ودعا عبيده وقال لهم: أما تُخبرونني من منَّا هوَ لملك إسرائيل، فقالَ واحد من عبيده: ليسَ هكذا يا سيدي الملك، ولكن أليشع النبي، الذي في إسرائيل يُخبر ملك إسرائيل بالأمور التي تتكلم بها في مخدع مضجعك " (سفر الملوك الثاني 6 : 8 – 12).
لا أستطيع أن أُوفي موهبة النبوءَة حقَّها بصفحات قليلة.. ولا أستطيع مهما شرحت أن أُبرز مدى أهميَّة دور الأنبياء في بنيان جسد الرب.. في توجيه الشعب وإيصال توجيهات الله الدائمة لهُ.. في فضح خطط العدو.. في حسم المعارك وربح الحروب التي تخوضها الكنيسة.. وفي رفع إيمان الشعب وتشديدهم وتشجيعهم..
أُرفض أن تحيا يومًا واحدًا دون أن تصرخ فيه إلى الله، لكي يُقيم في كنيستك أنبياء.. أُنفض الغبار عن هذه الموهبة المدفونة..
إحمِ أنبياء الله في وسطك من كل حرب يشنَّها العدو عليهم، لأنهم دومًا مُستهدفين من العدو، نظرًا لما يشكلون عليه من خطر كبير..
وسوف ترى الفرق الكبير والشاسع بين عدم وجود أنبياء في وسط الشعب.. وبينَ وجودهم..
- قتلة الأنبياء:
على مر العصور، والأنبياء هدف رئيسي للعدو..
لأنَّ العدو يعرف أنَّهُ عندما ينجح في قطع الاتصال بين المُحاربين وقائدهم..
فهوَ يكون قد حسمَ المعركة لصالحه..
وكلمة الله أكدَّت لنا صحَّة هذا المبدأ في ما سبقَ وتأملنا فيه..
ولذلكَ فإنَّ الشيطان كانَ ولا يزال وسيبقى يُركِّز حربه على الأنبياء، وللأسف أنَّ العدو يستخدم مرارًا كثيرة المؤمنين لكي يقوم بهذه المهمة.. وهُم لا يعلمون ماذا يفعلون !!!
فلنتعلَّم معًا.. ولنفضح خطط الشيطان.. ولنحمِ أنبياء الله..
والله العارِف بمدى خطورة هذا الموضوع قال كما سبقَ وذكرنا:
" لا تمسُّوا مُسحائي ولا تُسيئوا إلى أنبيائي " (المزمور 105 : 15).
وبمعنى أوضح.. حافظوا على الرسل والأنبياء وتعليمهم..
- ما بينَ إيزابل.. والفريسيين.. وما بينَ روح الخوف.. وروح التديُّن..
نعم كانت إيزابل قاتلة الأنبياء دون مُنازع.. مُستخدمةً أرواح الخوف..
هذا الروح الخطر على أنبياء ورجالات الله.. والذي يستخدمهُ إبليس كثيرًا..
فعندما يستسلم القادة للخوف.. الخوف غير الطبيعي.. الخوف المُتأتِّي عن هجوم شرس لهذه الأرواح على رجالات الله وأنبيائه..
فإنهم ينهزمون لا محالة !!!
ولكي نضع هذا الموضوع في قالبه الحقيقي، حتَّى لا يفوتنا الهدف الأساسي من قتل الأنبياء.. دعونا نعلم علمَ اليقين، أن روح التخويف الذي ﭐستخدمتهُ إيزابل، كان وسيلة لتحقيق هدفها وليسَ الغاية قطعًا..
فليسَ الغاية أن يُخيف إبليس الأنبياء لمُجرَّد إخافتهم فقط..
بل هوَ يُخيفهم لكي يُعطِّل دورهم الأساسي..
فإيزابل كانت ولا تزال.. المرأة التي ترمز إلى الزنى.. الزنى الروحي الذي يُزيغ قلب الشعب عن الله.. ويجعلهُ يعبد آلهة غريبة تجلب غضب الرب.. وتجلب المآسي والويلات والدمار والموت.. وبالنهاية خسارة الحرب..
هذه هيَ خطَّتها بالضبط..
وعندما تكلَّم الرب إلى كنيسة ثياتيرا في سفر الرؤيا، قال لملاك تلكَ الكنيسة:
" لكن عندي عليك قليل، أنَّكَ تُسيِّب المرأة إيزابل، التي تقول أنها نبيَّة، حتَّى تُعلِّم وتغوي عبيدي أن يزنوا ويأكلوا ما ذُبِح للأوثان " (سفر الرؤيا 2 : 20).
لاحظ معي ما تقوله الكلمة، فهي ليست تُريد قتل الأنبياء فحسب.. بل أن تأخذ دورهم، إذ إنها تدَّعي بأنها نبيَّة، وهنا يكمن مكر العدو، لأنَّ الشعب تعلَّم أن الأنبياء هم من ينقلون لهُ توجيهات الله، وعندما يعتبر أنَّ إيزابل هيَ نبيَّة، فسوف يتلقَّف منها ما تقولهُ وكأنَّه من الله، ويسير وراءَها، وهنا تكمن خطورة هذه الخدعة..
جاءَت تلكَ المرأة من أرض غريبة.. أرض عبادة الأوثان والزنى الروحي، ودخلت في وسط شعب الله، من خلال زواجها بأخآب الملك:
" وعمل أخآب بن عمري الشر في عيني الرب أكثر من جميع الذين قبله، وكأنَّهُ كان أمرًا زهيدًا سلوكه في خطايا يربعام بن نباط، حتَّى ﭐتَّخذَ إيزابل ﭐبنة إثبعل ملك الصيدونيين، ﭐمرأةً وسار وعبد البعل وسجد له " (سفر الملوك الأول 16 : 30 – 31).
خطيئة الزنى الروحي، بعبادة آلهة غريبة وأوثان.. هيَ خطيئة شنيعة للغاية، تجلب غضب الله والدمار والموت للشعب، فتجعلهُ ينصرف عن مهمته الأساسية، بٱمتلاك الأرض وتحقيق الوعود.. لا بل تجعلهُ ينهزم أمام أعدائه..
ولم يكن صدفةً أن تكون الوصية الأولى لله:
" لا يكن لكَ آلهة أُخرى أمامي، لا تصنع لكَ تمثالاً منحوتًا، ولا صورة ما ممَّا في السماء من فوق، وما في الأرض من تحت، وما في الماء من تحت الأرض، لا تسجد لهنَّ ولا تعبدهنَّ، لأنِّي أنا الرب إلهك إله غيور، أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء، في الجيل الثالث والرابع من مبغضيَّ، وأصنع إحسانًا إلى ألوف من مُحبيَّ وحافظي وصاياي ".
(سفر الخروج 20 : 3 – 6).
إله غيور.. لا يُمكن أن يكون لهُ شريك آخر في قلب شعبه وأولاده..
لذا بدت خطَّة إبليس واضحة للغاية.. بأن يجعل شعب الله يُخالف الوصيَّة الأولى..
فيُثير غيرة الله.. ويجلب غضب الله على نفسه، فينهزم ويخسر الحرب..
عجز الملك بالاق بن صفور وبلعام.. وإبليس من خلفهما على ما يبدو.. أن يهزموا الشعب بالقوة..
فجاءَت تلكَ النصيحة القاتلة:
" إنهنَّ أي النساء بٱتباعهنَّ نصيحة بلعام أغوينَ بني إسرائيل لعبادة فغور، وكُنَّ سبب خيانة للرب، فتفشىَّ الوباء في جماعة الرب " (سفر العدد 31 : 16).
عبادة أوثان.. والنتيجة، الدمار وخسارة الحرب..
ولعلَّ ما ذكرناه قبل قليل عن الملك منسَّى يوضح الصورة أيضًا، فهوَ أقام تمثالاً للبعل في هيكل الله، فأضلَّ الشعب، فٱرتكبوا ما هوَ أقبح ممَّا ترتكبهُ الأمم.. والنتيجة السبي والدمار والهزيمة..
وبقيَ الشعب على هذه الحالة حوالي سبعين سنة، إلى أن قامت النبيَّة " خلدة " بدورها.. وصححت المسار..
لأنَّهُ لو تأمَّلتَ في كل أسفار العهد القديم، لاكتشفت أنَّ الله كان يستخدم الأنبياء لكي يُنبِّه الشعب من هذه العبادات، ولكي يردهم عن هذا الشر القاتل..
كانوا الرادع والدرع الواقي للشعب من عبادة آلهة غريبة..
وعندما غابَ الأنبياء.. عندما دُفنت هذه الموهبة..
أزاغ إبليس قلب الشعب وجعلهُ يعبد آلهة غريبة..
لا بل يستبدل الله بتلكَ الآلهة..
ولهذا السبب الجوهري والمُخيف.. بنى إبليس ﭐستراتيجيته:
1 – أقتل الأنبياء وأُخفي أصواتهم..
2 – فأتمكَّن من إغواء الشعب وسوقه لعبادة الأوثان..
3 – فأجلب عليه الدمار والموت وخسارة الحرب..
ودخلت إيزابل على الخط، لتُنفِّذ ﭐستراتيجية إبليس..
قَتْل الأنبياء وإخفاء أصواتهم.. مدعومة بأرواح التخويف..
" وكانَ حينما قطعت إيزابل أنبياء الرب... " (سفر الملوك الأول 18 : 4).
لكنّ النبي إيليا عصا عليها في البداية، حيثُ ﭐستخدمهُ الرب لكي يُعطِّل ﭐستراتيجية الشيطان، فقتلَ أنبياء البعل.. وأعادَ قلب الشعب لله.. كما هيَ مهمَّة كل نبي:
" ﭐستجبني يا رب ﭐستجبني، ليعلم هذا الشعب أنَّكَ أنتَ الرب الإله، وأنَّكَ أنتَ حوَّلتَ قلوبهم رجوعًا، فسقطت نار الرب وأكلت المُحرقة والحطب والحجارة والتراب، ولحست المياه التي في القناة، فلمَّا رأى جميع الشعب ذلكَ، سقطوا على وجوههم وقالوا: الرب هو الله الرب هو الله، فقالَ لهم إيليا: ﭐمسكوا أنبياء البعل، ولا يفلت منهم رجل، فأمسكوهم، فنزلَ بهم إيليا إلى نهر قيشون وذبحهم هناك " (سفر الملوك الأول 18 : 37 – 40).
لكن إيزابل كانت بالمرصاد.. لكي تُنفِّذ ﭐستراتيجية إبليس، فأرسلت إلى إيليا من يقول لهُ:
" ... هكذا تفعل الآلهة وهكذا تزيد، إن لم أجعل نفسك كنفس واحد منهم في نحو هذا الوقت غدًا، فلمَّا رأى ذلكَ، قامَ ومضى لأجل نفسه، وأتى الى بئر سبع التي ليهوذا، وترك غلامه هناك " (سفر الملوك الأول 19 : 2 – 3).
نجحت إيزابل في تخويف إيليا.. فهرب إلى البرية، وطلب من الله أن يُميته.. وبقيَ على إصراره حتىَ أخذهُ الله.. قبلَ أن يُكمل مهمته..
إنها قاتلة الأنبياء..
وهذا الروح.. روح إيزابل.. ما زالَ حتى يومنا هذا يتبع الاستراتيجية نفسها.. وإن كانَ بطرق أدهى.. ولهذا نسمع الرب في سفر الرؤيا يُحذِّر الكنائس منهُ..
هذا كانَ في العهد القديم.. لكن من أكملَ مسيرة إيزابل في العهد الجديد؟
" في ذلكَ اليوم تقدَّم بعض الفريسيين قائلين لهُ (أي للرب): ﭐخرج وﭐذهب من ههنا، لأنَّ هيرودس يريد أن يقتلك " (إنجيل لوقا 13 : 31).
لغة إيزابل نفسها.. التخويف.. هيرودس سيقتلك..
لكنهُ الرب وليسَ إيليا، فقالَ لهم:
" ... أُمضوا وقولوا لهذا الثعلب: ها أنا أُخرِج شياطين... يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها، كم مرة أردت أن أجمع أولادك، كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها، ولم تُريدوا " (إنجيل لوقا 13 : 31 – 34).
حقائق ثمينة في هذا المقطع فلنتأمَّل فيها بعناية:
1 – رأى الرب إبليس كثعلب ماكر، يُكمل خطَّة إيزابل نفسها لكن بطريقة أدهى..
2 – قولوا لهُ.. أنا جئت لأُخرج شياطين.. لأُخرج روح إيزابل المُتخفِّي هذه المرة بمظهر آخر..
3 - ثمَّ يُزيل القناع لكي يظهر وجه إيزابل بوضوح.. فيقول:
يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء.. كـم مرَّة حاولت من خلال أولئك الأنبياء وتحذيراتهم، أن أجمعكم من جديد.. لكنكم لم تُريدوا.. بل قتلتموهم..
فهل أورشليم هيَ من قتلت الأنبياء.. أم من؟
" ويلٌ لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون، لأنكم تبنون قبور الأنبياء وتُزيّنون مدافن الصدِّيقين، وتقولون لو كنا في أيام آبائنا لما شاركناهم في دم الأنبياء، فأنتم تشهدون على أنفسكم أنكم أبناء قتلة الأنبياء، فٱملأوا أنتم مكيال آبائكم... لذلكَ ها أنا أُرسل إليكم أنبياء وحكماء وكتبة، فمنهم تقتلون وتصلبون، ومنهم تجلدون في مجامعكم، وتطردون من مدينة إلى مدينة... يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها، كم مرَّة أردتُ أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها، ولم تُريدوا، هوَّذا بيتكم يُترك لكم خرابًا " (إنجيل متى 23 : 29 – 38).
إيزابل العهد القديم.. وفريسيُّو العهد الجديد وأيامنا هذه..
هُم قتلة الأنبياء !!!
بالطريقة نفسها، لكن بدهاء أكبر.. قد لا يكتشفها المؤمنون بسهولة.. فهيَ تتستَّر تحتَ غطاء روحي.. التديُّن..
لأنَّهُ ليسَ من السهل أن تطلب من المؤمنين أن يعبدوا آلهة غريبة، ويستبدلوا الله بها.. لكن عندما تُغلِّف هذا المبدأ الشنيع.. بغطاء روحي.. سيغدو الوقوع فيه سهلاً للغاية !!!
فضحهم الرب إذ قال:
" وكل أعمالهم يعملونها لكي تنظرهم الناس، فيعرضون عصائبهم، ويُعظِّمون أهداب ثيابهم، ويُحبُّون المتكأ الأول في الولائم، والمجالس الأولى في المجامع، والتحيَّات في الأسواق، وأن يدعوهم الناس سيدي سيدي " (إنجيل متى 23 : 5 – 6).
المبدأ نفسه.. لكن برياء ومكر وخداع روحي مُرعب ومُخيف، يريدون من الناس أن ينصرفوا عن عبادة الله الحقيقية، لكي يعبدوا آلهة أُخرى.. لكي يعبدوا الفريسيين وتقاليدهم وعاداتهم وطباعهم.. لكي ينظرهم الناس عوضًا من أن ينظروا الله.. ويدعونهم سيدي.. سيدي.. أرادوا أن يستبدلوا الله بتقاليدهم.. وبعبادة مُزيَّفة، عبادة اللسان، بينما القلب بعيد:
" ثمَّ سألهُ الفريسيون والكتبة لماذا لا يسلك تلاميذك حسب تقليد الشيوخ؟ ... فأجاب وقال لهم: حسنًا تنبَّأَ إشعياء عنكم، أنتم المُرائين كما هو مكتوب، هذا الشعب يُكرمني بشفتيه، وأمَّا قلبه فمبتعد عني بعيدًا، وباطلاً يعبدونني وهم يُعلِّمون تعاليم هي وصايا الناس، لأنَّكم تركتم وصية الله، وتتمسكون بتقليد الناس... ثُمَّ قال لهم: حسنًا رفضتم وصية الله لتحفظوا تقليدكم... مُبطلين كلام الله بتقليدكم الذي سلمتموه، وأمورًا كثيرة مثل هذه تفعلون " (إنجيل مرقس 7 : 5 – 13).
ليسَ كلامًا أوضح من هذا..
وعندما أقامَ الرب لعازر.. إقرأ معي ما فعلهُ الفريسيون، لكي تتضح لكَ الصورة أكثر:
" وأمَّا قوم منهم فمضوا إلى الفريسيين وقالوا لهم عمَّا فعل يسوع، فجمع رؤساء الكهنة والفريسيون مجمعًا وقالوا: ماذا نصنع؟ فإنَّ هذا الإنسان يعمل آيات كثيرة، إن تركناه هكذا، يؤمن الجميع بهِ، فيأتي الرومانيون ويأخذون موضعنا وأُمّتنا، فقالَ لهم واحد منهم، وهو قيافا، كان رئيسًا للكهنة في تلك السنة: أنتم لستم تعرفون شيئًا، ولا تُفكِّرون أنه خير لنا أن يموت إنسان واحد عن الشعب، ولا تهلك الأمَّة كلها، ولم يقل هذا من نفسه، بل إذ كانَ رئيسًا للكهنة في تلك السنة، تنبَّأَ أنَّ يسوع مُزمع أن يموت عن الأمَّة، وليسَ عن الأمَّة فقط، بل ليجمع أبناء الله المتفرِّقين إلى واحد، فمن ذلك اليوم تشاوروا ليقتلوه ". (إنجيل يوحنا 11 : 46 – 48).
ما أخطر الفريسيين وما أخطر خميرتهم التي حذَّرنا الرب منها، فهُم لم يُنكِروا أنَّ الرب يفعل آيات ومعجزات.. بل على العكس، فإنَّ قيافا أدركَ أن الرب سيجمع أبناء الله المتفرِّقين.. لكن مع هذا أرداوا قتله..
خوفًا من أن يتبعهُ الشعب، ويتوقَّف عن عبادة الفريسيين وتقاليدهم..
وخوفًا على موضعهم ومنصبهم.. لقد عبدوا الموقع والمنصب وعبدوا أنفسهم..
وأرادوا من الشعب أن يفعل مثلهم !!!
ما أخطر هذا الكلام وهذا التصرف يا أحبائي..
ليسوا قتلة الأنبياء فقط.. بل قتلوا الرب نفسه !!!
كيف ﭐستخدمهم إبليس، وكيفَ قد يستخدمنا لتطبيق ذلكَ؟
قبلَ أن يعود الرسول بولس إلى أورشليم، ﭐستدعى القادة والخدام في أفسس، وحذَّرهم قائلاً:
" ﭐحترزوا إذًا لأنفسكم ولجميع الرعية، التي أقامكم الروح القدس فيها أساقفة لترعوا كنيسة الله التي ﭐقتناها بدمه، لأنِّي أعلم هذا، أنَّهُ بعد ذهابي سيدخل بينكم ذئاب خاطفة لا تُشفق على الرعية، ومنكم أنتم سيقوم رجال يتكلمون بأمور ملتوية، ليجتذبوا التلاميذ وراءَهم " (سفر أعمال الرسل 20 : 28 – 30).
لا خوف من الذئاب الخاطفة.. فالمؤمنون سيكتشفونها..
لكن الخوف من الثعالب الماكرة..
ولاحظ معي خطورة هذا الكلام:
لأنِّي أعلم.. قال بولس.
لقد كانَ مُتيقِّنًا من حصول ذلكَ الأمر..
أنَّهُ منكم أنتم.. القادة والخدام والمؤمنين.. وليسَ من خارج الكنيسة.. سيقوم رجال بأمور ملتوية.. لكي يجذبوا التلاميذ وراءَهم..
مبدأ الفريسيين نفسه.. جذب الناس وراءَهم وليس وراء الرب..
وكما حذَّر بولس القادة والخدام في أفسس، فهو حذَّرَ أيضًا كنيسة فيلبي:
" على أنِّي أرجو في الرب يسوع، أن أُرسل إليكم سريعًا تيموثاوس، لكي تطيب نفسي إذا عرفت أحوالكم، لأن ليس لي أحد آخر نظير نفسي يهتم بأحوالكم بإخلاص، إذ الجميع يطلبون ما هو لأنفسهم، لا ما هو ليسوع المسيح " (رسالة فيلبي 2 : 19 – 21).
ما أخطر هذا الكلام لرسول مثل بولس.. الجميع، وليسَ واحد أو إثنان..
بل الجميع يطلبون ما لأنفسهم.. لا ما هوَ للرب..
آلهة غريبة.. نار غريبة.. عبادة الذات عوضًا عن الله..
حب الظهور.. والأخطر.. سرقة مجد الله..
وتتوالى الخطة فصولاً..
لأنَّهُ عندما يقوم البعض منَّا بٱجتذاب قسم من المؤمنين، لكي يلتفوا حولهُ.. أي عندما نلعب دور الفريسيين.. فسوف نرى الكنيسة وقد أصبحت خلايا مُتعدِّدة، تلتف كل واحدة منها حول من ﭐجتذبها، وتعمل لهُ ولنفسها، لكن ليسَ لله قطعًا..
وهكذا سنُصبح.. أنا للقائد الفلاني.. وأنا للخادم الفلاني..
لكن ليسَ هناك من هوَ للمسيح..
لأنَّهُ عندما ننجذب وراء قادة وخدام، فنحنُ سنُشابههم، ولأنَّ كل قائد أو خادم لا يُشبه الآخر.. فسنشهد ﭐنقسامات.. وخصومات..
وعليه.. لا نلبث أن نكتشف أنَّ الشعب يخوض معارك أخرى جرَّهُ إليها العدو.. ولا أحد منَّا يُقاتل إبليس.. والأرض ستبقى مُحتلَّة ولا من يستردها..
والحماية الوحيدة من هذه الخدع الخطرة أن ننجذب فقط إلى الرب، أن نُركِّز عيوننا عليه وحدهُ.. أن نُشابههُ هوَ وحده، وعندما نُشابههُ، سنُشابه بعضنا البعض، فالالتفاف حوله سيوحِّدنا، وسيجعلنا نعمل لهُ وحده، نعبده وحده، ولن ننزلق عندها لعبادة آلهة غريبة.. تجلب علينا غضب الله، والهزيمة في الحرب التي دُعينا لكي نربحها..
ولأنَّ الأنبياء هم الدرع الرادع والواقي لنا من كل هذا، فنحنُ نشهد حربًا دون هوادة عليهم من غالبية المؤمنين، متستِّرين تحت ستار روحي.. وأعذار كثيرة نُقدِّمها لنرفض خدمتهم في وسطنا:
1 – من يؤكد لنا صحة كلامهم..
2 – من يؤكد لنا أنَّ هذا الكلام هوَ من الله، فالنفس تتدخَّل وقد يكون هذا الكلام منها..
3 – الله قادر أن يُكلمني مباشرةً فلماذا الأنبياء؟
4 – الكثير من المؤمنين تأذُّوا بسبب نبوءَات جاءت على حياتهم..
5 – الكثير من المؤمنين أُحبطوا عندما لم تتحقق النبوءَات في حياتهم..
6 – الرب أوصانا أن نمتحن النبوءَات ولا نقبلها بسرعة..
7 - من سمحَ لهذه الكنيسة أن تمسح فلان نبيًّا.. فإقامة الأنبياء لها مراسم خاصَّة..
وأعذار.. وأعذار أُخرى كثيرة.. والهدف واحد.. وإن لم يكن مُعلنًا:
قتل الأنبياء وإخفاء أصواتهم..
نعم.. لنقلها كما هيَ بكل صراحة.. فالرب يُحبُّ الصراحة..
ويبقى السؤال لماذا؟
والجواب واحد:
غياب الأنبياء.. الدرع الرادع والواقي.. يُطلق العنان لإبليس لكي يُنفِّذ ﭐستراتيجيته نفسها.. إغواء الشعب وراء آلهة غريبة.. تحت ستار روحي كما شرحنا..
لأنَّ روح النبوَّة.. موهبة النبوَّة تفضح أسرار القلب.. وتُزيل القناع عن الوجه المُتخفِّي لإيزابل.. فيعود الشعب إلى الله:
فكلمة الله تقول:
" ولكن إن كانَ الجميع يتنبأون، فدخل أحد غير مؤمن أو عامي، فإنَّهُ يُوبَّخ من الجميع، يُحكم عليه من الجميع، وهكذا تصير خفايا قلبه ظاهرة، وهكذا يخرّ على وجهه، ويسجد لله مُناديًا أنَّ الله بالحقيقة فيكم " (رسالة كورنثوس الأولى 14 : 24 – 25).
فإن كان روح النبوَّة أو الأنبياء قادرون على فضح خبايا قلب غير المؤمنين، الذين لم يختبروا خلاص الله بعد.. فكم بالحري قادرين على فضح خبايا قلب أولاده، وفضح خطط إبليس الذي يريد أن يغويهم ويؤذيهم ويجذبهم وراء آلهة غريبة..
وكم حذَّر الله شعبه بواسطة أولئكَ الأنبياء لكي يفضح ما يُحاول إبليس أن يفعلهُ بهم ولكي يردَّهم إليه:
" فمن اليوم الذي خرجَ فيه آباؤكم من أرض مصر، إلى هذا اليوم، أرسلتُ إليكم كل عبيدي الأنبياء، مبكرًا كل يوم، ومُرسلاً، فلم يسمعوا لي، ولم يميلوا أذنهم، بل صلَّبوا رقابهم، أساءوا أكثر من آبائهم " (سفر إرميا النبي 7 : 25 – 26).
" وقد أرسلتُ إليكم كل عبيدي الأنبياء، مبكرًا ومرسلاً، قائلاً ﭐرجعوا كل واحد عن طريقه الرديئة، وﭐصلحوا أعمالكم، ولا تذهبوا وراء آلهة أُخرى لتعبدوها، فتسكنوا في الأرض التي أعطيتكم وآبائكم، فلم تميلوا أذنكم ولا سمعتم لي " (سفر إرميا النبي 35 : 15).
أحبائي: الله يُحبنا محبة غير مشروطة.. دَفَعتْهُ لكي يبذل ﭐبنهُ الوحيد عوضًا عنَّا.. وبسبب هذه المحبة، يُنذرنا ويُنبِّهنا.. وليسَ هذا الكلام للدينونة والحكم.. بل لتصحيح المسار.. وفضح خطط عدونا الوحيد إبليس.. لكي لا يخدعنا بمكره.. كما خدعت الحية حواء.. بل لكي نكون حذرين مُتنبِّهين يقظين.. فلا نُسلب ولا نُستخدم من العدو لكي نُقاتل بعضنا البعض.. بل نُستخدم من الله، لكي نقاتل عدونا الوحيد ونهزمه ونسترد أراضينا المحتلة..
لنسأل الله أن يُقيم في وسطنا أنبياء.. لكي ينقلوا لنا توجيهاته.. وخططه.. ولكي يكونوا لنا الدرع الواقي والرادع..
لنحممِ أنبياءَنا.. ولنشجعهم ولنشددهم ولنكرمهم..
ولنسمح لهم أن يقوموا بدورهم على أكمل وجه، كما أوصى الله النبي إرميا قائلاً:
" أُنظر، قد وكلتك هذا اليوم على الشعوب وعلى الممالك، لتقلع وتهدم وتُهلك وتنقض، وتبني وتغرس " (سفر إرميا النبي 1 : 10).
فإن كان فينا ما يحتاج للقلع أو للهدم.. فلندعهم يقلعونه ويهدمونه..
وإن كُنَّا بحاجة للبناء وللغرس، فلندعهم يبنون ويغرسون..
حتَّى لا يغدو بيتنا وكنيستنا خرابًا كما حذَّر الرب أورشليم !!!
لا تخف.. فهذه ليست دعوة.. لاستقبال كل النبوءَات دون ضوابط.. فكلمة الله كانت وستبقى مرجعنا الوحيد.. والرسول بولس قال:
" لا تحتقروا النبوءَات، ٱمتحنوا كل شيء، تمسَّكوا بالحسن ".
(رسالة تسالونيكي الأولى 5 : 20 – 21).
وقالَ أيضًا:
أمَّا الأنبياء فليتكلَّم ٱثنان أو ثلاثة، وليحكم الآخرون " (رسالة كورنثوس الأولى 14 : 29).
فلا تخف من الأنبياء ومن النبوءَات.. ولا تحتقرها.. طالما أنَّها تسير وفقًا لكلمة الله، فطالما أنَّك تسلك وفقًا لهذه الكلمة، تنتمي إلى كنيسة.. والأنبياء يتنبَّأون في كنيستك.. ويُحكم عليهم من الراعي وقادة الكنيسة، وطالما أنَّ حياتهم مكشوفة ومُراقبة من قادة الكنيسة، وليسَ فيها لوم.. صلِّ لله وقل لهُ:
" ربي أرسل لنا ما شئتَ من الأنبياء.. وليفضحونا مهما كانت حالتنا، وإن كانت فينا طرق ملتوية وباطلة، نقِّنا فنحنُ لن نسمح بأن نسرق مجدك.. ونخسر الحرب التي نخوضها بقيادتك.. آمين ".