يهوذا أولاً
     
 

" وكانَ بعد موت يشوع أنَّ بني إسرائيل سألوا الرب قائلين: من منَّا يصعد إلى الكنعانيين أولاً لمُحاربتهم؟ فقال الرب يهوذا يصعد، هوَّذا قد دفعت الأرض ليده ".
(سفر القضاة 1 : 1 - 2).

يهوذا أولاً..
ﭐسم يهوذا يعني: أحمد الرب.. أو أُسبِّح الرب..

قبل أن يموت يعقوب ﭐستدعى أبناءَهُ، لكي يُباركهم، ويُنبؤهم بما سيحدث لكل واحد منهم، فقال ليهوذا:
" إياك يحمد إخوتك، وتكون يدك على عُنُقِ أعدائكَ، ويسجد لكَ بنو أبيك. يهوذا شبل أسدٍ، عن فريسةٍ قمتَ يا ﭐبني. ثمَّ جثا وربضَ كأسدٍ أو كلبوة، فمن يجرؤ على إثارته؟ لا يزول صولجان المُلك من يهوذا ولا مُشترعٌ من صلبه حتَّى يأتي شيلوه (ومعناه: من لهُ الأمر)، فتطيعهُ الشعوب " (سفر التكوين 49 : 8 - 10).

صولجان المُلك دومًا في يهوذا.. حتَّى يأتي منهُ الرب.. وهذا ما حصل بالفعل..
فالرب.. ملك الملوك جاء في الجسد من سبط يهوذا.. جاءَ وأزال مُلك الشيطان..
وملَّكنا نحن..

ونحنُ سنبقى ملوكًا يحكمون ويتسلَّطون ويربحون المعارك، وتكون يدهم على أعناق أعدائهم.. ويهزمون مملكة الظلمة..
إن عرفنا كيفَ نجعل.. يهوذا أولاً..

" من أفواه الأطفال والرُضَّع، أسَّستَ حمدًا بسبب أضدادك، لتسكيت عدوّ ومنتقم ". (المزمور 8 : 2).

" طوبى (هنيئًا) للشعب العارفين الهتاف يا رب، بنور وجهك يسلكون " (المزمور 89 : 15).

حمد أو تسبيح وهتاف..
حتَّى تسبيح الأطفال والرُضَّع.. يُسكت العدو.. وهنيئًا لشعب يعرف الهتاف لاسم الرب..
هنيئًا لشعب.. يجعل يهوذا أولاً..
يجعل التسبيح والهتاف أولاً في حربه مع العدو..

الشعب الذي يُريد ربح المعارك.. كانَ يسأل الرب ماذا يفعل في كل معركة..
فهكذا تعلمنا في فصل سابق..

ماتَ يشوع القائد العظيم.. وبقيت أراضٍ كثيرة للامتلاك.. وها هوَ الشعب يسأل الله:
من منا يصعد أولاً لمُحاربة الكنعانيين؟
والرب يُجيب قائلاً:
يهوذا يصعد أولاً.. لأنني لهُ دفعت الأرض..

وجمهور كثير.. بنو موآب وبنو عمُّون وسكان جبل ساعير.. ﭐتحدوا معًا وجاؤوا على يهوشافاط الملك وشعبه لمقاتلتهم.. وعندما تواضع الملك والشعب، وطلبوا وجه الله.. أرسل الرب نبيَّهُ الذي قالَ لهم:
" ... ﭐصغوا يا جميع يهوذا وسكان أورشليم وأيها الملك يهوشافاط، هكذا قال الرب لكم: لا تخافوا ولا ترتاعوا بسبب هذا الجمهور الكثير، لأنَّ الحرب ليست لكم بل لله، غدًا ﭐنزلوا عليهم... ليس عليكم أن تُحاربوا في هذه، قفوا ﭐثبتوا وﭐنظروا خلاص الرب معكم، يا يهوذا وأورشليم لا تخافوا ولا ترتاعوا، غدًا ﭐخرجوا للقائهم والرب معكم ".
(سفر أخبار الأيام الثاني 20 : 15 – 17).

وﭐنقادَ الشعب لخطة الله.. يهوذا أولاً..
" ولمَّا ﭐستشار الشعب، أقامَ مُغنِّين للرب ومُسبِّحين في زينة مقدسة عند خروجهم أمام المتجردين وقائلين: ﭐحمدوا الرب لأنَّ إلى الأبد رحمته، ولمَّا ﭐبتدأوا في الغناء والتسبيح، جعل الرب أكمنة على بني عمُّون وموآب وجبل ساعير، الآتين على يهوذا فٱنكسروا، وقامَ بنو عمُّون وموآب على سكان جبل ساعير، ليحرّموهم ويُهلكوهم، ولمَّا فرغوا من سكان ساعير، ساعد بعضهم على إهلاك بعض، ولما جاء يهوذا إلى المرقب في البرية، تطلعوا نحوَ الجمهور، وإذا هُم جثث ساقطة على الأرض، ولم ينفلت أحد ".
(سفر أخبار الأيام الثاني 20 : 21 – 24).

لم ينجُ أحد.. هزيمة كاملة لكل.. لكل الأعداء.. لأنَّ يهوذا كانَ أولاً..

أحبائي: ليست العبادة والتسبيح والضرب بالبوق والهتاف في ﭐجتماعاتنا وكنائسنا، تقليدًا تعوَّدنا عليه.. بل هوَ سلاحٌ فتَّاكٌ يفني مملكة الظلمة..

بالتمرُّد سقطت الأرض والبحار والسماويات بيد العدو..
وبالخضوع الذي يتمثَّل بالعبادة ننقض ذلكَ التمرُّد.. ونسترد المسلوب..
وكل ما ﭐحتلهُ العدو..
وبالتسبيح والهتاف.. نسترد الأرض والبحار والسماويات..

عندما نعبد الرب.. فنحنُ نُعلن عن تواضعنا أمام عظمته وجبروته..
ونقول لهُ، كما قالَ لهُ يهوشافاط: لسنا نعلم ماذا نفعل لكن نحوك أعيننا..
فتغدو الحرب للرب.. وليست لنا.. فيجعل يهوذا أولاً.. ويأتي ويسكن في وسط تسبيحاتنا، كما تقول الكلمة:
" مع أنَّكَ أنتَ القدوس الذي أقمتَ عرشك في وسط شعبك الذي يُسبِّحك ".
(المزمور 22 : 3).

وعندما يأتي في وسطنا.. ويُحارب عنَّا.. أي عدو سيقف في وجهه حينها؟

نعم.. نحنُ مدعوون أن نسترد الأرض والبحار والسماويات، ولو تأملنا بهذه الآيات لأدركنا المعنى أكثر:

" قدِّموا للرب يا أبناء الله، قدِّموا للرب مجدًا وعزًّا، قدِّموا للرب مجد ﭐسمه، ﭐسجدوا للرب في زينة مقدسة، صوت الرب على المياه، إله المجد أرعدَ، الرب فوق المياه الكثيرة ". (المزمور 29 : 1 – 3).

" ﭐستيقظي ﭐستيقظي، ﭐلبسي قوَّة يا ذراع الرب، ﭐستيقظي كما في أيام القِدَم، كما في الأدوار القديمة، ألستِ أنتِ القاطعة رهب، الطاعنة التنين؟ ألستِ أنتِ هي المُنشِّفة البحر، مياه الغمر العظيم، الجاعلة أعماق البحر طريقًا لعبور المفديين؟ ومفديو الرب يرجعون ويأتون إلى صهيون بالترنُّم، وعلى رؤوسهم فرح أبدي، ﭐبتهاج وفرح يُدركانهم، يهرب الحزن والتنهد " (سفر إشعياء النبي 51 : 9 – 11).

" في ذلك اليوم يُعاقب الرب بسيفه القاسي العظيم الشديد، لوياثان الحية الهاربة، لوياثان الحية المتحوّية، ويقتل التنين الذي في البحر " (سفر إشعياء النبي 27 : 1).

" أنتَ شققتَ البحر بقوتك، كسرتَ رؤوس التنانين على المياه، أنتَ رضضت رؤوس لوياثان، جعلتهُ طعامًا للشعب، لأهل البرية " (المزمور 74 : 13 – 14).

" هلمَّ نُرنِّم للرب، نهتف لصخرة خلاصنا، نتقدَّم أمامه بحمد وبترنيمات نهتف له، لأنَّ الرب إله عظيم، ملك كبير على كل الآلهة، الذي بيده مقاصير الأرض، وخزائن الجبال لهُ، الذي لهُ البحر، وهو صنعه ويداه سبكتا اليابسة، هلمَّ نسجد ونركع ونجثو أمام الرب خالقنا، لأنَّهُ هو إلهنا، ونحن شعب مرعاه وغنم يده... رنموا للرب ترنيمة جديدة، رنِّمي للرب يا كل الأرض، رنِّموا للرب، باركوا ﭐسمهُ، بشِّروا من يوم إلى يوم بخلاصه، حدِّثوا بين الأمم بمجده، بين جميع الشعوب بعجائبه... ﭐسجدوا للرب في زينة مقدسة، ﭐرتعدي قدامه يا كل الأرض، قولوا بين الأمم، الرب قد ملك... لتفرح السموات، ولتبتهج الأرض، ليعج البحر وملؤه... " (المزمور 95 و 96).

ماذا نتعلَّم من كل هذا؟
الأرض سقطت في يد إبليس، كما سبقَ وشرحنا سابقًا..
سقطت برًّا وبحرًا وجوًّا..
وينبغي أن نستعيدها برًّا وبحرًا وجوًّا..

بالتشفُّع والصلاة.. يتراءَف الرب.. ويرق قلبهُ.. ويفتح السماء لاستجابة صلواتنا.. ولتغيير ظروف وأوقات وأزمنة.. لتغيير لهجات كما رأينا سابقًا..

وبالعبادة والتسبيح والهتاف.. ندخل حربنا ورب الجنود يتقدمنا..
ذراعه تلبس القوة.. وصوته يرعد فوق المياه..
يقطع رهب.. ويطعن لوياثان.. ويقتل التنين.. الذين يرمزون إلى إبليس ومملكته..
فتفرح السموات، وتبتهج الأرض، ويعج البحر وملؤه..

ويُدخلنا بيت القوي.. ويجعلنا نُرجع المأسورين إلى دياره إلى ملكوته.. يرجعون بالترنُّم، وعلى رؤوسهم فرح أبدي، ﭐبتهاج وفرح يُدركانهم، يهرب الحزن والتنهد.. تهرب القيود والخطايا.. تهرب الأمراض.. تهرب الضيقات.. تنفك السلاسل وتنفتح أبواب السجون.. ويُطلق الأسرى..

ضربوا بولس وسيلا.. ضربات كثيرة.. وأوثقوا أرجلهم بالمقصلة.. لكنهم وفي وسط وجعهم وتعبهم ومعاناتهم.. صلُّوا وسبَّحوا الله.. فنزل إليهما ليسكن في وسط تسبيحاتهما.. وعندما ينزل الرب ويدخل إلى سجن، فماذا سيحصل برأيك؟
" ونحوَ نصف الليل، كان بولس وسيلا يُصلِّيان ويُسبحان الله، والمسجونون يسمعونهما، فحدث بغتة زلزلة عظيمة، حتى تزعزعت أساسات السجن، فٱنفتحت في الحال الأبواب كلها، وﭐنفكت قيود الجميع " (سفر أعمال الرسل 16 : 25 – 26).

كيف يحتمل سجنًا حضور الله؟
وكيف تحتمل القيود حضور الله؟
وكيف تحتمل الأرواح الشريرة قوة التسبيح والهتاف؟

كلمة هتاف تعني حرفيًا: صوت يفلق الآذان..
وكلمة هتاف كاصطلاح ذات معنيين:
- صرخة فرح
- وصيحة المعركة..

جاء الملك يربعام لكي يُحارب يهوذا بجيش مؤلف من ثمان مئة ألف رجل، بينما كانَ جيش يهوذا مؤلف من أربعمائة ألف رجل..
أي أنَّ الجيش المُهاجم كان ضعف الجيش المُدافع..

وجعلَ يربعام كمينًا من خلف يهوذا.. ثمَّ هاجمهم من الأمام.. فٱلتفتَ يهوذا وإذا الحرب عليهم من الأمام ومن الخلف.. فصرخوا إلى الرب وبوَّقَ الكهنة بالأبواق.. ثمَّ هتفوا.. ولمَّا هتفوا ضرب الله يربعام وكل جيشه.. فٱنهزموا أمام يهوذا (سفر أخبار الأيام الثاني 13).

لاحظ معي دقَّة الوحي.. لم يضرب الرب أعداءَهم عندما صرخوا وﭐستغاثوا.. ولا عندما ضرب الكهنة بالأبواق.. لكن عندما هتفوا فقط..

والأمر نفسهُ حصل أمام أسوار أريحا:
" ... وكانَ حينَ سمع الشعب صوت البوق، أنَّ الشعب هتفَ هتافًا عظيمًا فسقط السور في مكانه، وصعد الشعب إلى المدينة، كل رجل مع وجهه وأخذوا المدينة ".
(سفر يشوع 6 : 20).

 نعم.. عندما هتفَ الشعب.. سقطت الأسوار.. وأخذوا المدينة !!!

أحبائي: لنعبد الرب.. لنُسبِّح ﭐسمه.. لنضرب بالأبواق.. ولنهتف..
ولن يقف عدو أمامنا..
لتمتلئ ﭐجتماعاتنا بالعبادة والتسبيح وضرب الأبواق والهتاف..
لتمتلئ خلواتنا اليومية بالعبادة والتسبيح وضرب الأبواق والهتاف..

لنُدخل يهوذا أولاً.. إلى كل المدن التي نريد أن نكرز فيها ونربح النفوس..
لندخل المدن بالتسبيح والهتاف.. فوق البر وفوق البحار والأنهار وفوق السماويات.. ولنجعل يد الرب تستيقظ وتقطع رهب وتطعن لوياثان.. ولنجعل الأرواح الشريرة تهرب مذعورة.. ولنجعل الأرواح الشريرة تفني بعضها البعض.. وكما حصل مع يهوشافاط، بعد أن أبادَ الرب كل أعدائه:
" فأتى يهوشافاط وشعبه لنهب أموالهم، فوجدوا بينهم أموالاً وجثثًا وأمتعة ثمينة بكثرة، فأخذوها لأنفسهم، حتى لم يقدروا أن يحملوها، وكانوا ثلاثة أيام ينهبون الغنيمة، لأنها كانت كثيرة " (سفر أخبار الأيام الثاني 20 : 25).

نعم.. سنقضي في كل مدينة أيامًا كثيرة، ننهب الغنائم.. ونسترد الأسرى..
لأنها ستكون كثيرة..

من يجرؤ على إثارته؟ من يجرؤ على إثارة يهوذا؟
هذا ما قالهُ يعقوب ليهوذا بقيادة من الروح القدس.. والذي ذكرناه في بداية هذا الفصل..
وفي كل أحداث الكتاب المُقدَّس، نرى أنَّهُ عندما أُثيرَ يهوذا وسبَّحَ للرب وهتفَ لهُ..
هُزِمَ الأعداء وﭐنهارت الأسوار..

وإذا كانَ من المُتعارف عليه، أنَّهُ في الحروب العسكرية، تُحسم المعارك بواسطة الآلة العسكرية، حسمَ ذلكَ الشعب حروبه العسكرية بالتسبيح والهتاف عوضًا عن الأسلحة الحربية، فكم بالحري اليوم في العهد الجديد.. عهد الحرب التي ليست مع لحم أو دم، يحسم التسبيح والهتاف معاركنا ضد مملكة الظلمة..
كُن متأكِّدًا أنَّ إبليس لا يجرؤ قطعًا على إثارة يهوذا اليوم.. لا يجرؤ أبدًا على إثارة التسبيح والهتاف.. ولهذا نراه يشن أعنف حروبه لكي لا يسمح للمؤمنين بالتسبيح والهتاف..

لكن إذا أردنا النصرة.. وإذا أردنا الهزيمة لمملكة الظلمة، فما علينا سوى أن نُثير يهوذا.. ونجعلهُ دومًا في الطليعة.. دومًا يهوذا أولاً..

وأخيرًا.. هل تُريد أن تُغيظ إبليس وتجعلهُ يتحرَّق ويختنق ويهرب من أمامك؟
سبِّح الرب من كل قلبك..

وهل تعلم لماذا؟
هناكَ مثل شائع يقول: " لا يوجد عدو.. إلاَّ عدو الكار ".
وهذا يعني.. أن العدو الأشد عداوة لكَ، هوَ العدو الذي تُنافسه على وظيفته أو دوره..
إبليس كان مُسبِّحًا في السماء قبلَ سقوطه.. لا بل رئيس تسبيح كما سبقَ وذكرنا..

وهناك آية تقول:
" لتكُن أيامهُ قليلة.. وليأخذ وظيفتهُ آخر " (المزمور 109 : 8).
ما هوَ المعنى الروحي الذي يريد الروح القدس أن يُعلِّمنا إياه؟

كانت أيامهُ قليلة في تسبيح الله، لأنهُ تمرَّدَ وطُرِدَ من الجنَّة..
فلنأخذ وظيفته نحن.. ولنكن عدو كار لهُ.. أي أشد الأعداء عداوة وضراوة لهُ..

فلنأخذ وظيفته بالتسبيح والهتاف.. ولنغيظهُ ولنجعلهُ لا يحتمل أصواتنا..
بل يختنق، لأنَّ يعقوب وعندما تنبَّأَ ليهوذا، قالَ لهُ:
وتكون يدك على عُنُقِ أعدائكَ..

فلنأخذ وظيفته بالتسبيح والهتاف..
ونجعلهُ يرتعب ويهرب من أمامنا، تاركًا لنا غنائمه وأسراه.. لكي نُعيدهم إلى ديار إلهنا بالحمد والتسبيح والترنُّم.. والفرح يملأ قلوبهم وقلوبنا..
والأهم من ذلكَ.. قلب الآب السماوي !!!

 
 
   
عودة إلى الفصل الخامس