السيطرة
     
 

موضوع السيطرة من المواضيع التي يتجنبها الناس، لأنها موضوع حضاري، وعندما يتحدى أحدهم حضارتنا، نرفض الاستماع ونعتبر كلامه غربي وخارج عن المألوف. لكننا نرى يسوع فعل عكس هذا، فهو قد تخطَّى الحاجز الحضاري، ووقف بين كلمة الله التي كان يعلنها وبين حضارة الناس الذين كان معهم. نرى هذا في موقفه مع المرأة السامرية مثلاً، أو المرأة الزانية. كان الناس يراهنون على موقفه، أيضًا موقفه من مريم التي دهنت رجليه بالعطر، وموقفه من الباعة في الهيكل، والشفاء يوم السبت، وغسل أرجل التلاميذ، أو سماحه لهم بالأكل دون غسل أيديهم. لقد تحدى يسوع كل تقاليد حضارته المتفق عليها من قبل. أنا أستغرب كم نعلق من آمال على غير المسيحيين، الذين يسمعون عن المسيح بأن يتغيروا، ونحن نطالبهم بأن ينسلخوا عن حضارتهم وعاداتهم، وبأن يأتوا إلى حضارة غريبة، إلى حضارة الملكوت، وفي الوقت الذي نطالب فيه غير المسيحيين بذلك، نبقى نحن غير قابلين للتأقلم مع حضارة الملكوت في بيتنا وكنيستنا.

 

هناك أمران يدخلان معي في الزواج:

1 - ما شربته وتعلمته من أهلي وبيتي: هناك العديد من الأنظمة المطبقة في مختلف البيوت والمناطق، التي نقتبسها في حياتنا، وتبقى معنا طوال حياتنا وتصبح أمراً طبيعيًا. لكن ماهو الطبيعي؟ لا أحد يعلم، ما تراه أنت طبيعي قد لا أراه أنا طبيعي والعكس صحيح. أنت نفسك لن تقدر أن تقول ما هو الطبيعي. يبقى الأمر نسبيًا لكل واحد منا. حتى داخل البيت في الزواج قد تظن أن شريكك غير طبيعي، ولن يكون أي منكما على خطأ، لكن هناك توضيحات يجب أن تتم، وجسور يجب أن تُبنى. ممارسات أهلنا والعائلة التي ترعرعنا فيها تنعكس على ما نقبله وما نرفضه، وهذا ينحفر في ذاكرتنا، وندخل فيه إطار الزواج. أضف على ذلك طبيعتك الخاطئة.

 

2 - الشركة في الزواج: في الزواج يجب أن يقود الرجل العائلة في خضوع مشترك بينه وبين زوجته. هناك فرق كبير بين قيادة الرجل وبين تسلط الرجل. أنا شخصياً اعتقدت لفترة طويلة أن الهيمنة في الزواج هي القيادة، لكنني كنت مخطئًا. لن ينجح الزواج ما لم يكن مبني على إدارة البيت المشتركة، وعلى القيادة معًا. سبق أن قلت لكم أنه في الكتاب المقدس ليس هناك من إشارة على أن الله كان يريد أن يقود الرجل أو يسيطر على المرأة لكن هذا حصل بعد السقوط.

 

التحكم غير المتكافئ في أركان العلاقة:

هناك أركان في العائلة لا يجب أن تتزعزع:

الأولاد ، المال، الأصدقاء، الطعام، الجنس، الخدمة، الكنيسة، العقيدة والممارسات الروحية، حدود العلاقة مع أهل الزوجين، نظرتنا للعالم وتقييم ما نحتاجه وما لا نحتاج إليه. في بعض البيوت يقوم واحد من الطرفين بإدارة كل هذه الأمور، وفي البعض الآخر قد يقوم أحد الطرفين بنصف هذه الأمور والطرف الآخر بالنصف الباقي. قد يكون أحيانًا الأولاد هم الذين يقودون ويسيطرون في العائلة. لكن في معظم الأحيان يكون الرجل هو المهيمن.

 

كيف نمارس السيطرة؟

نمارسها عبر أربعة طرق:

1 – بالتخويف والتهديد: الصوت المرتفع، التهديد، الغضب الشديد، التهديد بالضرب أو بكسر الأغراض، الانتهاك العاطفي أو اللفظي، انتهاك جنسي بالتحقير أو بإجبار شريك حياتي على القيام بأمور تشعره بالإهانة، إشعار المرأة وكأنها مُغتصَبة، أي كأنه عليها ممارسة الجنس غصبًا.

2 – بالابتزار: إشعار الآخر بالذنب حتى ولو كان ذلك بكل لطف. جعل الآخر يفعل كل ما تريده، إشعار الآخر بالخزي، بالخوف، معاقبة الطرف الثاني عن طريق الصمت خاصة إن كان الشريك معتاد على التواصل، التذمر، النق، الزعل لجعل الشريك يستسلم لك.

3 – باستخدام قوة الشخصية: بعضنا لديه شخصية قوية وآراء مهددة جدًا، هو لا يصمت بل يقول كل ما يأتي على لسانه، أو قد يكون النق، عندما يستمر الشخص بالنق إلى أن يرضخ الشريك الاخر له، أو قد تكون المناقشة الطويلة التي لا تكل والتي تجعل الآخر ييأس ويخضع لشريكه. قد تنهي المناقشة وانت غير مقتنع، لكنك تنهيها لأنك لا تستطيع الاستمرار.

4 - برفض التأثر برأي شريكي: عدم قبول وجهة نظر غير نظرتي أنا. يا له من موقف بشع عندما لا يسمح الشريك لشريكه بالتأثير عليه برأيه. لن تستمتع بعلاقة جميلة ما لم تسمح لشريك حياتك بأن يؤثر عليك، والشريك المدرك أن لا تأثير له على شريكه هو شخص تعيس، ومهما بدت العلاقة سعيدة ومهما كانت الأوضاع المادية جيدة، لن يكون هناك سعادة عند أحد الطرفين، في حال وجود أي من هذه الطرق الأربعة لممارسة السلطة.

 

يوجد أربعة أنواع من السيطرة:

1 - السيطرة التامة لأحد الطرفين على الآخر، والثاني يكون مثل الزائر الذي لا دور له.

2 -  السيطرة الإنتقائية: مثلاً أحد الشريكين يسيطر على المال والآخر على الأولاد، لكن في هذه الحالة يقوم كل من الطرفين بالتحكم على الآخر، من خلال موقع سيطرته، مثلاً يقوم الرجل بمنع المال عن الزوجة مقابل أمور معينة، وتقوم الزوجة بحرمان الأب من عاطفة الأولاد، من خلال جعلهم يتعلقون بها فقط، مقابل أمور معينة.

3 -  السيطرة تحت الخوف: عندما يكون الخوف مهيمن على الموقف، يقوم الزوج بأخذ زمام الأمور عبر الصراخ والهيمنة والعكس صحيح.

4 – سيطرة أحد الطرفين إلى حين يغضب الطرف الآخر، مثلاً امرأة مسيطرة على الأمور، والرجل ساكت لا يتفاعل إلى أن تصل الأمور إلى مستوى عال، فيغضب الرجل ويسيطر على الموقف بالصراخ والقوة.

 

يتأثر الأولاد جدًا بسيطرة الأهل. تثبت الدراسات أن أسوأ الأولاد هم الأولاد الخارجين من بيوت، تسيطر فيها المرأة، وقد لوحظ العديد من الأمراض النفسية لدى الأولاد الناشئين في هكذا ظروف. الدرجة الثانية هي حين تسيطر الأم، لكن بشكل خفيف أي دون سلطة مطلقة. النوع الثالث حيث يكون الأبوين بنفس مستوى السلطة، وقد لوحظ  أن أولاد هذه العائلات كانوا أصحاء نفسياً، لكنهم لم يكونوا يعلمون كيفية التعامل مع السلطة بسبب التساوي بين الأهلين، دون وجود سلطة واضحة. أما النوع الرابع فهو حيث كان الرجل يقود البيت والعلاقة، وكان هو قائد البيت مع تواجد حب، احترام وتقدير متبادل بينه وبين زوجته، هذا النوع أنتج أولادًا أصحاء من كل النواحي.

يعتقد المسيطر في البيت أنه هو المنجز، وأنه بدونه لكان البيت تحطم. يعتقدون أن الحياة تتوقف عندهم.

 

مفعول السيطرة:

 السيطرة مدمرة للعلاقة. يبحث المسيطرون عن الخاضعين، ليبسطوا سيطرتهم عليهم بسهولة. يكون الطرف الخاضع عرضة لعدة أمراض ومشاكل نفسية. وغالباً ما يكون الطرف الخاضع شخصًا لا ثقة لديه بنفسه ولا قيمة لديه لذاته، وهذا ما يجعله يبقى راضخًا دون دفاع. عندما تكون المرأة هي المسيطرة في العلاقة، تجعل الرجل ينكسر ويصبح لا شيء. وفي حال استسلم الرجل للأمر ولم يعترض، سيشعر بنقص بالرجولة وبعدم احترام لكرامته.

أول ضياع للسيطرة، هو ضياع المودة والحب والقرب. لو كنت تتصور أنه يمكنك أن تسيطر في البيت، وأن كل شيء سيسير جيدًا، فأنا أدعوك اليوم لتتغير، كي لا تفقد الحب والقرب والمودة في العلاقة، وتسبب فقدان الاحترام وحماسة الحب، فقدان المودة والاقتراب. لا المسيطِر على العلاقة ولا المسيطَر عليه يستطيعان أن يحبا بعضهما البعض، لأنه سيكون هناك دائمًا شعور بالظلم والمرارة والنفور...

السماح للمسيطر بالسيطرة لن يصلح العلاقة، لا تظن أنك إن تركت الأمور تكمل هكذا ستحصل على السلام، لأن السلام غاب مع السيطرة، لا تتظاهر بالسلام وأنت تشعر بالظلم. احذر بأنك ترسم عالم أولادك وترسم لهم مستقبلهم. نحن نؤثر على أولادنا بطريقة تعاملنا مع بعضنا البعض كزوجين أمامهم، السيطرة تنتج أولادًا مضطربين نفسيًا، لأن صوت السيطرة يعلو على صوت الحب مهما كان صوت الحب عال وواضح.

 

أود إضافة بعض النقاط عن سيطرة المرأة، أقوى عضو للسيطرة لدى المرأة هو اللسان، ومن المعروف أن المرأة أنجح من الرجل في تعلم اللغات وفي التعبير عن نفسها، وهذا له تأثير إيجابي وسلبي، يمكن للمرأة المسيطرة أن تستخدم لسانها في إسكات رجلها بالكامل، من خلال وعظ رجلها وانتقاده مثلاً. كما ولديها بال طويل للكلام الكثير، يتحدث الكتاب عن المرأة النقاقة، ويقول في سفر الأمثال أنها مثل حنفية، يتسرب الماء منها باستمرار، وهذه تقنية تستخدمها المرأة للتحكم بالرجل.

 

أمر آخر هو التذمر أو الشكوى السلبية على الرجل، بمعنى أنها لا ترى فيه أي شيء جيد كفاية، لا شيء يقوم به، جيد كفاية بالنسبة لها. هي دائمًا ترى العيوب في كل ما يفعله، ولا تُقدِّر أبدًا الجهود التي يبذلها هو. وهناك المرأة المتلاعبة والاستغلالية، لنأخذ مثلاً أن الرجل عاد إلى بيته تعب، يمكنها هنا أن تُحضِّر لهُ طعامًا لذيذًا، وتبدأ بالتذمر والطلبات منه، وكأنها تتحكم به لتنال ما تريده، كذلك يمكنها استخدام الجنس لذلك، أي أن تعطيه الجنس لتنال ما تريده، أو لا تعطيه إياه لأنه لم يعطها ما تريده. وهناك أيضاً سيطرة المرأة على الأولاد، خاصة في الشرق الأوسط، وبالأخص سيطرة الأم على ابنها، وبينما الأولاد يكبرون، تقوم هي بالتحكم بهم وتفسدهم بإعطائهم ما يريدون دون علم الأب، وهكذا تربحهم لجانبها. هذا مخطط طويل الأمد للحصول على السيطرة على الأولاد، وإبعادهم عن أبيهم إن أرادت. يمكن لها أيضاً أن تتحكم في كل صغيرة وكبيرة، وتريد أن تعرف كل شيء عن كل شيء. لا يمكنها أن ترتاح دون المعرفة بكل شيء والسيطرة على كل شيء.

 

خمسة أسباب للسيطرة:

1 – شخصية مسيطرة متزعمة أحيانًا، متكبرة وقد اعتادت على هذا الأمر. يحتاج هذا الشخص لأن يطلب ثمار الروح في حياته. اصرخ للروح القدس وادعه ليتعامل مع قلبك، ويعلمك كيف تتعامل مع الناس الذين في طريقك. أخضع نفسك للروح القدس، وإلا ستتحول لوحش يصعب العيش معه. تخلى عن حقك المعتاد في السيطرة والتحكم. لا يجب أن يظن الشريك أنه عليه أن يعلِّم شريكه كيفية القيادة.

2 – الخوف والضيق والضغط، يتحول البعض تحت هذه الظروف للسيطرة، خوفًا منهم من فقدان بعض الأمور أو حصول بعض الأمور.

3 - آثام وذنوب الأجيال والوعود الدفينة: آثام الأجيال، كلمة ذنوب في العبرية تعني الإعوجاج، وهنا الإعوجاج يكون أخلاقي وسلوكي. يجب أن تكون الشخصية سوية ومستقيمة، لكن عندما تدخل ذنوب الآباء في نمو شخصيتي، تعوَج شخصيتي، وتخرج عن نموها المستقيم. هل هناك تصرف ما كنت تكرهه في أهلك وأنت الآن تقوم به بنفسك؟ هذا يحدث كثيرًا، لأن هذا هو الأرشيف الوحيد الذي تعرفه، لكن إن لم تكسر هذه الآثام فستسيطر عليك وعلى أولادك من بعدك. من هذه الذنوب يوجد: التمرد، الحياة المائعة أخلاقيًا، الخيانة الزوجية، الكبرياء، الانتهاك اللفظي الجنسي والجسدي، السيطرة الذكورية أو الأنثوية، الهروب من المشاكل وعدم مواجهتها، التقيد الحَرفي، التعصب الأعمى ضد أي شيء، الحب والقبول المشروط، النميمة....

أما الوعود الدفينة فقد تكون سلبية مثل: رؤية فتاة والدها ينتهك أمها باستمرار والقول لنفسها لن أسمح لأي رجل بمعاملتي هكذا. أو قد تكون إيجابية مثل: قول ولد فقير لنفسه لن أعيش حياتي هكذا، بل سأجتهد وأعمل واحسن مستوى معيشتي وأصبح غني. مثل آخر: رجل نشأ في بيت حيث الأم مسيطرة، يكبر وهو لديه شعور بالكره تجاه أمه، فيتزوج ويعامل زوجته بالسوء، لأنه لا يريدها أن تعامله كما عاملت أمه والده.  إن كان هناك إثم من أهلك اعترف به واكسره أمام الرب، وسامح أهلك عما فعلوه، وتحمل مسؤوليتك بالكامل ولا تعتبر نفسك ضحية فقط، اذهب واطلب الغفران من شريك حياتك على أذيتك له بهذا الشكل، ولو كان لديك أولاد ناضجين، اعتذر لهم.

4 – التعصب والاستعلاء الذكوري: الرجل مثل الديك أو الطاووس، هو لديه نقص، ويحاول دائمًا أن يرسل الرسالة نفسها، بأنه قوي ورجل حقيقي، وهو غالبًا يتزوج بامرأة ضعيفة ليتسلط عليها.

5 – الشعور بالمرارة وعدم الغفران: الذي يجعل المرء يريد الانتقام عبر السيطرة.

 

تصحيح الوضع يبدأ بـ:

1 - أن تعرف إن كان لديك موقف السيطرة أم لا.

2 – معرفة موقفك من ذنوب الأباء.

3 – معرفة موقفك من الوعود الدفينة.

4 – اعتذر لشريكك واطلب منه السماح.

5 - صليا معًا أنت و شريكك بكل هذه النقاط واعملا على تصحيحها معًا.

 
 
    خادم الرب: هاني مرقس