الغضب
     
 

سنتكلم أولاً عن الغضب، وهذا الموضوع مرتبط بعلاقتنا كزوج وزوجة، ومرتبط بعلاقتنا بأولادنا، والغضب هو شعور نولد فيه، وإن لم نشعر بالغضب، فسنكون غير طبيعيين، المشكلة مع الغضب أننا نُعبِّر عنه بطريقة خاطئة، والآن علينا أن نتكلم كيف نتعامل مع غضبنا.

الغضب هوَ كالسموم التي لو بقيت في الجسم، ستسبب مشاكل كثيرة، مشاكل صحية، وهذا قد يقلل من طول عمرنا، والغضب عندما لا يخرج الى الخارج، سيسبب اكتئاب ومرارة ورفض لشريك الحياة، أو الشخص الآخر، وسيؤثر بعمق على حياتنا الروحية.

 

سنتطرق إلى  أربعة طرق نتعامل فيها مع الغضب المدمر:

1 – المبدأ الأول:

" إغضبوا ولا تخطئوا، لا تغرب الشمس على غيظكم، ولا تعطوا إبليس مكانًا " (أفسس 4: 26 – 27).

أول قانون، لا يجب أن نتجاهل غضبنا، الكتاب يقول بوضوح اغضبوا، لقد تعلمنا منذُ طفولتنا أن الغضب هو خطيئة، ولا ينبغي أن نغضب، لقد نشأت وأنا أعتبر أن مجرد الشعور بالغضب هو خطيئة، وكنت كلما أشعر بالغضب أخبئه بالداخل، والغضب هو قوة وطاقة دافعة، وكلنا نعلم أن الغضب قوة، ينبغي أن تسير من مكان إلى آخر، ولو خبئتها، لا بد أن تظهر يوماً ما.

الناس يتعاملون مع الغضب بطريقتين:

قسم من الناس يخرجون غضبهم إلى الخارج ويخيفون الناس الذين معهم، وقسم آخر يخبأ الغضب في الداخل، والذين يفعلون هذا يدمرون أنفسهم ولا يخبرون أحد بما يفعلون، أما الذين يضايقون الآخرين يدمرونهم، وعندما نتعامل مع الغضب بإحدى الطريقين نعطي أرضًا للعدو ليعمل.

من الضروري أن أن لا نجعل الغضب يشعرنا بالذنب، لماذا تغضب؟ نغضب لأن أحدًا ما يقوم بأمر يجعلنا نغضب، محاولة السيطرة عليك أو أحد ما يجرح مشاعرك، وهذه أمور وجيهة لتسبب لك غضب.

السبب الذي يجعلنا نغضب أيضاً هو أننا نجهل ماهية الأمور، فقد لا نفهم شخص او نسيء فهمه مما يجعلنا نغضب، فربما شريك حياتي لا يتصرف بالطريقة التي أتصرف أنا فيها مع الامور، مما يجعلني أغضب. الغضب أحيانًا عمل غير ناضج، فلو سارَ أمر معيَّن بطريقة لا أريدها أغضب جداً وأُصاب بالإحباط، وأحيانًا توقعات غير اعتيادية تسبب لنا الغضب، الغضوط أيضًا تجعلنا نغضب.

شيء آخر يساعدنا للتعامل مع الغضب، غير أن نكون أمناء، هوَ أن نكون صريحين مع أنفسنا، ولا نخبىء شيء، فلأنه لم يُسمح لي بالغضب، ولأني لم أعبِّر عنهُ وأخرجه، أذيت نفسي، فنحن نحتاج أن نتفاهم كعائلة، بأن نعطي بعضنا الفرصة لكي نُعبِّر عن غضبنا، فكيف نفعل هذا؟

ينبغي أن أسمح لشريك حياتي، ولأولادي أن يشكو من غضبهم أو من ما يضايقهم، وأن ننتبه أن لا ندافع عن أنفسنا عندما نسمع الانتقاد الموجه لنا.

الكتاب يقول: أيها الآباء لا تغيظوا أولادكم، فنحن نصنع أمورًا مع أولادنا قد تغضبهم كثيراً، لذلك ينبغي أن نسمع لهم ما يزعجهم بصراحة.

بعض الأحيان، نحن كآباء نستخدم الغضب لكي نُخيف الذين معنا ويفعلون ما نريد، ونتحكم بالآخرين، ولكن وأنت تستخدم هذا الأسلوب، ستخلق بيئة من الخوف، فأنا سأسمع كلامك، وأعمل ماتريد، لأنني خائف فقط، ولكن عندما نفتح مجال للشكوى عن بعضنا البعض، فنحن نفتح الباب لتواصل جيد وصحي.

أحيانا ينبغي أن تترك وقت لكي تهدأ المشاعر الثائرة والغاضبة، ثم تتكلم مع الشريك الآخر، فلو كنتَ تريد أن تكون مديرًا أو قائدًا صالحًا وناجحًا، ينبغي عليك أن تُعطي الفرصة للذين يعملون معك أن يشتكوا عليك أمامك، فلو فعلت هذا ستحقق أمرين:

أولاً: ستمنع الناس من قفل فمهم والاحتفاظ بالأمور بداخلهم، مما قد يسبب انفجارًا هائلاً، فيما بعد، وقد يسبب هذا جرح للمشاعر، ومشاكل وعلاقات مدمرة.

ثانياً: أنت توقف النميمة، فلو كنتَ لا تسمع لمن هم معك، فأنت تدفع بهم لكي يذهبوا لمكان آخر، ويشتكوا مما سيسبب النميمة، ولعلَّ قصة ابشالوم معبِّرة في هذا المضمار، وآخرها كان حربًا شديدة، ضد أبيه داود.

إفتح مكتب شكاوى في بيتك.

 

2 - المبدأ الثاني:

لا تستخدم كلمات مسيئة وجارحة مع الشريك: عندما تختلف مع شريكك، تجنب استخدام كلمات جارحة له، لا تقم بإدانته ونعته بصفات غير لائقة. غالباً ما يتشاجر الزوجان ويستخدمان الكلمات الجارحة تجاه بعضهما، ويقومان بتجريح بعضهما بالكلام، وغالبًا ما يبدأ أحد الطرفين بذلك، فيقوم الطرف الثاني بالرد عليه بالمثل. لكن في حال خاطبك شريكك بكلام جارح، فلا ترد عليه بالمثل. جميعنا تعرضنا لكلام جارح في صغرنا وفي حياتنا قبل الزواج، وهذا يجعلنا نستخدم هذا الكلام مع شريكنا أو مع أولادنا. تجنب الكلام الجارح والمهين خلال المواجهة.

 

3 - المبدأ الثالث:

لا تستخدم كلمات غير لائقة، سأتحدث عن ثلاثة أمور لا يجب القيام بها، وثلاثة يجب القيام بها وكلها تتمحور بما نفعله بلساننا.

ممنوع أن تصرخ: الصوت العالي هو أول علامة خطرة للعلاقة. للحق قوة في ذاته إن كنت أقول الحقيقة ليس عليَّ أن أعلِّي صوتي.

لا تستخدم كلمات مؤذية وجارحة: أحيانًا يسهل جرح الطرف الثاني، فأبدأ بالحكم على دوافعه، وأظن أنني أعلم لما هوَ يفعل ذلك، لكنك لا تدرك ذلك. عندما نقول: " لا يمكنني أن أكمل العلاقة مع ما تقوله لي، لأ أعرف كيف أمضي الوقت معك وأنت تتفوه بهذه الكلمات "، فهذا الكلام يزعزع أساسات العلاقة وتبدأ بفقدان الثقة. كزوج وزوجة نحن في وضع حساس لأننا نعرف الأمور الجيدة والسيئة عن بعضنا البعض، هناك مثل أجنبي يقول أننا عندما نتعارك نرمي بعضنا بالطين.

تذكر ماضينا: بمعنى آخر أننا نبتدىء بذكر أمور من الماضي، ونبدأ بجرح الآخر بكلامنا وبذلك نوسع الهوة بيننا وبين الطرف الآخر. لو رجعنا للماضي لأدركنا قوة الكلمات التي قيلت لنا، مثل ما يقوله له أهلك أو أساتذتك أو أصحابك. هذه أمور مدمرة جدًا جدًا، لأنها تبقى في داخلك ما لم تتم المصالحة بشأنها. لنكن حذرين مما نقوله وكيف نقوله. أحيانًا نقول الحقيقة لكننا نقولها بطريقة مدمرة للشخص الآخر، أحيانًا تكون مثل إطلاق خرطوم قوي من الماء على شريكي، ولكن بدل أن أطفئ النار التي خرجت منهُ، أقوم برميه أرضًا من قوة اندفاع الماء.

 

الحلول الإيجابية:

اختيار الوقت المناسب والمكان المناسب: لا تواجه الآخر عندما تكون مغتاظًا وغاضبًا، عليك التدرب على الأمر، عندما تشعر أن صوتك بدأ يرتفع وينفعل، عليك أن تقول أنا غاضب جدًا الآن، وتعتذر، ومن ثم اخرج من الغرفة حتى تهدأ، يمكنك تطبيق هذا مع الأولاد أيضاً. الجيد في الأمر أنك عبَّرتَ عن مشاعرك، وبهذا تعطيهم مثلاً عن كيفية التصرف عند الغضب. إذاً عندما تغضب لا تصرخ، بل أُخرج، ومن ثم عد وأنت هادئ الطبع لتكمل المناقشة، بعد أن تكون قد أخذت موعدًا مع شريكك لذلك. وتذكروا أنه من الممنوع منعًا باتًا مناقشة المشاكل أمام الأولاد. في حال حصلت مشكلة حوالي منتصف الليل، فلا تناقش الموضوع عندها، بل اتفق مع شريكك على موعد في اليوم التالي لتناقشا الموضوع معًا.

 

إبدأ دائماً المواجهة بتأكيد على حبك وقبولك للشخص الآخر: يُمكنك أن تبدأ الحديث بقول أنا أحبك وأهتم لأجلك. جميعنا في زواجنا وعلاقتنا مع أولادنا لدينا خوف عميق جدًا، وهذا الخوف هو خوف التخلي، أولادنا يخافون من أن نتركهم يومًا ما. وبين الزوج والزوجة لدينا هذا الخوف أيضاً، بأن يحصل أمر ما يزعزع علاقتنا. لذا علينا دائمًا أن نؤكد لشريكنا أننا نحبه وكذلك الأمر لأولادنا، مؤكدين لهم أن لا شيء سيفصلنا عنهم. لكن للآسف في كثير من العلاقات يُستخدم هذا التهديد بالتخلي، بطريقة شبه يومية. عندما نواجه بعضنا، يجب أن نبدأ بإعلان حبنا وعدم تركنا للآخر، ولا يجب أبدًا أن نهدد بعضنا بالطلاق لأنه سيزعزع أساس العلاقة.

 

ناقش مشاعرك الشاكية دون الحكم على الشريك: كالقول أنا أعرف ما تعنيه، لأنك لا تعرف ما يعنيه شريكك. يمكنك القول: أنا أعرف ماذا فعلت لكني لست أعلم لماذا، وبهذا تعطي شريكك الفرصة بشرح نفسه لك. عندما تدعو شريكك لشرح نفسه لتفهمه أكثر، تخبره ما هو شعورك تجاه الأمر، لكنك أيضًا تقول له أنك تريد أن تفهمه أكثر. نحن نعلم أنه هناك اختلاف بين الرجل والمرأة، المرأة جيدة جدًا بالمواجهة وباستخدام اللسان، ويمكنها الاستمرار بالكلام دون ارتفاع الضغط، لكن الرجل لا يملك هذه الموهبة. المرأة تحمل قائمة طويلة بالأمور التي يجب التحدث عنها، والرجل المسكين يعاني من الأمر لأنه لا يعرف كيفية التعامل معهُ. الرجل يهدف لأمر واحد، ويحب إنجازه بسرعة وبساطة، فهوَ لا يحب كثرة الأمور التي تأتي في الوقت نفسه. قد يقول الرجل لزوجته أنا مستعد لسماع شكواك ولن أدافع عن نفسي، ولن أنفعل وسأكون صادقًا، أما المرأة فستقول أنا مستعدة لسماع شكواك، وسأتحاور معك وستكون طريقة حواري مظهرة لاحترامي لك، لأني أعرف أنه ليس لديك إمكانية سماع الكثير من الشكوى والتعقيدات مثلي.

 

4 - المبدأ الرابع:

لا تسمح لغضبك الماضي بتقليل محبتك اليوم، سامح. أحيانًا نحن نجمّع الغضب، وهذا يشير لأنه علينا الانفراد بأنفسنا لنصلي ونفكر، والتأكد أننا لا نحمل حقائب الماضي معنا، غضب الماضي. هذا تدريب جيد لك وقد اختبرته بنفسي. وضعت قائمة بكل الناس الذين أغضب منهم، وكتبت سبب غضبي من كل واحد، وقد ساعدني هذا على إدراك غضبي والتخلص منهُ، وإطلاق الشخص الآخر. قد نغضب من الله أحيانًا أو من أنفسنا، لكن إن غضبت من نفسي فهذا الغضب سيؤثر على علاقتي بالآخرين. وعليَّ أن أغفر لنفسي الأخطاء التي ارتكبتها في الماضي، وعليَّ عدم إدانة الآخرين، بل إطلاقهم ومباركتهم ومسامحتهم، وعلينا أن نقرر أننا لن نكون غير لطفاء مع شركائنا وأولادنا، وأننا سنطلقهم مهما حصل، ونتعهد لأنفسنا أننا لن نستنبش أمور الماضي لوضعها أمامنا.

 

إذاً القوانين الأربعة هي:

1 - لا تنكر غضبك.

2 - لا تدع الشمس تغرب على غيظك.

3 - لا تستخدم كلمات مسيئة وجارحة.

4 - لا تسمح للغضب بإنقاص حبك للآخر.

 
 
    خادم الرب: هاني مرقس