لا بديل عن المحبة الأولى
     
 

إفتح معي الكتاب المقدس على سفر أخبار الأيام الأول الإصحاح 12:  " هؤلاء الذين أتوا إلى داود مساعدون في الحرب "، هل تلمسك كلمة مساعدون أم كلمة حرب؟ هل أنت مساعد أم ماذا؟ وجود المساعدون كوجود الأسود، وهم من سبط جاد " وجوههم كوجوه الأسود "، يراهم الناس فيخافون، المعنى هنا أن يكون مظهرك مخيف للشياطين. تقول الآية " ولا تخف من وجوههم "، قد تكون ملامح الشخص المُستخدم من إبليس مخيفة، لكن لا تخف منه أنت، بل اجعله هو يخافك. طالب بحقك بأن يكون لك سلطان، والسلطان يظهر من الملامح، " وجوههم كوجوه الأسود وسرعتهم كسرعة ظباء الجبال ". إذًا إن أردت أن تكون مساعدًا، عليك أن تكون مخيف وسريع، أن تكون كالأسد مهيب وكالظبي سريع. الظبي هنا، هو ظبي جبل لا وادي، أي أنه يتسلق رغم صعود الجبل ويتسلق بسرعة. كانت هذه ميزات عائلة جاد.

 

أما عائلة يساكر فقد كانوا خبيرين بالأوقات " لمعرفة ما يُعمل بإسرائيل "، متى تصلي؟، متى تُسبِّح؟، متى تصوم؟... هؤلاء كان لديهم تمييز بالأوقات، وهذا جعلهم يدركون متى ينضمون لداود ويملّكوه على كل إسرائيل. ما يهمنا هنا ككنيسة، هوَ أنه رغم أن الكنيسة قد تحتوي على كثيرين من هم كالأسود وأخرون كالظباء وآخرون مُميِّزين الوقت، لكن المهم هو أن نكون واحد.

 

نرى في آية 33 أن عائلة زبولون كانت تتصف بالاتفاق دون خلاف، هناك انسجام دون نميمة، لا نميمة على داود، لا نميمة على القادة، هناك خضوع متبادل وانسجام. كانوا دون خلاف. تعلمون أن إبليس يحارب دوماً في هذه الدائرة دائرة العلاقات. يأتي الكثيرون إلى الكنيسة وهناك من هو فقير ومن هو غني، وأحياناً قد يسبب غنى الشخص الغني، صغر نفس لدى الشخص الفقير، لذا يجب أن نكون حساسين تجاه بعضنا البعض، مُحبين بعضنا البعض، غير حاسدين، محتملين بعضنا البعض، مُصتفين دون خلاف. أما الصِفَة العامة فهي أنهم " أتوا بقلب تام "، كانوا يخدمون ويساعدون من كل قلوبهم، يقول الكتاب المقدس أن داود رقص من كل قوته، لم يرقص لأنه واجب عليه، بل رقص من قلب تام. لا تفعل شيئاً للرب إن لم تفعله من كل قلبك لأنك عندها ستسيء إلى نفسك وإلى كنيستك وستحزن قلب الرب. لا تقم بشيء إلا بقلب تام. لا تكن لغتك لغة الشكوى: أنا متعب، أنا مشغول، أنا مرهق، أريد الراحة... لا تكن هذه لغتك. بل أدرك الامتياز الذي أعطاك إياه الرب وهو الخدمة. لا تقم بشيء لأنه مفروض عليك، يجب أن يكون كل ما نفعله بقلب كامل. كن حذراً من فعل ذلك وأنت غير منسجم مع الآخرين. يجب أن يكون كل شيء دون تباطئ، دون كسل، دون تأجيل، كأسود وظباء. لنكن كجيش الرب المنتصر، كان هذا الجيش مديون، لديه مشاكل رفض وعدم محبة وصغر نفس وفشل ومرارة، لكن النعمة رفعتهم ليكونوا المساعدين وأبطال داود. يا رب انزع من وسطنا هذا الاتجاه الذي نقرأه في مزمور 12: " يتكلمون كل واحد مع صاحبه ... بتملق "، غير مسموح أن تضمّ الكنيسة أشخاصًا متملقين مجاملين، مزدوجين من الداخل.

 

تعلّم من كلام الرب لأن كلامه صادق نقي. لا تنسوا أن كنيسة كورنثوس كانت ممتلئة بالمواهب والروح ولكنها أيضاً كانت ممتلئة بالموتى والضعفاء والمرضى، كان الكثيرون يموتـون فيها، رسالة كورنثوس الأولى 11: 30 " من أجل ذلك فيكم  كثيرون ضعفاء ومرضى وكثيرون يرقدون "، لاحظ التشديد على كلمة كثيرون، لماذا؟ لأنهم  لم يُميزوا جسد الرب " غير مميزين جسد الرب "، لاحظ أنه لم يذكر الدم بل ذكر الجسد، والجسد هنا يرمز للكنيسة وليس لكسر الخبز، وتستطيع أن تربط بين الحديث عن العلاقات والتقدم إلى مائدة الرب بكل وضوح. هذا التعليم موجود أيضاً في رسالة أفسس. ماذا يعني عدم تمييز جسد الرب؟ كثيرون يموتون، وضعفاء ومرضى... رغم أن لديهم مواهب شفاء فكيف حصل َذلك؟ لأنهم لا يُميزون جسد الرب.

 

إقرأ رسالة كورنثوس الأولى 11: " الخبز الذي نكسره أليس هو شركة جسد المسيح.. فإننا نحن الكثيرين خبز واحد جسد واحد "، الحديث هنا هوَ أن نُميِّز جسد الرب ونحن نتقدم إلى المائدة، الإجابة في إصحاح 10: " الخبز الذي نكسره أليس جسد المسيح... لأننا جميعاً نشترك في الخبز الروحي "، كيف يكون الكثيرين خبز واحد وجسد واحد؟ بالمحبة. فقط بالمحبة لا بشيء آخر، المحبة تجعلني أنظر لاخوتي كواحد معي، أخضع لهم، أسامحهم، أشجعهم، أبنيهم... ما يجعلني أفعل هذا هو المحبة التي يعطيها الروح القدس. هذه تظهر في العائلة المسيحية، خدومين، جسد واحد، ضمن الكنيسة الواحدة، وبين عدة كنائس، وهي ما يجعلنا لا نتعرض لما حدث لكنيسة كورنثوس. المحبة هيَ التي تصنع الأمان. عندما تكلم بولس عن المواهب الروحية في الإصحاح 12 و14، وضع بينهما المحبة في الإصحاح 13. دون محبة أنتَ تساوي صفر، لا شيء. المحبة لا تظهر عندما أكون لطيفاً معك وتكون أنت لطيفاً معي ومبتسمًا لي، بل عندما أكون في موقف صعب معك، ورغم ذلك تبقى مبتسماً لي. هنا يظهر إن كنت تحبني أم لا. المحبة لا تظهر عندما أتصرف تصرفات جميلة بل عندما أتصرف تصرفات شنيعة كيف تتفاعل معي. المحبة مصدرها الروح القدس والعطاء، الذي دون محبة سيبقى عطاء محدود، لكن مع المحبة ستحب وتعطي لأنك تمتلك المحبة التي من الروح القدس. رسالة رومية هي المفتاح، مفتاح الأمان للكنيسة، لأن الكنيسة عليها أن تنمو بالمحبة، هناك تعبير قوي في العهد الجديد، وهو المحبة الأخوية " فيلادلفيا " في اليوناني. نتقابل مع كلمة فيلادلفيا خمس مرات في العهد الجديد.

 

1- رسالة رومية 12: 10 " وادين بعضكم بعضا بمحبة أخوية ". هذا الشاهد الأول للمحبة الأخوية. بعد أن آمنتَ وأصبحتَ مع الرب واتصلت محبتك بشكل عامودي بينك وبين الرب، يأتي دور المحبة الأخوية، المحبة الأفقية. " أطلب إليكم أيها الإخوة ألا نشاكل هذا الدهر بل نقدم أجسادنا ذبيحة حية مقدسة... مقدمين بعضكم بعضاً في الكرامة " أفضّل أخي في كل شيء. حاسبين بعضكم البعض أفضل من أنفسكم. لا تقل لماذا اختاروا هذا ولم يختاروني أنا، بل قدِّم أخاك على نفسك، قاوم تعبك النفسي بالروح القدس الذي يرفعك ويجعلك فرحاً. لا تنظر إلى نفسك على أنك مُتجاهَل من الآخرين، بل لتختفي هذه الكلمات من وسطنا.

 

2- رسالة تسالونيكي الأولى 4،  تأمل معي هذه الآيات " أما المحبة الأخوية، فيلادلفيا، فلا حاجة لكم أن أكتب إليكم عنها "، لم يحتج بولس الرسول أن يكلمهم عنها. " لأنكم أنفسكم متعلمون من الله أن يحب بعضكم بعضاً "، الروح القدس هو من يعلمنا هذه المحبة، ألاَّ نكون عنيدين، غير متسامحين، ذات مواقف قاسية وسلبية. المحبة الأخوية هي اختبار من الروح القدس. المحبة تعطيك سلاسة في التعامل مع الآخرين. " وإنما أطلب إليكم أيها الإخوة أن تزدادوا أكثر "، يجب أن يوجد هذا داخل الكنيسة، أكثر ما يعمل عليه إبليس هو العلاقات والمحبة، سواء في البيت أم في الكنيسة، لذا إن كان إبليس يعمل، فعليك أنت أيضًا أن تعمل. لذا ازداد أكثر. وإن كانت لديك مواقف داخلية تجاه آخرين صلي أن تحبهم أكثر. واجه بإيمان أن الـرب سيعطيـك أكثر " وأن تحرصوا على أن تكونوا هادئين "، الهدوء يحتاج اليقظة والحرص، لا تقل أن هذه هي طبيعتك، إن كنت لا تقدر أن تتغير تعال إلى الرب وقل له: يا رب لا تسمح أن يكون هناك آية لا أستطيع تطبيقها، أنت غيِّرني.

 

3- رسالة العبرانيين 13: 1 " لتثبت المحبة الأخوية "، رسالة العبرانيين مليئة بالتشجيع والحثّ على التقدم. لتثبت المحبة فينا، علينا أن نتممها بضوء قداسة الله. الخطايا في مجال العلاقات أكثر من الخطايا التي في مجال النجاسة. لأن الأخيرة واضحة أمَّا الأولى فلا (مَثَلْ الإبن الضال، خطايا الابن الأكبر كانت واضحة أما الأصغر فخطاياه لم تكن واضحة رغم أنها كانت أكثر وذلك لأنها زنى في الخفاء) الثاني تاب وعاد إلى أبيه، أمَّا الكبير فكانت لديه مشكلة عدم محبة، لذلك لم يكن يتمتع ببيت الأب. وهكذا أنت أيضاً قد تكون في الكنيسة لكنك لا تتمتع، لأن لديك مشاكل غيرة، وحسد. لتثبت المحبة الأخوية فيكم لأنها مرتبطة برؤية الله القدوس. فكما تنزعج عندما تشعر بالقلة، عليك أن تنزعج من قلة محبتك.

 

4- رسالة بطرس الأولى 1: 22 " طهِّروا أنفسكم بطاعة الحق "، أطع الحق، بمـاذا؟ بقدرتي؟ لا " بالروح للمحبة الأخوية غير المزيفة "، عديمة الرياء. لا تلقي التحية على شخص لا تحبه قائلا له: أحبك واشتقت إليك. طهِّر نفسك بطاعة الحق، نحن مجتمعات تجيد الكلام المعسول. ما أسهل الكلمات والابتسامات. لكننا لا نريد أن تكون الكنيسة مثل أي نادٍ آخر، بل لنكن حقيقيين ذوي محبة حقيقة تجاه بعضنا البعض. يجب أن تكون المحبة بين المؤمنين واضحة، منظورة، مرئية، بهذا يعلم العالم. هذا هي علامة الوحدة، إقرأ إنجيل يوحنا 17.

لن تظهر أنك تلميذ الرب بالآيات بل بالمحبة. طهِّروا أنفسكم بالمحبة الأخوية العديمة الرياء. فأحبوا بعضكم بعضاً بقلب طاهر. لا تُحب الآخر لمصلحة شخصية واستفادة بل بقلب طاهر، لماذا؟ لأن يسوع مات من أجلك ومن أجلي. قد نحب بعضنا البعض، لكن ليس من كل القلب. لكن المطلوب هنا أن نحب بعضنا البعض " بقلب طاهر بشدة " دون رياء.

 

5- رسالة بطرس الثانية 1: 5 " قدِّموا في إيمانكم الفضيلة " أي الشجاعة، والإيمان والشجاعة يتطلبان المعرفة، وفي المعرفة التعفف، وفي التعفف الصبر والثبات، وفي الصبر تقوى، وفي التقوى محبة أخوية "، أنت تحتاج معرفة وتعفف وثبات وصبر وتقوى لكي تنال المحبـة الحقيقية. " هاربين من الفساد الذي في العالم من شهوة "، " قدِّم في التقوى مودَّة أخوية وفي المودَّة الأخوية محبة "، مودَّة (فيلادلفيا)، محبة (أغابي). الله يريد المحبة غير المشروطة، المحبة المُضحية، المقدسة (أغابي). " وأنتم باذلون كل الاجتهاد "، هل تبذل كل الاجتهاد من أجل المحبة الأخوية؟ " قدموا في التقوى مودَّة أخوية، لأن هذه إن كانت فيكم وكثرت، تُصيِّركم، لا متكاسلين ولا غير مثمرين "، المحبة الأخوية. إقرأ رسالة أفسس 4: 31 " كونوا لطفاء بعضكم نحو بعض " هـل أنت لطيف في بيتك أم لا؟ لا تكن لطيفاً مع نفسك، بل مع الآخرين " كونوا شفوقين مسامحين ".

 

وبعد هذا الكلام، انتقل إلى دائرة مائدة الله. رسالة كولوسي 3: 12 " البسوا كمختاري الله القديسين المحبوبين أحشاء رأفات "، هذا هو الكتان، " والبس لطفاً، تواضعاً، وداعة، طول أناة، محتملين بعضكم بعضاً، ومسامحين بعضكم بعضاً، إن كان لأحد على أحد شكوى، كما غفر لكم المسيح هكذا أنتم أيضاً... وعلى جميع هذه البسوا المحبة التي هي رباط الكمال ". آمين.

 
 
    الأب دانيال