أثناء الحروب، لا سيَّما الشرسة منها، يعمد القادة إلى إيجاد أوقات مُعيَّنة يأخذون فيها الجنود إلى مكان راحة، فيتم رفع معنوياتهم من جديد، ويتم الإعتناء بهم وإعطائهم قسط وافـر من الراحة، فتُسمَّى تلكَ الفترة " ٱستراحة المُحارب ".
وهذا ما قادني إليه الروح القدس اليوم، وبعد سلسلة من الدراسة حول الحرب الروحية، والتي تضمَّنت توجيهات صارمة من الرب لنا، لناحية التنقِّي والإستعداد الدائم لمواجهة العدو وغيرها من المواضيع، سيأخذنا الرب اليوم وكما فعلَ مع تلاميذه مرارًا إلى " موضع خلاء "، يُريحنا فيه ويرفع معنوياتنا، ويُسمعنا كلامًا مُشجِّعًا، يبنينا، يُنعشنا ويُقوِّينا..
" وٱجتمعَ الرسل إلى يسوع، وأخبروه بكل شيء، كل ما فعلوا وكل ما علّموا، فقال لهم: تعالوا أنتم مُنفردين إلى موضع خلاء وٱستريحوا قليلاً، لأنَّ القادمين والذاهبين كانوا كثيرين، ولم تتيسَّر لهم فرصة للأكل، فمضوا في السفينة إلى موضع خلاء منفردين " (مرقس 6 : 30 – 32).
الطبع البشري بالإجمال، يميل إلى الحصول على كل ما يحتاجهُ بسرعة فائقة، وهوَ طبع لا يستطيع الإنتظار لحصول الأمور في وقتها المناسب.. لكن طرق الله ليست كذلك.
فمرارًا كثيرة، ونحنُ نسير في حياتنا مع الرب، نتوقَّع أن تتغيَّر كل أمورنا في طرفة عين.. والخطورة في هذا التوقُّع أنهُ إن لم يحصل بالسرعة التي نريدها، نفشل ونُحبط ونكتئب، ونعتقد أنَّ الله نسينا، أو هوَ مستاء منَّا لكثرة القيود أو الخطايا المتكررة في حياتنا، فننزوي ونتعطَّل عن العمل والنمو والتقدم، وحينها يكون عدونا إبليس قد وصلَ إلى مبتغاه..
جميعنا يُعاني من مشاكل ولديه ضعفاته وتقصيراته، وبعض القيود والخطايا المتكررة التي يقع فيها.. جميعنا لا يتمتَّع بالفرح الكامل.. لديه أحزان وضغوطات وحروبات يتعرض لها، لا سيَّما الأمناء منَّا والذين لديهم قلب صادق لخدمة الرب والسير في الطرق التي ترضيه..
وأيضًا عندما لا تتحقق رغباتنا هذه في الوقت الذي نتوقعهُ، نفشل ونُحبط ونتعطَّل، ونشعر بالذنب والدينونة، وكأنَّ الله غاضب وغير راضٍ عنَّا..
لا.. الأمر ليسَ كذلك..
تعالوا نذهب معًا في هذا اليوم إلى موضع خلاء.. موضع للراحة.. نسمع فيه كلامًا مباشرًا من الرب يسوع المسيح، يفضح فيه كذب العدو.. يُطيِّب قلوبنا، يُشجعنا، يبنينا ويقويِّنا..
أحبائي: ما دام لنا قلب صادق أمام الرب، ٱتجاههُ إرضاء الرب والسلوك في الطرق التي ترضيه، قلب لا يُرحِّب بالخطيئة، بل يعترف فيها كلما سقط، ويقاومها بٱستمرار على قدر الطاقة.. أريدك أن تُردِّد مع إشعياء النبي ما قالهُ لنا منذُ القِدَم:
" فرحًا أفرح بالرب، تبتهج نفسي بإلهي، لأنه قد ألبسني ثياب الخلاص، كساني رداء البر... " (إشعياء 61 : 10).
هل نبدأ بالنعمة.. ثمَّ نُكمل بالناموس كما فعلَ أهل غلاطية؟
بالطبع لا.. فنحنُ نبدأ بالنعمة.. نستمر بالنعمة.. وننتهي بالنعمة..
إنَّ الرب، وعندما قبلتهُ مخلصًا شخصيًا لكَ، ألبسكَ رداء البر.. وعندما تنمو معهُ، ومهما بلغت السنين التي تُمضيها معهُ، يبقى هذا الرداء يكسوك، وهوَ كلما نظرَ إليك، لا يرى ضعفاتك وتقصيراتك وخطاياك، بل لا يرى سوى رداء البر الذي يُغطيك فيراك كاملاً، دون خطيئة، وتستحق كل مكافآته وتعزياته، طالما وكما ذكرنا أنَّ ٱتجاه قلبك أن تحيا لهُ بأمانة مهما كانت الظروف التي تمر بها الآن.. بار دومًا.. محبوب دومًا.. لا يتخلَّى عنكَ أبدًا، وهوَ من قال:
" ٱصغوا إليَّ يا بيت يعقوب، ويا بقيَّة ذريَّة إسرائيل الذين حملتهم منذُ أن حُبِلَ بهم، وتكفلت بهم منذُ مولدهم، وبقيتُ أنا حتَّى زمن شيخوختكم، وحملتكم في مشيبكم، أنا صنعتكم، لذلكَ أنـا أحملكم، وأُخلِّصكم " (إشعياء 46 : 3 – 4).
اللحظة التي تولد فيها من جديد.. وخلال حداثتك مع الرب.. وفي زمن شيخوختك مع الرب.. وحتى مشيبك معهُ.. يحملك ويتحملَّك ويُخلِّصك، لأنهُ هوَ صانعك.. ولو أخذنا المعنى الرمزي لهذا الكلام، فإن كنت في ريعان نشاطك وعطاءك للرب.. أو إن مررت بمراحل ضعف وتقصير كرجل شيخ أو حتى كهل وهَرِمْ.. الرب لا يتغيَّر موقفهُ منك.. سيبقى يحبك ويشجعك ويقبلك كما أنت.. لا بل أكثر، فهوَ دومًا يراك بار.. كامل.. دون خطيئة.. لأنَّ رادء البر يكسوك ويُغطِّيك.. لهُ كل المجد.
هل تتشجَّع عندما تعرف أن رجالات الله الذين فتنوا المسكونة، كان لديهم الضعفات والتقصيرات نفسها التي تمر بها أنتَ الآن؟
إذًا إقرأ معي ما يقولهُ بولس:
" ليس أنِّي قد نلت أو صرت كاملاً، ولكني أسعى لعلِّي أُدرك الذي لأجله أدركني أيضًا المسيح يسوع، أيها الإخوة أنا لستُ أحسب نفسي أنِّي قد أدركت، ولكني أفعل شيئًا واحدًا، إذ أنا أنسى ما هو وراء، وأمتد إلى ما هو قُدَّام " (فيلبي 3 : 12 – 13).
بولس الرسول يقول: لم أُصبح كاملاً، لم أُدرِك بعد ما أُريده..
وهل تعرف متى كتبَ بولس هذه الرسالة؟
لقد كتبها حوالي عام 61م، وهوَ في السجن في روما، أي في أواخر حياته !!!
هل يُشجِّعك هذا الكلام.. أرجوك لا تكن قاسيًا على نفسك.
ويُكمل بولس ليقول: لكني أفعل شيئًا واحدًا، أنسى ما هوَ وراء.. أنسى تقصيراتي وضعفاتي، لا أُركِّز عليها لكي أفشل، ولكي يوقعني إبليس في متاهة الشعور بالذنب والدينونة، بل أثق بمحبة ونعمة إلهي، أثق برداء البر الذي يكسوني ويجعلني كاملاً في نظر إلهي، فأمتد إلى الأمام وأُكمل سعيي.
وبولس تمكَّن من كتابة تلكَ الكلمات، لأنهُ يعرف قلب الرب الحنون والمُحب، ويعرف ما كتبهُ داود في مزموره عندما قال:
" الرب رحيم ورؤوف، طويل الروح وكثير الرحمـة، لا يُحاكم إلى الأبد ولا يحقد إلى الدهر، لم يصنع معنا حسب خطايانا، ولم يُجازنا حسب آثامنا، لأنه مثل ٱرتفاع السموات فوق الأرض، قويت رحمته على خائفيه، كبُعد المشرق من المغرب أبعدَ عنَّا معاصينا، كما يترأف الأب على البنين، يترأف الرب على خائفيه، لأنَّه يعرف جبلتنا، يذكر أننا تراب نحن " (مزمور 103 : 8 – 14).
هل أنت من خائفي الرب والراجين رحمته؟
إذًا فهذا الكلام هوَ لكَ.. الرب لا يُعاملك حسب خطاياك، ولا يُجازيك حسب آثامك، بل يُبعدها عنك، ولهذا يُمكنك أن تنسى ما وراء وتمتد إلى الأمام كما فعلَ بولس، لأنَّ الرب رحوم، عارف أننا بشر ومجبولين من التراب..
أُنظر إلى نفسك في هذا الصباح كما ينظر الرب إليك، لكي تتغيَّر كل ظروفك وكل حياتك، لكي يعود الفرح ويملأ قلبك من جديد بعد طول غياب..
هل لديك مخاوف؟ هل تقلق وتكتئب أحيانًا؟ وهل تُحاسب نفسك لماذا أنتَ هكذا؟
تشجَّع.. بولس مرَّ بما تمر بهِ أنت الآن، وإقرا معي ما يقوله:
" لأننا لما أتينا إلى مكدونية، لم يكن لجسدنا شيء من الراحة، بل كنا مكتئبين في كل شيء، من خارج خصومات، من داخل مخاوف " (2 كورنثوس 7 : 5).
للرب قصد بكل تأكيد أن يضع أمامك هذه الحقائق لكي تتشجَّع، وتعرف كما قالَ بطرس الرسول:
" ... أنَّ نفس هذه الآلام، تُجرى على إخوتكم الذين في العالم " (1 بطرس 5 : 9).
ولعلَّ المثل اللبناني يُعبِّر خير تعبير عمَّا نقصدهُ، إذ يقول:
" الذي يرى مصيبة غيرهُ، تهون مصيبتهُ ".
لكـــن.. هل هذه هيَ خطة الله لنا أن نحيا ضعفاء ومكتئبين وقلقين ونتخبط في قيودنا وخطايانا؟
بالطبع لا.. وليسَ هذا ما أقصدهُ من تأملنا في هذا الصباح، إنمَّا القصد هوَ أن أُساعدك أن تعرف بالدرجة الأولى، أن الرب يحبك كما أنت، وهوَ فرحان جدًا بأمانتك ومحاولاتك لكي تحيا الحياة التي ترضيه، وهوَ يراك كامل ودون خطيئة، تلبس رداء البر، وعندما ترتاح بمحبته هذه، وتُدرك أن رجالات الله الذين سبقونا، ورجالات الله الذين هم اليوم حول العالم، لديهم نفس ضعفاتك وتقصيراتك، ومخاوفـك، تتعـزَّى عوضًا عن أن تفشل وتنزوي وتتعطَّل، فتنسى ما وراء وتمتد إلى الأمام، وتنتظر عمل الله لكي يكتمل في حياتك، ويقودك من قوة إلى قوة، ومن مجد إلى مجد.
فالرب: " لا يتباطأ عن وعده كما يحسب قوم التباطؤ، لكنه يتأنَّى علينا " (2 بط 3 : 9).
والرب يفعل كما يفعل الفلاح:
" هوذا الفلاح ينتظر ثمر الأرض الثمين، متأنيًّا عليه حتى ينال المطر المبكر والمتأخر " (يعقوب 5 : 7).
وٱسمع ما سجلَّهُ لنا الوحي لكي تتشجَّع أكثر:
" ٱنظروا إلى إبراهيم أبيكم، وإلى سارة التي ولدتكم، لأني دعوته وهو واحد، وباركته وأكثرته... " (إشعياء 51 : 2).
دعوته وهوَ واحد.. لكــن.. في الوقت المحدد وعندما قطعَ إبراهيم كل أمل بالإنجاب.. حقَّق الرب الذي لا يتباطأ، وعدهُ، فأصبح نسل إبراهيم كنجوم السماء، ولماذا لم يكتفِ الروح القدس بذكر إبراهيم فقط، بل ذكرَ سارة أيضًا؟
لكي يشجعك ويجعلك ترى أن سارة العاقر، هيَ من ولدت هذا النسل الكبير !!!
هل ترى نفسك واحدًا فقط.. لا بأس، فإبراهيم كان كذلك.. لكن آمِنْ بأنَّ ما صنعهُ الرب معهُ في زمن العهد القديم، سيصنعهُ معكَ أضعاف في زمن العهد الأفضل، العهد الجديد.
هل ترى نفسك عاقرًا في أمور كثيرة، ولم تُنجب بعد ما تشتهيه؟
لا بأس أُنظر إلى سارة وتشجَّع، لا بل إقرأ معي هذا الكلام:
" ويقول أيضًا في مسامعكِ بنوكِ المولودون في أثناء ثكلكِ: إنَّ المكان أضيق من أن يسعنا، فٱفسحي لنا حتَّى نسكن، فتسألين نفسكِ: من أنجبَ لـي هؤلاء وأنـا ثكلى وعاقر، منفية ومنبوذة؟ من ربَّى لي هؤلاء؟ فقد تُركتُ لوحدي، أمَّا هؤلاء فمن أين جاءوا؟ " (إشعياء 49 : 20 – 21).
ثكلى.. عاقر.. منفية.. منبوذة.. وحيدة.. تعاني من الصراعات والإكتئاب.. وما إلى هنالك من أمور مشابهة؟ إسمع معي كلمة الرب.. هذا ما يقوله الرب لكم في هذا الصباح:
" يا أولادي الأحباء.. أنا عالم بكل أموركم.. أنا أرى أمانتكم وسعيكم.. أنا أرى تعبكم.. وأرى حزنكم وصراعاتكم.. أنا أرى كل شيء.. لكن يداي لم تُقصِّرا عن الخلاص.. أيام ليست ببعيدة.. ستنظرون حولكم وعلى كل الصعد.. وستصرخون من هول المفاجأة وتقولون: من أين جاء هذا الفرح.. من أين جاء هذا الشفاء.. من أين جاءت هذه البحبوحة.. من أين جاءت هذه القوة.. من أين جاءت هذه المعجزات.. من أين جاءت هذه النفوس.. من أنجبهم لي.. من أتى بهم إليَّ وأنا ثكلى وعاقر ومنبوذة ومنفية ووحيدة.. من ربَّاهم لي حتى كبروا؟ فأُجيبكم أنا الإله الذي لا ينسى تعب المحبة.. في الوقت المناسب وفي الزمن الذي حدَّدتهُ بحكمتي جئتكم بكل هذا.. تمتعوا وٱعرفوا أنني لم ولن أنساكم ".
أحبائي: الرب حنَّان ومُحب، نحن نُسوِّي الأرض ونزرع ونسقي، لكــن:
" هكذا ملكوت الله، كأنَّ إنسانًا يُلقي البذار على الأرض، وينام ويقوم ليلاً ونهارًا والبذار يطلع وينمـو، وهـوَ لا يعلم كيف، لأنَّ الأرض من ذاتها تأتي بثمر، أولاً نباتًا ثمَّ سنبلاً ثم قمحًا ملآن في السنبل " (مرقس 4 : 26 – 28).
نعم.. ونحن نائمون، سيُفاجئنا الرب ونحنُ لا نعلم كيف، بأرض تفيض لبنًا وعسلاً وخمرًا وقمحًا.. لكن بالتدرُّج.. نبات.. ثمَّ سنبل.. ثمَّ قمح ملآن..
سنعود من سبينا، وستمتلىء ألسنتنا ترنماً وأفواهنا ضحكًا، والذاهبون للزرع بالدموع سيرجعون مترنمين وحاملين الحصاد الوفير، لأنَّ.. " الصدّيق يسقط سبع مرات ويقوم... " (أمثال 24 : 16).
سنقوم بكل تأكيد من كل سقطاتنا ومن كل ضعفاتنا، ولنصرخ الآن معًا:
ٱستيقظي يا ريح الشمال.. أفيقي يا ريح الجنوب.. هبِّي يا رياح الروح القدس على جنَّتي، فيفوح عبيرها ويملأ كل الأرجاء.. هبِّي علينا ليكتمل فرحنا.. لتزول المخاوف والتنهدات والحسرة.. هبِّي علينا لتفرح العاقر وتصبح أم بنين.. هبِّي علينا لكي تمتلىء مخازننا بالنفوس الثمينة.. هبِّي علينا لكي نربح لبنان والدول المحيطة بنا.