تأملنا في الأسابيع الثلاثة الماضية في ثلاثة مواضيع:
الأول: كانَ بعنوان " سلوك يليق بالدعوة ".
والثاني: كانَ بعنوان " البقيَّة الأمينة ".
والثالث: كانَ بعنوان " الخائفون كلمتي ".
وتلكَ المواضيع الثلاثة، تتكلم عن ضرورة سلوك المؤمن الحقيقي، سلوك يليق بالموقع الذي أعطانا إياه الرب، وضرورة سيرنا وراء الرب في كل الظروف الصعبة، والتمسك بالدعوة وبالقداسة، وضرورة أن نرتعد من مخالفتنا أو عدم ٱحترامنا لكلمته، وضرورة إعطاء كلمة الرب السلطان المُطلق على حياتنا..
واليوم جاءَ الوقت لكي، يُعلن لنا الرب الهدف الأساسي من قيامنا بهذه الأمور..
لا شك أنَّ أول الأهداف هوَ أنَّهُ ينبغي أن نكون قديسين، لأنَّ إلهنا قدوس، وعلينا أن نُشاركه في قداسته، لا سيَّما القداسة العملية في سلوكنا اليومي.. لكن الروح القدس شاءَ أن يُعلن لنا هدف أبعد من ذلك..
ولهذا سنتأمل في علاقة رجلين من رجالات الله الكبار مع الله، والنتائج التي حقَّقاها لكي نتعلَّم منهما..
لو تأملت في حياة إبراهيم، لاكتشفتَ مدى طاعته للرب، ومدى خضوعه الكامل لهُ.. فما إن دعاه الله لكي يترك أرضه حتَّى أطاعهُ على الفور، وتُسجِّل لنا رسالة العبرانيين هذا الكلام المُعبِّر:
" بالإيمان إبراهيم لمَّا دُعِيَ، أطاع أن يخرج إلى المكان الذي كان عتيدًا أن يأخذه ميراثًا، فخرَجَ وهوَ لا يعلم إلى أين يأتي " (عبرانيين 11 : 8).
لا مجادلة مع الله، لا أسئلة.. أطاع وهوَ لا يعلم إلى أين ياتي..
هذه الطاعة الفريدة من نوعها.. جعلت علاقة الله بإبراهيم علاقة مُميَّزة.. وتعالَ ٱقرأ معي ماذا نتجَ عنها:
" وظهر لهُ الرب عند بلوطات ممرا، وهوَ جالس في باب الخيمة وقت حر النهار، فرفعَ عينيه ونظرَ، وإذا ثلاثة رجال واقفون لديه، فلمَّا نظر ركض لاستقبالهم من باب الخيمة وسجد إلى الأرض وقال: يا سيد إن كنت قد وجدت نعمة في عينيك، فلا تتجاوز عبدك، ليُؤخذ قليل ماء وٱغسلوا أرجلكم وٱتكئوا تحت الشجرة، فآخذ كسرة خبز، فتسندون قلوبكم ثم تجتازون، لأنَّكم قد مررتم على عبدكم، فقالوا هكذا تفعل كما تكلمت " (تكوين 18 : 1 – 5).
تلكَ الحادثة التي ظهرَ فيها الرب بهيئة ملاك، كانت بهدف تنفيذ قضاء الله على شرور سدوم وعمورة، والمفرح في هذه القصة، والملفت للنظر في الوقت نفسه، أنَّ الرب جاء خصِّيصًا لكي يزور إبراهيم.. كان يرتاح أن يجلس معهُ وفي بيته..
كان يُمكن للرب أن يذهب مباشرةً إلى تلكَ المدينتيـن، يُنفِّذ مـا جـاء مـن أجلـه، دون المرور بإبراهيم.. لكنَّهُ لم يتمكن من تجاوز أو تجاهل إبراهيم – إذا جازَ التعبير – والكلمـة تؤكِّد لنـا ذلـك، عندمـا ٱستجاب الرب لطلبة إبراهيـم، وجلـس عنـده وأكـلَ ممَّا قدَّمهُ لهُ.. وعندما غادر الرب خيمـة إبراهيـم، نقـرأ كلامًا أبعـد من ذلكَ بعد:
" ثم قام الرجال من هناك وتطلعوا نحو سدوم، وكان إبراهيم ماشيًا معهم ليُشيِّعهم، فقال الرب: هل أُخفي عن إبراهيم ما أنا فاعله؟ وإبراهيم يكون أُمَّة كبيرة وقوية ويتبارك به جميع أمم الأرض " (تكوين 18 : 16 – 18).
تأمَّل معي في روعة هذا الكلام.. الرب يتساءَل.. هل أُخفي عن إبراهيم ما أنا فاعلهُ؟
والذي كانَ سيفعلهُ الرب.. لم يكن يتعلق في عائلة إبراهيم أو عشيرته، بل في مدينتين لا تربط إبراهيم بهما أي صلة قرابة.. لكنَّ الرب لم يُخفِ ذلكَ الأمر عن إبراهيم.. بل أخبرهُ..
كانَ إبراهيم خليل الله.. يحب الرب أن يأتي لكي يزوره.. يرتاح في بيته.. يأكل عنده.. يُشاركه بما سيقوم به على الأرض وفي الدائرة المحيطة بهِ.. ويقول لنا الرسول يعقوب في رسالته:
" وتمَّ الكتاب القائل، فآمن إبراهيم بالله، فحُسِبَ لهُ برًّا، ودُعِيَ خليل الله " (يعقوب 2 : 23).
وفي اللغة الانكليزية تقول الكلمة " Friend of God " أي " صديق الله ".
أضحى إبراهيم صديقًا لله..
ولا تتفاجأ من هذا الكلام.. وتقول الله خالق الكون.. كليّ القدرة.. الإله المهوب.. الإله القدوس.. يحتاج إلى صديق.. صديق يُشاركه قلبه تجاه عمله على الأرض.. وما سيقوم بهِ..
نعم.. لأنَّ الكلمة تؤكِّد لنا هذا الأمر.. الله ٱرتضى أن يمنحنا هذا الامتياز العظيم..
فهل تُريد أن تكون " خليل الله " " صديق الله "؟
لنُكمل معًا ونتامَّل في الرجل الثاني: " موسى ".
" ويُكلِّم الرب موسى وجهًا لوجه، كما يُكلِّم الرجل صاحبه... فالآن إن كنت قد وجدت نعمة في عينيك، فعلّمني طريقك حتى أعرفك، لكي أجد نعمة في عينيك، وأنظر أنَّ هذه الأُمَّة شعبك، فقال: وجهي يسير فأُريحك، فقال لهُ: إن لم يسر وجهك، فلا تُصعدنـا من ههنا... فقال الرب لموسى: هذا الأمر أيضًا الذي تكلمت عنه أفعله، لأنَّكَ وجدت نعمة في عيني، وعرفتك بٱسمك " (خروج 33 : 11 – 17).
وكانَ الله يُكلِّم موسى وجهًا لوجه.. كما يُكلِّم الرجل صاحبه..
موسى أيضًا كان صديقًا لله..
تكلَّم مع الله كصديق لهُ.. ووجدَ نعمة في عينيه.. سار الله أمام موسى وأمام الشعب بسبب صداقته لموسى، وبسبب طلبة موسى منهُ.. إذ قالَ الله لهُ: هذا الأمر أيضًا الذي تكلمت عنه أفعله، لأنَّكَ وجدت نعمة في عيني، وعرفتك بٱسمك..
عرفهُ بٱسمه.. وأضحى صديقه.. فكيفَ لا يُحقِّق لهُ طلباته..
ولو تأملت في سفري الخروج والعدد، لاكتشفت كم من المرات وبسبب صداقته مع الله، وقربه منهُ، وتلكَ العلاقة الحميمة والمميزة.. نعم.. نجح موسى في التشفُّع من أجل الشعب لدى الله لكي يصرف غضبه، ولكي لا يُعاقبهم على شرورهم ومساوئهم.. ويقول المزمور:
" فقال بإهلاكهم، لولا موسى مختاره، وقف في الثغر قدامه ليصرف غضبه عن إتلافهم " (مزمور 106 : 23).
نتائج حتمية لتلكَ الصداقة.. توسط لدى الله من أجل شعب متمرد.. والنتيجة كانت إيجابية..
ذلكَ كانَ في العهد القديم.. فهل تغيَّرت الحال في العهد الجديد؟
قال الرب لتلاميذه:
" الـذي عنـدهُ وصايـاي ويحفظهـا فهـوَ الـذي يُحبني، والذي يُحبني يُحبه أبي وأنا أحبه وأُظهـر لـهُ ذاتي... إن أحبني أحد يحفظ كلامي، ويُحبه أبي، وإليه نأتي، وعنده نصنع منزلاً " (يوحنا 14 : 21 – 23).
المبدأ نفسه.. فكلمة الله ثابتة إلى الأبد.. الذي يسلك سلوك يليق بالدعوة.. البقيَّة الأمينة.. الذي يخاف كلمة الله ويحترمها، يحفظها ويعمل بها، هوَ من يُمكن القول عنهُ أنَّهُ يُحب الله.. والذي يحب الله، يحبه الآب والابن وإليه يأتيان ويصنعان منزلاً ويمكثان عندهُ.. يكون صديقهما.. يكون الشخص الذي يرتاحان أن يُشاركاه في الأمور المتعلقة ببلده، بمحيطه.. ويتكلمان معهُ كما يُكلِّم الرجل صاحبه..
ما هيَ الرسالة التي يُريد الروح القدس أن يوصلها لنا من خلال هذا التأمل؟
الرسالة بسيطة للغاية.. لكنها هامَّة وعميقة للغاية..
الرب خلَّصك مجانًا.. على حساب النعمة الغنية.. ودمه الثمين.. وأعطاك الحياة الأبدية..
وسوف تذهب إلى السماء عند مغادرتك لهذه الأرض.. وهذه حقائق أكيدة.. وإن كان هدفك من العلاقة مع الله هذه الأمور فقط.. فلا تخف، فهي ستتحقق مئة بالمئة.. لأنَّ تحقيقها يعتمد على إيفاء الرب للعهد الذي أقامهُ معنا، وهوَ أمين وسيفي بهذا العهد.. لكن هناك ما هوَ أبعد وأعمق من هذا الأمر..
الرب يريد أن تكون صديقه الحميم.. صديق تحترم كلمته وتعمل بها، صديق تحرص على تنفيذ ما يطلبه الرب منكَ بأمانة مهما غلت التضحيات وصعبت الطريق.. صديق يستطيع أن يرتكن إليه في المهات الصعبة.. صديق يرتاح الرب أن يمكث في منزله.. صديق يرتاح ويحب الرب أن يشاركه قلبه تجاه خطته لربح النفوس ولامتداد الملكوت في البلد الذي يعيش فيه أو الدائرة التي يحيا بها.. صديق يُتَّكَل عليه في كل الظروف والأوقات.. صديق يقف في الثغر ليصرف غضب الرب على شرور الناس ومساوئهم.. صديق...
فهل تريد؟
هل أنتَ من الأشخاص الذين إن قرَّر الرب أن ينزل إلى الأرض لسبب ما.. لا يُمكنه أن يتجاوز بيتك، دون أن يدخل إليك ويأكل عندك؟
وهل إن قرَّر الرب القيام بأمر ما في بلدك أو محيطك، يقول: هل أستطيع أن أُخفي هذا الأمر عن صديقي هذا؟
ولا يُمكنه إلاَّ أن يُخبرك؟
هل يُكلِّمك وجهًا لوجه كما يُكلِّم الرجل صاحبه؟
هل يستجيب كل طلباتك قائلاً: هذا الأمر أيضًا الذي تكلمت عنه أفعله، لأنَّكَ وجدت نعمة في عيني، وعرفتك بٱسمك؟
هل إذا قرَّر الرب معاقبة شخص ما، أو بلدك أو محيطك، لكن بسبب تشفعك ووقوفك في الثغر، وفي لغة تأملية تسمع الرب يقول:
أُريد أن أفعل هذا الأمر.. لكن صديقي فلان لا يدعني القيام به.. ولا يُمكنني تجاوزه أو إهمال طلبته.. فهوَ خليلي وصديقي ولا يُمكن أن أتخطاه؟
هل تجلس دومًا جلسات حميمة مع الرب كما يجلس الأصدقاء الحقيقيين، وتعرض لهُ كل الحالات المتعلقة بخدمتك، ولديك الجرأة ودالية البنين، كأن تقول لهُ:
" من أجل خاطري.. أعطي فلان فرصة لكي يُصحِّح أخطاءَهُ.. أو لا تحاسب فلان على ما قامَ به.. أو أتمنى عليك أن تستجيب طلبة فلان.. أو من أجل خاطري ترأّف ببلدي.. أو... ".
هذه الأسئلة التي وضعتها أمامك ليست مجرد أسئلة عادية، بل هيَ أسئلة ذو مغزى ومعنى عميقين، وأنا أدعوك للتأمل فيها بعمق وبمعونة الروح القدس، لكي تصنع فرقًا في حياتك وفي علاقتك مع الله، وفي الدور الذي ينبغي أن تلعبهُ في بلدك وفي محيطك وفي كنيستك وفي عائلتك..
أحبائي: الله يُفتِّش عن أصدقاء.. عن أخلاَّء.. يُكلمهم كما يُكلِّم الرجل صاحبه.. يُشاركهم مكنونات قلبه تجاه عمله على أرضنا.. يصنع منزلاً عندهم.. لا يتجاوزهم في أي أمر سيُجريه في نطاق مسؤولياتهم.. ويُحقِّق من خلالهم المعجزات والعجائب..
كُنْ صديقه.. كُنْ صاحبه.. كُنْ خليله.. كُنْ الشخص الذي يتوق الرب لمجالسته.. ودعهُ يُحقِّق من خلالك المعجزات الكبيرة التي تصنع الفرق.