ثلاثة تجنّبها - الجزء الأول
     
 

1 - الموقع والخدمة اللذان ليسا لكَ... لأنَّهُما قد يؤذيانك ويؤذيان من هُم معك !!!

2 - الشيء الإضافي... لأنَّهُ سيُعفِّن ويُنتن !!!

3 - الأمر في غير وقته... لأنَّهُ سيُحبطك ويجلب لكَ الجراح الكثيرة !!!

 

وسنتناول هذه المواضيع الثلاثة الواحد تلوَ الآخر، لمدة ثلاثة أسابيع.

فتعالَ اليوم، نتأمل معًا بنتائج طموح بعد الأشخاص في الكتاب المقدس، إلى مواقع وخدمات ليست لهم من الرب.. ونترك الحرية للروح القدس أن يُكلِّم كل واحد منا بما يراه مناسبًا..

 

القصة الأولى:

" وتكلَّمت مريم وهرون على موسى... فقالا هل كلَّم الرب موسى وحده، ألم يُكلمنا نحن أيضًا؟... فحميَ غضب الرب عليهما ومضى، فلمَّا ٱرتفعت السحابة عن الخيمة إذا مريم برصاء كالثلج " (عدد 12 : 1 – 8).

 

نادرون هم.. كحبات الإلماس هم.. الذين يأخذون موقعهم وخدمتهم من يد الرب، وليسَ من كلام وحماس من هم حولهم.. أو من رؤيتهم الخاصة للأمور.. ظانِّين أن الموقع هوَ مُجرَّد ٱمتياز دون مسؤولية.. ليسَ المستوى العلمي والخبرة هما المعيار، فقد كان أغلب التلاميذ أُميين.. وليسَ النسب والعائلات هما المقياس.. بل دعوة الله ومسحته ورؤيته للأمور التي لا تُخطىء..

أوصى الرسول بولس أهل أفسس، أن لا يرتئي أحد منهم أكثر مما وهبه الرب من نعمة، وقالَ لهم أن البعض أُعطيَ لهم أن يكونوا رسلاً، والبعض الآخر أنبياء، والبعض مبشرين، والبعض رعاة ومعلمين، وتابع ليقول لهم، أنهُ لو قام كل واحد منهم بعمله الخـاص الـذي وهبـه إيـاه الـرب، لنمـى الجسـد كلـه، وبلـغ ملء قامة المسيح (أفسس 4 : 7 – 16)، ولكن للأسف فهذا ما لا نفعلهُ !!!

لست أعلم لماذا أرادني الرب، أن أُشارك هذه الرسالة في هذا التوقيت، لكنني بكل بساطة، أطعت ما أحسست به، والباقي أتركه للروح القدس، لكي يوصل ما يريد أن يوصلهُ لكل واحد منَّا..

غالبًا ما نرى أنفسنا غير راضين عن موقعنا وخدمتنا، ولسان حالنا:

" نريد أكثر.. نريد خدمة مؤثرة.. نريد خدمة تربح الآلاف.. نريد مواقع تؤهلنا أن نكون مؤثرين أكثر.. نريد أن تُدار الأمور بطريقة مختلفة عن الطريقة التي تُدار بها الآن.. لدينا خطط كبيرة وممتازة، وبكل تأكيد ستوصلنا إلى نتائج أفضل.. آه.. لو كنتُ في موقع القيادة لفعلت كل هذا !!! ".  

في الظاهر، تبدو هذه الطلبات روحية ومحقة.. وأنا لا أريد أن يفهم أحد، أن مطالبة الرب بالثمر الكثير والنتائج الكبيرة هوَ شيء سيء.. لكنني أريد أن أدخل معكم إلى أعماق وجوهر هذه الطلبات، التي يريد الروح القدس أن يكشفها لنا في هذا الصباح.. لأنَّ الكلمة تقول أن القلب أخدع من كل شيء.. وقد تكون قلوبنا تخدعنا من خلال المناداة بهذه الشعارات، التي تبدو حسنة المظهر، لكنها قد تُخفي في داخلها دوافع ودوافع ليست حسنة.. ونحن قد ٱنخدعنا فيها.. لكن الرب لا يخدعهُ شيء.. ولهذا جاء برسالته لنا لكي ينبهنا.. يحمينا.. يباركنا.. يستخدمنا كلٌ في الموقع الذي يريده هوَ لنا.. على مقدار ما قَسَمَ لنا من وزنات ومواهب.. حتى نقوم بالعمل الذي لنا.. فينمو الجسد إلى ملء قامة المسيح !!!

 

هل كلَّم الرب موسى وحده، ألم يُكلمنا نحن أيضًا؟

هل كلَّم الرب " فلان " أو " الراعي " أو " القائد الفلاني"  وحده، ألم يُكلمنا نحن أيضًا؟

عبارات نُطلقها أحيانًا كثيرة.. عندما لا تسير الأمور كما نريدها نحن.. قد لا نُطلقها في العلن.. لكن في أعماق نفوسنا.. لكن الله يسمعها.. والنتيجة قد تكون مماثلة للنتيجة التي حصدتها مريم "  البرص "، برص روحي، يجعل وزناتنا ومواهبنا التي نلناها من الرب، تهترىء وتُصبح عديمة الفائدة، لأنَّ أعيننا على مواقع وخدمات ليست لنا في الوقت الراهن، أو ليست لنا بصورة دائمة، لأنَّ الرب لم يَدْعُنَا لها، بل ٱختار لنا بحكمته الفائقة، مواقع وخدمات أُخرى !!!

 

القصة الثانية:

" وأخذَ قورح بن يصهار بن قهات بن لاوي وداثان وأبيرام ٱبنا اليآب وأون بن فالت بنو رأوبين، يُقاومون موسى، مع أُناس من بني إسرائيل مئتين وخمسين رؤساء الجماعة ذوي المكانة... فاجتمعوا على موسى وهرون وقالوا لهما كفاكما، إنَّ كل الجماعة بأسرها مقدسة وفي وسطها الرب، فما بالكما ترتفعان على جماعة الرب... فلما سمع موسى سقط على وجهه... وقال موسى لقورح ٱسمعوا يا بني لاوي، أقليلٌ عليكم أنَّ إله إسرائيل أفرزكم من جماعة إسرائيل ليقرّبكم إليه، لكي تعملوا خدمة مسكن الرب وتقفوا قدام الجماعة لخدمتها، فقرّبك وجميع إخوتك بني لاوي معك، وتطلبون أيضًا كهنوتًا؟ ... فلمَّا فرغ من التكلم بكل هذا الكلام ٱنشقت الأرض التي تحتهم، وفتحت الأرض فاها، وٱبتلعتهم وبيوتهم وكل من كان لقورح مع كل الأموال " (عدد 16 : 1 – 32).

 

لاحظ معي، كيفَ يُركِّز الروح القدس على كتابة عبارة "رؤساء الجماعة ذوي المكانة" لكي ينبهنا أن المكانة والمركز، وربما المستوى العلمي أو الاجتماعي أو الخبرة الواسعة قد يجعلوننا نُطالب بمواقع وخدمات معينة في وسط كنائسنا، لكنها ليست من الله، ليست دعوتنا، وقد نتستَّر كما تستَّروا هم، إذ غلَّفوا طلبهم هذا بقالب روحي قائليـن لموسى: " إنَّ كل الجماعة بأسرها مقدسة وفي وسطها الرب " فلماذا يا موسى تمنعنا أن نقدم البخور أمام الرب؟ فيجيبهم موسى قائلاً: " أقليلٌ عليكم أنَّ إله إسرائيل أفرزكم من جماعة إسرائيل ليقرّبكم إليه، لكي تعملوا خدمة مسكن الرب وتقفوا قدام الجماعة لخدمتها، فقرّبك وجميع إخوتك بني لاوي معك، وتطلبون أيضًا كهنوتًا؟  

لقد أعطاكم الرب موقعًا وخدمةً، فلماذا عيونكم على مواقع غيركم؟

لكنهم لم يأبهوا، لم يقوموا بعملهم الخاص لكي تنموا الجماعة إلى ملء قامة الرب، بل كانت عيونهم على مواقع ليست لهم من الرب.. والنتيجة كانت مؤذية للغاية.. فتحت الأرض فاها وٱبتلعتهم.. وبلغة اليوم خسارة لكل شيء.. حتى للوزنات وللخدمة التي بين أيدينا !!!

لماذا فلان هوَ الراعي؟ لماذا فلان هوَ شيخ؟ لماذا فلان هوَ قائد تسبيح؟ لماذا فلان هو واعظ؟ لماذا فلان هو قائد فريق التبشير؟ لماذا فلان يُعلِّم في مدرسة الأحد؟ لماذا فلان يُكلَّف برعاية الآخرين؟ ألست أنا مؤهلاً للقيام بأمور كثيرة كهذه؟ فلماذا إذًا لا أُعطى موقعًا مماثلاً، ولماذا كُلفت أنا بهذه الخدمة وليسَ بغيرها؟

وبلغة أخرى.. نفس كلام مريم وهرون وقورح وجماعته:                                      

هل كلَّم الرب موسى وحده، ألم يُكلمنا نحن أيضًا؟

" إنَّ كل الجماعة بأسرها مقدسة وفي وسطها الرب ".

 

القصة الثالثة:

" ولمَّا رأى الشعب أنَّ موسى أبطأَ في النزول من الجبل، ٱجتمع الشعب على هرون، وقالوا له: قُم إصنع لنا آلهة تسير أمامنا، لأنَّ هذا موسى الرجل الذي أصعدنا من أرض مصر، لا نعلم ماذا أصابه، فقالَ لهم هرون: ٱنزعوا أقراط الذهب التي في آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم وأتوني بها... فأخذَ ذلك من أيديهم وصوّره بالإزميل وصنعه عجلاً مسبوكًا... (وعندما رجعَ موسى)، أخذَ العجل الذي صنعوا وأحرقهُ بالنار... وقال موسى لهرون: ماذا صنع بكَ هذا الشعب حتى جلبت عليه خطية عظيمة؟ فقالَ هرون: لا يحم غضب سيدي، أنت تعرف الشعب أنه في شر، فقالوا لي إصنع لنا آلهة تسير أمامنا، لأنَّ هذا موسى الرجل الذي أصعدنا من أرض مصر، لا نعلم ماذا أصابه، فقلت لهم من له ذهب فلينزعه ويعطيني، فطرحته في النار فخرج هذا العجل، ولمَّا رأى موسى الشعب أنَّه مُعرَّى، لأنَّ هرون قد عرّاه للهزء بين مُقاوميه... " (خروج 32 : 1 – 25).

 

ما أخطرها.. ما أخطرها.. ما أخطر أن يجتمع عليك أشخاص ليمدحوك، ويُثنوا على مؤهلاتك التي يرونها، ويحثُوك على أخذ مواقع ليست من الرب لكَ.. كن حذرًا.. كن حذرًا.. كن حذرًا !

لقد كان لهرون موقعًا محددًا من الله.. وخدمة مُحددة.. ومهمة محددة.. وهيَ مساعدة موسى، وعندما تخطاها حصلَ ما نقرأهُ معًا:

- استبدال الله بعجل من ذهب..

- خسارة الذهب من بين يدي الشعب، والذي يرمز إلى المجد.

- وأخيرًا شعب معرَّى.. لأنَّ هرون عرَّاه..

 

أخذَ موقعًا ودورًا ليسا له.. فعرَّى الشعب.. وعندما سألهُ موسى عن السبب، نكرَ ذنبهُ متهمًا الشعب أنهم أشرار، ومـع أنـهُ صنع العجـل بدقـة متناهية " وصوَّرهُ بالإزميل وصنعهُ عجلاً مسبوكًا "، قالَ لموسى: " طرحت الذهب في النار فخرج هذا العجل ".    

تجمَّع الشعب حوله.. القائد يتأخَّر.. بطيء في قيادتنا.. الأمور لا تسير كما ينبغي.. هناك طرق أفضل.. هناك خطط أفضل.. أُنظر من حولنا، فنحن نسمع عن خدمات نارية ثمارها كبيرة.. ليسَ هكذا تُدار الأمور.. فهل كلَّم الرب فلان وحده، ألم يُكلمنا نحن أيضًا؟ كما " إنَّ كل الجماعة بأسرها مقدسة وفي وسطها الرب ".. كن أنتَ القائد.. لديك المؤهلات الكافية ونحن نؤكد هذا... هاتوا لي ذهبكم.. هاتوا دعمكم وتأييدكم.. قولوا على مسامع الجميع أنني أستحق هذا الموقع... لكــــن... تأكد أن النتيجة ستكون عجلاً من ذهب.. مصيره النار.. وشعب مُعرَّى.. ليست القيادة ٱمتيازًا بل مسؤولية كبيرة، قد يكون ثمنها مكلفًا للغاية.. وقد لا تكون مؤهلاً بعد لدفعه.. هذا إذا أردتَ أن تكون قائدًا مشابهًا للرب بالتمام.. ولعلَّ ما قالهُ الرب ليوحنا ويعقوب قد يوضح الصورة أكثر، فلنقرأ معًا:

" فقالا له أعطنا أن نجلس واحد عن يمينك والآخر عن يسارك في مجدك، فقال لهما يسوع لستما تعلمان ما تطلبان، أتستطيعان أن تشربا الكأس التي أشربها أنا وأن تصطبغا بالصبغة التي أصطبغ بها أنا " (مرقس 10 : 38).

 

مرارًا كثيرة نطلب الكأس، مـن أجـل بريقهـا ولونها الذهبي، لكننا نتهرَّب من شرب ما في داخلها، ومرارًا كثيرة نريد من نحن " في المسيح " وما لنا من حقوق وٱمتيازات فيه، ولا نريد من نحن " لأجل المسيح " وما ينبغي أن نُقاسي من أجل ٱسمه وخدمته !!

ثانيةً أقولها.. لستُ أعلم لماذا هذه الرسالة.. ولماذا في هذا التوقيت.. لكنني أعلم أنَّ الروح القدس يعرف لماذا.. ولهذا سيجعلك تعرف لماذا.. لكن عندما تعرف.. تواضع تحت يد الله القادرة.. وتراجع عن مواقع وخدمات ليست لكَ منهُ.. تراجع عن توجيه النقد واللوم لمن هم في مواقع.. وخذ موقعك وخدمتك اللتين لكَ من الله.. ليباركك فيهما.. فتقوم بعملك الخاص بكَ فينمو الجسد إلى ملء قامة المسيح.. ولا تخف أن لا تعرف ما هو الموقع وما هي الخدمة التي يريد الله أن تكون فيهما. لأنَّه قال " خرافي تعرف صوتي ".

كُن هرون الذي يدعم ويساعد ويبارك ويصلي ويتشفع ويدافع و... عن موسى الذي أقامه الله عليك ومن أجلك... ولا تكن هرون الذي ٱشتهى موقع موسى وأغرتهُ كلمات الشعب، فنزعَ عنهم الذهب وصنع لهم عجلاً كانَ مصيرهُ النار.. ومصير الشعب العُري..

 

في موقعة من الكتاب المقدس، وعندما ضعف موسى وتعبت يداه.. هبَّ هرون وجلسَ إلى جانبهِ رافعًا يديه.. وفي موقعة أُخرى عندما تأخَّر موسى.. هبَّ هرون ليأخذ موقعه.. فصنع عجلاً من ذهب وعرَّى الشعب.. فأيّ موقع تختار؟ وٱعلم أنَّ لكل ٱختيار نتائجهُ !!!

 

لكلٍّ منَّا موسى يقوده.. إن كانَ في البيت أو في العمل أو في الكنيسة والخدمة أو في دائرة أخرى.. فتعلَّم كيفَ تخضع لهُ وتساعده بدلاً من أن تقاومه وتعطله !!!