ومهما سألتم باسمي
     
 

لو كنتَ تعلم كم يرتعب إبليس، وكم ترتعب كل مملكته من صلاة  المؤمنين وتشفُّعهم.. لكنتَ تولي هذا المقطع حقَّه، ولكنتَ تتلقَّف كل كلمة مكتوبة فيه..

لو تعلم كم يرتعب إبليس، من هذا الكلام الذي قاله الرب:
" ومهما سألتم بٱسمي، فذلك أفعله ليتمجَّد الآب بالابن " (إنجيل يوحنا 14 : 13).
لكنتَ بدأتَ تسألهُ الآن.. ودون تردد..
قال الرب: مهما سألتم..
أي شيء.. وفي كل المجالات.. فأنا رب الجنود سأفعلهُ..

كل هذا الكتاب.. وكل مضمونه.. يتمحور حول الحرب الدائرة بين إبليس ومملكته من جهة، وبينَ الله وأولاده من جهة أُخرى.. لكن لو كنتَ تعلم، أنَّ كل أمورنا وكل مشاكلنا وﭐحتياجاتنا الشخصية.. وﭐحتياجاتنا المتعلّقة بهذه الحرب، وبربح النفوس، وﭐسترداد الأراضي المسلوبة.. تُحسم كلّها في عرش النعمة.. في جلسات الصلاة الخاصة والحميمة بين كل واحد منَّا وبين الآب السماوي المحب.. لتغيَّرت كل أمورك وأمور خدمتك ومسار الحرب التي تشنَّها على إبليس ومملكته..

أ - أول كل شيء !!!

" فأطلب أول كل شيء، أن تُقام طلبات وصلوات وﭐبتهالات وتشكُّرات، لأجل جميع الناس، لأجل الملوك وجميع الذين هُمْ في منصب، لكي نقضي حياة مُطمئنَّة هادئة في كل تقوى ووقار، لأنَّ هذا حسن ومقبول لدى مخلّصنا الله، الذي يُريد أنَّ جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يُقبلون " (رسالة تيموثاوس الأولى 2 : 1 – 4).

قالَ الرسول بولس: أطلب منكم أيها المؤمنون.. أول كل شيء..
أن تطلبوا من الله وتُصلُّوا لهُ، وتبتهلوا لهُ وتشكروه لأجل جميع الناس دون ﭐستثناء..
والهدف من كل ذلكَ.. هوَ خلاصهم من النار الأبدية.. ونيلهم الحياة الأبدية..
مؤكِّدًا لنا، أن هذا الأمر حسن ومقبول لدى الله.. لا بل هوَ مشيئته الصالحة للجميع..

ولو أدركنا أن كل حربنا التي نشنّها على إبليس ومملكته، وكل كدّنا ونشاطنا وتضحياتنا، ومخاطرتنا بحياتنا... تهدف في نهاية الأمر إلى خلاص النفوس.. لن نتوانى بعد اليوم لحظة واحدة عن الصلاة والتشفُّع.. لأنَّ المعنى الدقيق لكلمة " ﭐبتهال " هوَ التشفُّع..

ولو بسَّطنا الأمور.. لأدركنا أن سلاحنا الوحيد في الحرب مع إبليس هوَ الكلمة المنطوقة التي تخرج من أفواهنا.. هوَ الصلاة والتشفُّع والتسبيح والهتاف...
كوننا لا نُحارب لحماً ودمًا لكي نستخدم ما تستخدمهُ الجيوش، من أسلحة فردية أو إجمالية أو صواريخ ودبابات وطائرات...

ولو تفحّصنا المواجهة التي دارت بينَ الرب والشيطان في البريَّة، قبلَ أن يبدأ الرب خدمتهُ العلنية، لاكتشفنا أنَّ الرب واجه إبليس وتجاربه وحربه عليه، بالكلمة.. قائلاً لهُ:
مكتوب.. مكتوب.. مكتوب..

ب - التشفُّع

1 - لماذا نتشفَّع عن الآخرين؟
واضح كل الوضوح.. أنَّ الإنجيل أي البشارة بخلاص الله للبشرية، هوَ الطريق الوحيد للنجاة من نار جهنم، ولنيل الحياة الأبدية.. وكل من يجهل هذا الإنجيل لأي سبب كان، فهوَ هالك لا محالة..

ولهذا السبب عينه، قالَ الرسول بولس:
" ولكن إن كانَ إنجيلنا محجوبًا، فإنَّما هوَ محجوب لدى الهالكين، لدى غير المؤمنين الذين أعمى إله هذا العالم أذهانهم حتَّى لا يُضيء لهم نور الإنجيل المُختص بمجد المسيح، الذي هوَ صورة الله " (رسالة كورنثوس الثانية 4 : 3 – 4).

يؤكِّد الرسول بولس أنَّ الإنجيل محجوب لدى الهالكين أو غير المؤمنين، الذين لم يختبروا بعد خلاص الله، والذي يحجبهُ عنهم هوَ إبليس، لكي لا يُضيء لهم، فيفلتوا من قبضته، ومن الفخ الذي نصبهُ لهم، ويخلصون..

ولهذا السبب كلَّف الله أولاده المؤمنين، لكي يتشفَّعوا من أجل الهالكين، المحجوب عنهم نور الإنجيل، لكي تنفتح عيونهم، ويُضيء لهم هذا النور، فيستفيقوا من نومهم، ويخلصوا..

وبولس أوصانا بهذا الكلام، الذي ذكرناه عدَّة مرَّات، لأنَّ الرب قالَ لهُ:
" ... أنا الآن أُرسلك إليهم، لتفتح عيونهم كي يرجعوا من ظلمات إلى نور، ومن سلطان الشيطان إلى الله، حتى ينالوا بالإيمان بي غفران الخطايا ونصيبًا مع المُقدَّسين ".
(سفر أعمال الرسل 26 : 17 – 18).

نعم.. هذه هيَ خطة الله للناس أجمعين بكل بساطة.. لأنهُ وكما ذكرنا.. يُريد أنَّ جميع الناس يخلصون.. وإلى معرفة الحق - الموجود فقط في الإنجيل - يُقبلون.

2 - ما معنى أن نتشفَّع؟
ببساطة مُطلقة أيضًا.. يُمكننا أن نأخذ مثالاً بسيطًا لتوضيح هذا الأمر..
أب وأم وﭐبنهما..
ﭐبن شقي، يقوم بتصرفات صبيانية، وأحيانًا قد تكون سيِّئة للغاية.. فيأتي الأب لكي يُعاقبه بطرق مختلفة.. لكن الأم صاحبة القلب الحنون، تقف بينهُ وبين الأب، وتلتمس من زوجها ألاَّ يُعاقبهُ من أجل خاطرها أو إكرامًا لها، وتطلب منهُ أن يُعطيه فرصة أُخرى.. فيفعل.. وينزل عند رغبتها..

والأمر بين الله والناس الخطأة الهالكين.. يتم بالطريقة نفسها..
إنهم هالكون بسبب بعدهم عن الله، ورفضهم لوصاياه وتوجيهاته..
وهُم يستحقون العقاب، دون أي جدل..

نعم.. إنَّ إبليس هوَ من يُعمي أذهانهم.. ويُبعدهم عن الله.. لكنَّ في نهاية المطاف..
يبقى الإنسان هوَ المسؤول الوحيد عن قرارته التي يتخذها تجاه الله..
لكنَّ الله المُحب، والمُدرك لما يفلعهُ الشيطان ليُعمي أذهان هؤلاء الناس، ويُبعدهم عنهُ وعن الخلاص الذي أعدَّهُ لهم.. كلَّفنا بأن نتشفَّع لهم..
أي أن نقف بينهُ وبينهم..

هل لكي نطلب منهُ أن يغض النظر عن خطاياهم؟
بالطبع لا..
بل لكي نطلب منهُ الرحمة.. نطلب منهُ أن يُعطيهم فرصًا أكثر وأكبر.. أن يتدخَّل بطرقه الخاصة، لكي يُساعدهم حتَّى يفلتوا من قبضة إبليس..

ولا تسألني.. كيف يفعل الله هذا الأمر؟ ولماذا وهوَ الإله المحب لا يفعلهُ دون تشفّعنا؟
إنَّهُ الله.. وهوَ شاءَ أن يُعطينا هذا الامتياز، أن نكون شركاء معهُ في خلاص البشرية، وأنا لا أريد أن أعرف أكثر من هذا..

فالله لديه طرق عديدة تختلف من شخص إلى آخر، ومن مدينة إلى أخرى، ومن بلد إلى آخر.. هوَ الله.. ولا جدوى من كثرة التحليل والنقاش، بل ببساطة وبإيمان وبطاعة كاملة: هوَ قال تشفَّعوا.. لأنه عندما تتشفَّعوا أفعل ما تطلوبنه..
فهذا يكفي، نريد أن نأكل عنبًا لا أن نقتل الناطور كما يقول المثل الشائع..
نريد نتيجة لا جدلاً فلسفيًا لا جدوى منهُ..
أُريد أن أُطيعهُ، وأقوم بدوري بأمانة..

3 - شرطان أساسيان:
- الشرط الأول: أن تكون معروفًا ومقبولاً كشفيع من قِبَل من تتشفَّعَ عندهُ.. أي من قِبَل الله، فإن ذهبت لكي تتوسَّط لصديق لكَ لدى مدير مؤسسة بغية حصوله على وظيفة معينة، ينبغي أن تكون معروفًا من قبل ذلكَ المدير، ولكَ موقع ومكانة لديه، لكي يُكرمك ويُلبِّي طلبتك، وإلاَّ ستكون وساطتك دون جدوى، وقد لا يستقبلك حتَّى..

لكن.. شكرًا لله، لأنَّهُ ﭐرتضى أن يقبل شفاعتنا، لا بل ينتظرها بفارغ الصبر، لأنَّهُ إله محب، يريد أنَّ الجميع يخلصون..

- الشرط الثاني: أن تكون رجلاً بارًّا..
لأنَّ الكلمة تقول:
" ... طلبة البار تقتدر كثيرا في فعلها " (رسالة يعقوب 5 : 16).
طلبة أو صلاة أو تشفُّعات البار فقط.. تقتدر كثيرًا بفعلها..
فهل نحن أبرار؟
نعم.. وبكل جرأة نقول نعم.. وقـد شرحنا هذا الموضوع بالتفصيل في فصل سابق..
إذًا.. وبعد توافر هذين الشرطين.. فلنأخذ موقعنا ولنبدأ بالتشفُّع من أجل جميع الناس، لكي يخلصوا.

4 - دافع التشفع:
تتشفَّع الأم من أجل ﭐبنها لدى زوجها، لسبب واحد فقط:
أنها تحبه.. إنهُ قلب الأم المحب.. الحنون.. المُضحِّي...
القلب الذي لا يُفضِّل فحسب، بل يشتهي أن يتأذَّى هوَ عوضًا عن الولد..

وهنا سأسألك سؤالاً يفي بهذا الغرض..
إن كانَ أحد أولادك أو أحبائِك مريضًا مرضًا خطيرًا، أو يمر في وضع خطير للغاية، وتُدرك أنهُ من خلال تشفُّعك يُمكنك إنقاذه.. فكيف ستكون الطريقة التي ستتشفَّع فيها؟

عندما تجاوب على هذا السؤال، وتُدرك الطريقة التي ينبغي أن تتشفَّع فيها لهكذا وضع.. فأنا أدعوك أن تتشفَّع من أجل الخطأة والهالكين للسبب نفسه، وبالطريقة نفسها..
فهكذا طريقة فقط تأتي بنتائج أكيدة..

الرسول بولس قالَ لأهل غلاطية:
" يا أولادي الذين أتمخَّض بكم أيضًا، إلى أن يتصوَّر المسيح فيكم ".
(رسالة غلاطية 4 : 19).

كلمتان مُعبِّرتان، تُشيران إلى دافع بولس..
أولادي.. وأتمخَّض..
وهما صفتان من صفات الأم أيضًا.. دعاهم أولادي وهوَ يتمخَّض فيهم، كما تتمخَّض الأم عند الولادة..

ورسالة رومية تُبرز لنا قلب بولس المُتشفِّع عندما يقول:
" أنَّ لي حزنًا عظيمًا ووجعًا في قلبي لا ينقطع، فإنِّي كنتُ أودُّ لو أكون أنا نفسي محرومًا من المسيح، لأجل إخوتي أنسبائي حسب الجسد " (رسالة رومية 9 : 2 – 3).
ما هذا القلب المُحب؟ هكذا قلب فقط يُمكنهُ أن يتشفَّع، ويُحقِّق نتائج حاسمة..

وماذا الآن عن موسى.. رجل الله العظيم؟
كانَ يقود شعبًا صلب الرقبة.. شعبًا تمرَّدَ عليه مرارًا كثيرة.. شعبًا كان السبب في عدم دخول موسى أرض الموعد، التي طالما حلم بأن يدخلها..
ويأتي الله نفسه، ويعرض على موسى أن يُبيد ذلكَ الشعب، ويُقيم من موسى أُمَّة عظيمة.. لكن إليك ما قالهُ موسى عندها لله:
" والآن دعني وغضبي المُحتدم فأفنيهم، ثُمَّ أجعلك أنتَ شعبًا عظيمًا، فٱبتهلَ (أو تشفَّعَ) موسى إلى الرب وقال: لماذا يحتدم غضبك على شعبك الذي أخرجتهُ من ديار مصر بقوَّة عظيمة وذراع مُقتدرة؟ لماذا يشمت المصريون فينا قائلين: لقد ﭐحتالَ عليهم إلههم فأخرجهم من ههنا ليُهلكهم في الجبال ويفنيهم عن وجه الأرض. ﭐرجع عن حموِّ غضبك ولا تُوقع هذا العقاب بشعبك... فتراءَفَ الرب ولم يُوقع بشعبه العقاب الذي توَّعدَ بهِ... (وقال موسى أيضًا لله) يا رب لقد ﭐقترفَ هذا الشعب خطيئة عظيمة، وصاغوا لأنفسهم إلهًا من ذهبٍ، والآن إن شئت، ﭐغفر لهم، وإلاَّ فٱمحني من كتابك الذي كتبت ".
(سفر الخروج 32 : 10 – 32).

عجيب أمر موسى.. وعجيبة الطريقة التي تشفَّع بها..
فأعاد الله عن غضبه، وجعلهُ يتراءَف على شعبه، بالرغم من بشاعة خطاياهم، وقساوة تصرفهم ضد موسى حتَّى.. وقد نجحَ في ذلكَ لأنَّهُ كان يمتلك القلب المُحب والمُضحِّي من أجل الآخرين.. من أجل من أساؤوا إليه، من تمرَّدوا عليه، ومن أرداو قتله:
ﭐمحني من كتابك إن لم تشأ أن تغفر لهم !!!

وقبلَ أن أختم هذا المقطع.. أريد أن أنقل لكَ هذا الإعلان من الروح القدس..
إنَّ أكثر ما يُزعج ويُغيظ الجيوش المُتحاربة، هوَ أن يمتلك إحداها سلاحًا متطوِّرًا وفعَّالاً، لا يمتكله الطرف الآخر..

وكم يتحرَّق ذلكَ الجيش لعدم قدرته على مواجهة تلكَ الأسلحة الفعَّالة..

وفي حربنا مع إبليس.. ومن خلال ما دوَّنتهُ لنا كلمة الله على كل صفحات الكتاب المُقدَّس، نعرف أنَّ إبليس يمتلك أسلحة كثيرة مُتطوِّرة يُحاربنا فيها، شبيهة جدًّا بالأسلحة التي نمتلكها، وإن كانت مُزيَّفة، وبالنهاية لن تصمد أمام أسلحتنا التي أعطانا إياها الرب، إن عرفنا كيف نستخدمها بإيمان..

لكن هناكَ سلاحًا واحدًا نمتلكهُ نحن، وهوَ لا يمتلكهُ ولا يستطيع أن يمتلكهُ، سلاح فعَّال.. سلاح يُغيظ إبليس ويجعلهُ يتحرَّق عندما نستخدمهُ ضدَّهُ..

وهذا السلاح هوُ محبة الله التي ﭐنسكبت في قلوبنا بالروح القدس..
إبليس لا يُمكنهُ أن يُحب على الإطلاق.. وهوَ يكره المحبة كرهًا شديدًا..

وعندما يلمس أننا نتشفَّع ونُصلِّي ونصوم ونُحارب، ونخدم الله من كل قلوبنا، ودافعنا هوَ محبَّة الله التي زرعها في قلوبنا.. عندها سنهزمهُ هزيمة لن يتمكَّن من مقاومتها، ولن يتمكَّن من مواجهتها بكل ما يمتلك من أسلحة ومن قوة ومن مكر ودهاء..

لنسأل الرب يسوع المسيح، أن يُعطينا قلبهُ بالذات.. قلبهُ على النفوس الضائعة.. والناس المُجرَّحين والمرضى.. والمنبوذين والمذلولين والمُحتقرين والمُشتَّتين...
عندها فقط سنعرف كيفَ نتشفَّع.. وكيف نُحقِّق النتائج الحاسمة..
أحبائي: المحبَّة لا تسقط أبدًا..

5 - نُرمِّم الثغرات:
الخطيئة بشعة جدًّا.. وخاطئة جدًّا.. وهيَ تفتح ثغرة لإبليس لكي يدخل منها، ويحتل موقعًا أو مواقع، سواء في حياة الفرد الشخصية، وسواء في حياة شعب بكامله.. وقد شرحنا هذا الموض وع في فصل سابق بالتفصيل..

على الصعيد الفردي.. ينبغي على الشخص أن يتوب عن خطاياه، ويأتي إلى الرب، ويحتمي بدمه، لكي يخلص، ولكي تُقفل هذه الثغرات..

لكن ماذا على الصعيد الجماعي؟
مدينة بكاملها.. أو بلد بكامله..

ولكي نكون واقعيين.. فلن نشهد بسهولة - وإن كانَ هذا شوق قلب الرب وقلبنا - مدينة كاملة تتوب أو بلد بكامله يتوب ويُوقف ﭐرتكاب الشر والرذيلة..
ولهذا السبب، فإنَّ الثغرات التي تفتحها هذه الشرور وهذه الخطايا فوق مدينة مُعيَّنة أو بلد مُعيَّن، تكون كبيرة جدًّا..
وهذه الثغرات تُعطي إبليس الحق والحرية.. بالدخول والتملُّك، والإيذاء الكبير..

لكن هنا يأتي دورنا، بأن نقف في هذه الثغرات، بين الشعب الخاطئ.. وبينَ الله..

ينقل لنا سفر إشعياء النبي كلام الله، الذي يقول:
" ومنكَ تُبنى الخرب القديمة، تُقيم أساسات دور فدور، فيُسمُّونك مُرمِّم الثغرة، مُرجع المسالك للسُكنى " (سفر إشعياء النبي 58 : 12).

نعم.. دورنا أن نقف في الثغرة.. نُرمِّم الثغرة..
كنا قد تأملنا في فصل سابق، عن المدينة التي ﭐرتكبت أشنع الشرور، وقد عدَّدها الرب كلها بأسمائها، وبعد أن ذكرَ كل تلكَ الشرور قال:
" وطلبتُ من بينهم رجلاً يبني جدارًا، ويقف في الثغر أمامي عن الأرض، لكي لا أُخربها، فلم أجد " (سفر حزقيال النبي 22 : 30).

إنها مشيئتهُ.. أن نقف أمامهُ في الثغر عن الشعب الخاطئ، لكي نشفع لهُ.. كأبرار غسلنا ثيابنا بدم الحمل.. نشفع بٱسم الرب يسوع المسيح، الذي قالَ لنا: مهما سألتم بٱسمي، فذلكَ أفعلهُ.. نقول للآب السماوي كما قالَ لهُ الرب:
" يا أبتاه ﭐغفر لهم، لأنَّهم لا يعلمون ماذا يفعلون " (أنجيل لوقا 23 : 34).
فيرق قلب الله، ويتحنَّن، ونسمعهُ يقول:
" تارةً أتكلَّم على أُمَّة وعلى مملكة بالقلع والهدم والإهلاك، فترجع تلكَ الأمَّة التي تكلمت عليها عن شرِّها، فأندم عن الشر الذي قصدت أن أصنعه بها ".
(سفر إرميا النبي 18 : 7 – 8).

قد لا ترجع تلكَ الأمَّة عن شرِّها كما سبقَ وذكرنا، لكننا نقف بينها وبين الله في الثغر، هذه هيَ الشفاعة، فالشعب أيام موسى لم يتب، ولم يرجع عن الشر، لكن وقوف موسى في الثغر وشفاعته، أرجعا الله عن غضبهِ:
" فأوشكَ أن يُبيدهم كقولهِ، لولا أنَّ موسى مُختارهُ وقفَ في الثغر أمامهُ يشفع فيهم، ليردَّ غضبهُ فلا يُهلكهم " (المزمور 106 : 23).

6 - تغيَّرت اللهجة:
تمرَّدَ الشعب على الله، وﭐرتكبوا كل أنواع الخطايا والشرور، فتشتَّتوا من أرضهم، وسيقَ القسم الأكبر منهم إلى بابل، وأحرق جيش الكلدانيين الهيكل، وهدموا أسوار أورشليم..

لكن كانَ بين المسبيين النبي دانيال.. النبي الذي بقيَ أمينًا لإلهه.. النبي الذي عزمَ في قلبه أن لا يتنجَّس بأطايب الملك وخمره.. الذي رفضَ أن يسجد للأصنام، غير آبه بجب الأسود..

نبيٌّ وقفَ في الثغر.. بين الشعب الخاطئ.. وبين الله وصلَّى لله قائلاً:
" ... أيها الرب الإله العظيم المهوب، حافظ العهد والرحمة لمُحبِّيه وعاملي وصاياه. إننا أخطانا وأَثمنا وﭐرتكبنا الشر، وتمردنا وﭐنحرفنا عن وصاياك وأحكامك، ولم نسمع لعبيدك الأنبياء الذين بٱسمك أنذروا ملوكنا ورؤساءَنا وآباءَنا وجميع شعب الأرض، لكَ أيها السيد البر ولنا الخزي... فٱصرف يا سيِّد، حسب رحمتك سخطك وغضبك عن مدينتك أورشليم جبل قُدسك، إذ مِنْ جرَّاء خطايانا وآثام آبائنا أصبحت أورشليم مثار عارٍ لنا عندَ جميع المُحيطين بنا، فأَنصت الآن يا إلهنا إلى صلاة عبدك وﭐبتهالاته (تشفعاته)، وأضئ بوجهك على هيكلك المُتهدِّم من أجل ذاتك، أرهف أُذنك يا إلهي وﭐستمع، وﭐفتح عينيك وشاهد خرائبنا والمدينة التي دُعيَ ﭐسمكَ عليها، فإنَّنا لا من أجل برٍّ فينا نرفع تضرعاتنا إليك، بل بفضل مراحمك العظيمة " (سفر دانيال النبي 9 : 4 - 18).

وبعدَ صلاته هذه، تلقَّى رسالة واضحة من الله، إنَّ صلاته وتشفُّعاته وتضرّعاته قد سُمِعوا، وإنَّ الله سيُعيد الشعب إلى أرضه.. سيبني الهيكل والأسوار من جديد..

وتمر سبعون سنة على تلكَ التشفُّعات.. وها هوَ الرب يفي بوعده، ويُرسل زربابل ويشوع بن يوصاداق وقسمًا كبيرًا من الشعب إلى أورشليم، حيث بدأوا العمل في بناء الهيكل.. لكن إبليس تحرَّكَ، وﭐستخدمَ المسؤولين عن تلكَ المنطقة لكي يوجهوا رسالة إلى الملك أرتحششتا يقولون فيها:
" ليعلم الملك أنَّ اليهود الذين صعدوا من عندك إلينا، قد أتوا إلى أورشليم ويبنون المدينة العاصية الرديَّة، وقد أكملوا أسوارها ورمَّموا أسسها، ليكن الآن معلومًا لدى الملك، أنَّهُ إذا بُنيت هذه المدينة وأُكملت أسوارها، لا يؤدُّون جزية ولا خراجًا ولا خفارة، فأخيرًا تضر الملوك، والآن بما أننا نأكل ملح دار الملك، ولا يليق بنا أن نرى ضرر الملك، لذلك أرسلنا فأعلمنا الملك، لكي يُفتش في سفر أخبار آبائك، فتجد في سفر الأخبار وتعلم أنَّ هذه المدينة مدينة عاصية ومُضرَّة للملوك والبلاد، وقد عملوا عصيانًا في وسطها منذ الأيام القديمة، لذلك أُخربت هذه المدينة " (سفر عزرا 4 : 12 – 15).

والنتيجة كانت.. أنَّ الملك أعطى أمرًا بتوقيف البناء بالقوة.. وهكذا حصل..

لكنَّ دانيال أثناء صلاته للرب من أجل إعادة بناء الهيكل والأسوار قالَ لهُ:
" أنتَ حافظ العهد والرحمة ".
وهوَ كذلك.. وعندما نتشبَّث برحمته وبنعمته وبوعوده.. فلا بُدَّ أن تتحقَّق..
وتغيَّرت اللهجة..

وها هما النبيَّان حجي وزكريا يتنبآن لزربابل ويشوع والشعب، لكي يُكملا البناء، لأنَّ دانيال تشفَّع، ولأنَّ إلهنا حافظ العهد، فشرعوا بالبناء من جديد.. وها هُم المسؤولون عن تلكَ المنطقة يكتبون رسالة إلى الملك داريوس.. لكنَّ اللهجة تغيَّرت:
" ليكُن معلومًا لدى الملك أننا ذهبنا إلى بلاد يهوذا، إلى بيت الإله العظيم، وإذا به يُبنى بحجارة عظيمة، ويوضع خشب في الحيطان، وهذا العمل يُعمل بسرعة وينجح في أيديهم، حينئذٍ سألنا أولئك الشيوخ وقلنا لهم هكذا: من أمركم ببناء هذا البيت وتكميل هذه الأسوار؟... وبمثل هذا الجواب جاوبوا قائلين: نحنُ عبيد إله السماء والأرض، ونبني هذا البيت الذي بُنِيَ قبل هذه السنين الكثيرة... ولكن بعد أن أسخط آباؤنا إله السماء، دفعهم ليد نبوخذناصّر ملك بابل الكلداني، الذي هدم هذا البيت وسبى الشعب إلى بابل، على أنَّهُ في السنة الأولى لكورش ملك بابل، أصدر كورش الملك أمرًا ببناء بيت الله هذا... والآن إذا حسن عند الملك، فليفتش في بيت خزائن الملك الذي هو هناك في بابل، هل كان قد صدر أمر من كورش الملك ببناء بيت الله هذا في أورشليم، وليرسل الملك إلينا مراده في ذلك ".
(سفر عزرا 5 : 8 – 17).

والنتيجة كانت أن الملك داريوس أجابهم قائلاً:
" ﭐتركوا عمل بيت الله هذا، أما والي اليهود وشيوخ اليهود فليبنوا بيت الله هذا في مكانه، وقد صدر مني أمر... فمن مال الملك من جزية عبر النهر، تُعطى النفقة عاجلاً لهؤلاء الرجال حتى لا يبطلوا، وما يحتاجون إليه من الثيران والكباش والخراف محرقة لإله السماء، وحنطة وملح وخمر وزيت حسب قول الكهنة الذين في أورشليم، لتُعطَ لهم يومًا فيومًا حتى لا يهدأوا عن تقريب روائح سرور لإله السماء، والصلاة لأجل حياة الملك وبنيه، وقد صدر مني أمر أنَّ كل إنسان يُغيِّر هذا الكلام، تُسحب خشبة من بيته، ويُعلَّق مصلوبًا عليها، ويُجعل بيته مزبلة من أجل هذا " (سفر عزرا 6 : 7 – 11).

والآن إقرأ معي ما قالهُ الشعب حينها عندما ﭐستُكْمِلَ بناء الهيكل:
" وﭐحتفلوا بعيد الفطير سبعة أيام بفرح، لأنَّ الرب ملأهم بالغبطة، إذ جعلَ قلب ملك أشور يميل نحوهم، فشدَّ أَزرهم لمتابعة العمل في بناء هيكل الله إله إسرائيل ".
(سفر عزرا 6 : 22).

وﭐقرأ معي ما قاله عزرا أيضًا:
" ... مُبارك الرب إله آبائنا، الذي وضعَ مثل هذا في قلب الملك، لتكريم هيكل الرب في أورشليم " (سفر عزرا 7 : 27).

تَشَفَّعَ دانيال.. للإله الحافظ العهد والرحمة.. ووقفَ في الثغر..
فتراءَف الله.. وسمع الصلاة وقبلها..
فغيَّر ملوك.. وغيَّر ولاة.. وغيَّر لهجات.. وأعاد بناء هيكله وأسوار مدينته.. أعاد الشعب من السبي.. وملأ قلوبهم بالفرح والبهجة..

وماذا عن اليوم؟
دعني أُخبرك..
قال الرب يسوع:
" الحقَّ أقولُ لكم: لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان..
يوحنا المعدان أعظم من دانيال النبي..
لكن الرب أكمل قائلاً: ولكن الأصغر في ملكوت السموات أعظم منه ".
(إنجيل متى 11 : 11).

أنتَ أعظم من يوحنا المعمدان.. أعظم من دانيال.. ليسَ لأنَّكَ أفضل منهما.. بل لأنَّكَ في العهد الجديد.. العهد الأفضل.. عهد دم الرب الثمين.. الذي جعلكَ بارًّا.. وجعلَ طلبتك تقتدر كثيرًا بفعلها..

جعلَ طلبتك.. تُغيِّر ظروفًا وأوقاتًا وأزمنة.. تُغيِّر قلوب ملوك ورؤساء.. تُغيِّر قرارات.. تُغيِّر لهجات.. تُغيِّر مدنًا وبلدانًا..

فهل نتشفَّع لنرى مدننا وبلداننا تتغيَّر؟
ولنرى مملكة الظلمة تنهار.. وملكوت الله يمتد؟

7 - أبعد من ذلكَ بعد:
نقف في الثغر.. نعم..
نتشفَّع للناس.. ونقف بينهم وبين الله.. نعم..
نطلب من الله أن يتراءَف.. نعم..
أن يُغيِّر قلوب ملوك.. نعم..
لكن هناكَ أيضًا ما هوَ أبعد من ذلكَ.. ما ينبغي أن نُحقِّقهُ من خلال الصلاة والتشفُّع..

سبق لنا وذكرنا أن معركتنا ليست مع لحم ودم.. بل هيَ معركة مع مملكة الظلمة في السماويات.. ليست معركة نُطلق فيها رصاصًا وصواريخَ.. بل معركة نُطلق فيها الكلمة المنطوقة:
الصلاة والتشفُّع..
العبادة والتسبيح والهتاف (وهذا ما سنتكلَّم عنهُ في الفصل القادم).

إذ وكما يقول الرسول بولس:
" ... أسلحة مُحاربتنا ليست جسدية، بل قادرة بالله على هدم حصون، هادمين ظنونًا وكل علو يرتفع ضد معرفة الله، ومستأسرين كل فكر إلى طاعة المسيح ".
(رسالة كورنثوس الثانية 10 : 4 – 5).

إنها معركة في السماويات..
المعركة تُحسم فوق.. والنتائج تُحصد تحت وليسَ العكس..
الله سيستجيب الصلاة والتشفُّع.. وسيتراءَف.. وسيفتح لنا الأجواء.. وسيُعد لنا الطريق، لكنهُ سيقول لنا:
الآن.. ﭐصعدوا وﭐمتلكوا.. لأنني أسلمتكم الأرض ورقاب أعدائكم..
وهنا يأتي درونا.. أن نُواجه العدو.. وندخل بيتهُ.. ونُرغمهُ على تنفيذ أمر الله..

" فقالَ موسى ليشوع: ﭐنتخب لنا رجالاً، وﭐخرج حارب عماليق، وغدًا أقف أنا على رأس التلّة، وعصا الله في يدي، ففعلَ يشوع كما قال لهُ موسى ليُحارب عماليق، وأمَّا موسى وهرون وحور، فصعدوا على رأس التلّة، وكان إذا رفع موسى يدهُ، أن إسرائيل يغلب، وإذا خفضَ يده أن عماليق يغلب " (سفر الخروج 17 : 9 – 11).

تُحسم المعركة في السماويات.. تُحصد النتائج على الأرض..
كانَ الرب يقضي الليل كله في الصلاة والتشفُّع.. وكان في الصباح يتجوَّل وينقض أعمال إبليس.. يشفي المرضى.. يُحرِّر المُقيَّدين.. يطرد الأرواح الشريرة.. ويُقيم الموتى..

عندما أعطى الرب المثل المتعلق بالزرع، سألهُ تلاميذهُ أن يُفسِّر لهم معناه، فقالَ لهم:
" الزارع يزرع الكلمة، وهؤلاء هُم الذين على الطريق حيثُ تُزرع الكلمة، وحينما يسمعون، يأتي الشيطان للوقت وينزع الكلمة المزروعة في قلوبهم ".
(إنجيل مرقس 4 : 14 - 15).

كما سبقَ وذكرنا في عدة مواضع، فهدفنا النهائي من الحرب ضد مملكة الظلمة، هوَ خطف النفوس التي يأسرها إبليس، وربحها للرب..
وعندما ندخل لنتملك أراضي جديدة أو لنسترد الأراضي التي يحتلها إبليس، فهيَ بالطبع ليست أراضي بالمعنى المادي لها، كما يحصل في الحروب العسكرية، بل هيَ مدن وبلدان لم تصل إليها بشارة الخلاص.. حيثُ ندخل ونكرز بالإنجيل لنربح النفوس..

ولكلمة الله التي نكرز بها، قوَّة بذاتها لتغيير قلوب الخطأة.. وهذا ما نفعلهُ عندما نوزِّع نبذ تبشيرية وخلاصية، وعندما نُقيم مؤتمرات كرازية...

لكن الرب يُعلِّمنا من خلال كلامه هذا، أننا كزارعين لكلمته، ينبغي أن نعلم أنَّ الشيطان سيأتي لا محالة، لكي ينزع الكلمة التي نزرعها من قلوب سامعيها.. لكي لا تُنتج خلاصًا لهم.. لكي لا تُنتج ثمرًا..
وهنا يأتي دورنا.. وفقًا لما قالهُ الرب:
" الحقَّ أقولُ لكم: كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطًا في السماء، وكل ما تحلُّونه على الأرض يكون محلولاً في السماء " (إنجيل متى 18 : 18).

" أم كيف يستطيع أحد أن يدخل بيت القوي وينهب أمتعته، إن لم يربط القوي أولاً، وحينئذٍ ينهب بيته " (إنجيل متى 12 : 29).

فقبلَ أن ندخل مدنًا للكرازة وزرع الكلمة، وخوفًا من أن يأتي الشيطان على الفور، وينزع الكلمة.. ينبغي أن نربط ذلكَ القوي.. لأنَّ الرب أعطانا السلطان، وقالَ لنا، إنَّ ما نربطهُ على الأرض.. يربطهُ هوَ في السماويات.. وعندما يُربط هذا القوي.. نهجم وندخل مناطقه التي يأسر فيها النفوس.. ونزرع الكلمة.. ونحصد النتائج.. وننهب الغنائم..
نعم.. هكذا نُحارب في السماويات.. ونربح على الأرض..
هكذا تفعل الصلاة.. وهكذا يفعل التشفُّع..

وكُنْ واثقًا أن الرب سيقودك كيفَ تفعل ذلكَ..
فعندما نسألهُ: أنصعد؟
ويقول لكَ: إصعد لأنني أسلمت الأرض والأعداء لكم.. فهوَ سيقودنا بكل تأكيد..
قد يُعلن لنا الرب من خلال مواهب الروح القدس.. عن الأرواح التي تُسيطر على تلكَ المناطق التي نريد الدخول إليها، ويقودنا في صلوات مُحدَّدة لهذه الغاية.. ويقودنا لنحارب ونُقيِّد أرواحًا مُعيَّنة..
وقد لا يُعلن لنا أحيانًا عن أمور مُفصَّلة..

 

وهنا يأتي دور الصلاة والتشفُّع بالروح:
" وكذلك الروح أيضًا يُعين ضعفاتنا، لأننا لسنا نعلم ما نُصلِّي لأجله كما ينبغي، ولكن الروح نفسه يشفع فينا بأنَّات لا يُنطق بها، ولكن الذي يفحص القلوب، يعلم ما هو ﭐهتمام الروح، لأنَّهُ بحسب مشيئة الله يشفع في القديسين " (رسالة رومية 8 : 26 – 27).

نعم.. نُصلِّي بالذهن ونُصلِّي بالروح.. نُصلِّي بألسنة ونتشفَّع بألسنة.. ونُحارب بألسنة.. والروح الذي يفعل كل ذلكَ، يعرف مشيئة الله لكل معركة وحرب..
والنتائج ستكون حاسمة وأكيدة..

 
 
   
عودة إلى الفصل الخامس