إنَّهُ الرب
     
 

سبعة من الرسل يحاولون صيد السمك لكن دون جدوى..
وبعد ليل طويل ومُتعب في عرض البحر..
إذ بشخص، لم يعرفوه في البداية، واقف على الشاطئ يقول لهم:
ألقوا الشبكة إلى جانب السفينة فتجدوا سمكًا..
ولمّا فعلوا لم يعودوا يقدرون أن يجذبوا الشبكة من كثرة السمك..  
فقال التلميذ الذي كان يسوع يُحبّه لبطرس: إنَّهُ الرب !!! (يوحنا 21).

كانت صرخة يوحنا بسبب المعجزة التي رآها.. عرف أنَّهُ الرب عندما رأى السمك الكثير..
عرف أنَّهُ الرب عندما أنهى معاناة الليل الفاشلة للتلاميذ بمعجزة جاءت بالبركة الكبيرة..
فهل اشتقت أنت أن ترى تدخُّل للرب بهذه الطريقة في حياتك.. في عائلتك.. في عملك.. في خدمتك؟
هل مرَّ وقت طويل لم تعد ترى فيه يد الرب تتدخّل في أمورك وأمور عائلتك وخدمتك بهذه الطريقة؟
هل أنتَ مشتاق أن تصرخ هذه الصرخة: إنَّه الرب.. إذ ترى البركات عادت لتغمر حياتك؟
هل أنت مشتاق أن ترى النهضة في كنيستك؟
تعال نتأمل معًا.

لم تكن معجزة السمك الكثير غريبة أو جديدة على التلاميذ، لا سيّما على بطرس ويوحنا، فكلاهما شاهدان على ما فعله الرب في هذا المضمار عندما دعاهم لكي يتبعوه:
" فدخل إحدى السفينتين التي كانت لسمعان وسأله أن يبعد قليلاً عن البر... قال لسمعان: إبعد إلى العمق وألقوا شباككم للصيد، فأجاب سمعان وقال له: يا معلّم قد تعبنا الليل كله ولم نأخذ شيئًا، ولكن على كلمتك أُلقي الشبكة. ولمّا فعلوا ذلك أمسكوا سمكًا كثيرًا جدًّا فصارت شبكتهم تتخرّق... فلمّا رأى سمعان بطرس ذلك، خرَّ عند ركبتيّ يسوع قائلاً: أُخرج من سفينتي يا رب لأنّي رجل خاطئ، إذ اعترته وجميع الذين معه دهشة على صيد السمك الذي أخذوه، وكذلك أيضًا يعقوب ويوحنا ابنا زبدي اللذان كانا شريكي سمعان، فقال يسوع لسمعان لا تخف، من الآن تكون تصطاد الناس، ولمّا جاءوا بالسفينتين إلى البر تركوا كل شيء وتبعوه " (لوقا 5 : 3 – 11).
صيادون مهرة وذوي خبرة، لكنهم تعبوا الليل كلّه دون جدوى، وكلمة واحدة من الرب، ألقى بطرس الشبكة على أساسها، والنتيجة كانت سمك كثير. ورحلة امتدت لحوالي ثلاث سنوات ونصف مشاها التلاميذ مع الرب، ليعودوا ويتواجهوا مع الأمر نفسه بعد موت الرب وقيامته.

أيضًا صيادون مهرة وذوي خبرة تعبوا الليل كله دون جدوى، وكلمة واحدة من الرب، فألقوا الشبكة على أساسها ولم يعودوا يقدرون أن يجذبوها من كثرة السمك.. لتنتهي تلكَ الواقعة بكلام هام، معبّر، عميق ودقيق قاله الرب لبطرس:
" الحقّ الحقّ أقول لك: لما كنت أكثر حداثة كنت تُمنطق ذاتك وتمشي حيث تشاء. ولكن متى شخت فإنّك تمد يديك وآخر يُمنطقك ويحملك حيث لا تشاء " (يوحنا 21 : 18).

وبكلام مبسّط وكأنّ الرب كان يقول لبطرس:
" في بداية دعوتك عندما كنت حديث الإيمان، كنت تذهب حيث تشاء، على هواك، تفعل ما تمليه عليك رغباتك وأفكارك، تصطاد السمك على طريقتك متكلاً على خبرتك وإمكانياتك، لكن بعد هذه الفترة التي أمضيتها معي، والمعجزات التي رأيتها، والتعاملات التي تعاملتها معك، والتوجيهات التي أعطيتك إياها، لم يعد مسموحًا أن تفعل ما كنت تفعله سابقًا، بل ينبغي أن تشيخ، أن تنضج في الإيمان، فتمد يديك تعبيرًا عن تسليمك الكامل لي، لكي أمنطقك أنا، وآخذك أنا، إلى حيث لا تشاء وفقًا لمنطقك البشري ورغباتك الشخصية ".

أحبائي: هل نحن منشغلون جدّيًا بربح النفوس الذي يرمز إليه صيد السمك؟
هل نريد من كل قلبنا وفكرنا وقوتنا أن نرى النهضة؟
هل نريد أن نرى معجزات يصنعها الرب من خلالنا تأتي بصيد كثير؟
هل لديك قلب يتوجّع دومًا من أجل النفوس التي تموت دون الرب وتذهب إلى النار؟
وهل أنت مستعد أن تدفع الثمن مهما كان، لإنقاذ هذه النفوس؟
أسئلة لا بد من أن تُجيب عليها تحت هيمنة الروح القدس الذي يفحص كل شيء.

ماذا ينبغي علينا أن نفعل؟
عائقان أساسيان يقفان أمام تحقيق هذه الرغبة: الشيطان وشخصياتنا.
" قُمّ قدّس الشعب وقل تقدّسوا للغد، لأنّه هكذا قال الرب إله اسرائيل: في وسطك حرام يا إسرائيـل، ولن تتمكنّوا من هزيمة (أو إلثبات في وجه) أعدائكم حتّى تستأصلوا الحرام من وسطكم " (يشوع 7 : 13).
سيُحاربك الشيطان بكل تأكيد في كل الأوقات لأنه يكرهك كرهًا شديدًا، لكن عليك أن تعلم أن أشرس المعارك سيشنّها الشيطان عليك عندما تحاول أن تدخل داره لكي تخطف منه النفوس.. إنها معركة حقيقية بكل معنى الكلمة..
لكن هنا نرى أن الرب يطلب من يشوع أن يُقدّس الشعب وأن ينزع الحرام من وسط الشعب لكي يستطيعوا أن يصمدوا وأن يهزموا أعداءهم.. بالطبع ينبغي علينا أن نحارب الشيطان ونقاومه لكي يهرب منّا، لكن ما أريد أن ألفت انتباهك إليه اليوم هو الدرس الذي تعلّمه التلاميذ بصيد السمك: أنَّ النصر من الرب، وما لم يؤيدك الرب بقوته فلن تستطيع هزم الشيطان والثبات في وجهه وخطف النفوس من داره.. ولكن في الوقت نفسه ينبغي أن تعلم أنّ الرب لن يؤيدك إن لم تكن مقدّس له بالتمام، تحيا في القداسة ولا يوجد حرام في وسطك.. هذا هوَ محور تأمّلنا اليوم.

هذا عن مواجهة الشيطان، وماذا عن شخصياتنا؟
" وقال يشوع للشعب: تقدّسوا لأنّ الرب يعمل غدًا في وسطكم عجائب " (يشوع 3 : 5).
الرب هو من يعمل في وسطنا عجائب.. الرب هو من جاء بالسمك الكثير للتلاميذ..
والمفتاح أو الشرط واحد: تقدّسوا !!!

أحبائي تعالوا نتأمل ببعض المقاطع الكتابية التي توضح الصورة أكثر:
" إن لم يبنِ الرب البيت فباطلاً يتعب البناؤون، وإن لم يحرس الرب المدينة فباطلاً يسهر الحارس " (مزمور 127 : 1).

" لا يقدر أحد أن يُقبل إليّ إن لم يجتذبه الآب الذي أرسلني وأنا أُقيمه في اليوم الأخير... فقال: لهذا قلت لكم أنّه لا يقدر أحد أن يأتي إليّ إلاّ إذا وهبه الآب ذلك " (يوحنا 6 : 44، 65).

" إرفعي عينيك حواليك وانظري، كلهم قد اجتمعوا أتوا إليكِ... فتقولين في قلبك من ولد لي هؤلاء وأنا ثكلى وعاقر، منفية ومطرودة؟ وهؤلاء من ربّاهم؟ هانذا كنت متروكة وحدي، هؤلاء أين كانوا؟ هكذا قال السيد الرب: ها إنّي أرفع إلى الأمم يدي وإلى الشعوب أُقيم رايتي، فيأتون بأولادك في الأحضان وبناتك على الأكتاف يُحملنَ، ويكون الملوك حاضنيك وسيداتهم مرضعاتك، بالوجوه إلى الأرض يسجدون لك ويلحسون غبار رجليك، فتعلمين أنّي أنا الرب الذي لا يخزى منتظروه، هل تُسلب من الجبار غنيمة، وهل يفلت سبي المنصور، فإنّه هكذا قال الرب: حتى سبي الجبار يُسلب وغنيمة العاتي تفلت، وأنا أُخاصم مخاصمك وأُخلّص أولادك " (إشعياء 49 : 18 – 25).

الرب يبني البيت.. الرب يحرس المدينة.. الرب يجذب النفوس.. الرب يأتي بالصيد الوافر.. الرب يرفع يده إلى الأمم فيعود الأولاد إلى بيته، ويجعل الأرواح الشريرة تسجد عند قدميك، الرب ينتزع الغنيمة من يد الجبار.. إنّه إيل شدّاي.. ملك الملوك ورب الأرباب.. ثق بهذه الكلمات وآمن بها، لكي تراها واقعًا ملموسًا ولكي تصرخ لمن هم حولك: إنّه الرب !!!

هل تريد أكثر: حتى الإيمان الذي يجعلك ترى هذه الوعود تتحقق هوَ ليس منك بل عطية مجانية من الله:
" لأنكم بالنعمة مخلّصون، بالإيمان وذلك ليس منكم، هو عطية الله " (أفسس 2 : 8).

وهنا قد تسألني: إذاً.. ألا يوجد دور لي؟ وما هو؟
بالطبع يوجد دور لك:
- تقدّس للعمل.
- مُدّ يديك لكي يُمنطقك الروح القدس ويحملك حيث لا تشاء.

كن مقدّس للرب.. مفرز له بالتمام.. تترك كل شيء وتتبعه.. وتحيا حياة القداسة الكاملة.. تسليم كامل لكي يأخذك إلى حيث يشاء هو وإلى حيث لا يشاء جسدك ورغباتك الشخصية..
نعم لك دور.. ودور كبير.. وإلاّ فكيف نُفسّر كل ما قام به بولس وما تعرّض له في سبيل البشارة وربح النفوس، لكنه هو من قال:
" ولكن بنعمة الله صرت على ما أنا عليه الآن، ونعمته الموهوبة لي لم تكن باطلة، بل أنا تعبت أكثر منهم جميعهم، ولكن لا أنا بل نعمة الله التي معي " (كورنثوس الأولى 15 : 10).

" لأنّ الله هو العامل فيكم أن تُريدوا وأن تعملوا من أجل مرضاته " (فيليبي 2 : 13).

هو العامل فينا بنعمته لكي نرغب ونتمكن من  القيام بما يرضيه.. ودورنا عندما يعمل الروح فينا أن نتجاوب مع عمله ونخضع ذواتنا لقوة روحه العاملة.. وهذا الأمر ليس معادلة حسابية تتعلمها وتحفظها وينتهي الموضوع.. بل سيرة حياة كاملة تعيشها كل يوم، وتختبرها كل يوم، وتنمو بها كل يوم، وتتدرّب عليها كل يوم، إنها مدرسة الروح القدس التي لن تنتهي إلا عند نهاية رحلتك على هذه الأرض.. المهم أن يكون لك القلب الذي يريد ويُصرّ أن يحيا حياة القداسة والتسليم الكاملة مهما كانت التضحيات والأثمان، لكي تختبر تعاملات الله معك، وترى معجزاته في حياتك وترى الثمر الكثير وترى السمك الكثير، وتصرخ من جديد وبعد طول غياب ربما: إنّه الرب !!!
وهذا ما لم يتعلّمه بطرس بسهولة.. ولو تأملنا بحياته لاكتشفنا حجم السقطات التي تعرّض لها، وحجم المواجهات التي واجهه بها الرب، والتوبيخات التي وبّخه إياها، وكلنا نعرف حادثة نكرانه للرب لأنه كان يتكل على ذراعه وعلى إمكانياته ونظرته الخاصة لمعالجة الأمور..
وها هو في المقطع الذي تأملنا به، يعود إلى صيد السمك الذي أنهاه عنه الرب منذ دعوته له، عندما قال له:
" من الآن تكون تصطاد الناس (وليس السمك) ".

لا بل أكثر.. لقد جذب الرسل وراءه خارج خطة الرب.. سبعة رسل من أصل إحد عشر، أي الثلثين.. فما أخطر الخروج عن خطة الرب وجذب الآخرين وراءنا.. فلنكن حذرين..

عندما وقف الرب على الشاطئ لم يعرفوه، ومهما اختلفت الآراء حول السبب، فما قادني الروح القدس للتأمل فيه في هذا الموضوع، أنّ عيونهم لم تعد مركّزة على أمور الرب، إذ تبعوا بطرس لصيد السمك الذي أنهاهم الرب عنه، فثقلت عيونهم ولم يميّزوا حضور الرب.

فأين نحن اليوم ممّا تأملنا به؟
هل ضللت الطريق؟
هل فترت محبتك للرب؟
هل تخليت عن الدعوة؟
هل تخدم على هواك وليس ما يريده الرب منك؟
هل جذبك صيد السمك وأمور العالم من جديد؟
وربما تكون قد أثّرت على غيرك وقدتهم إلى خارج خطة الرب كما فعل بطرس..
وهل وهل وهل؟

لا بأس.. لننسى ما وراء ولنمتد إلى الأمام.. الفرص عند الرب لا تنتهي والأبواب لا تُقفل.. مراحمه جديدة كل صباح..

ففي المكان نفسه، في عرض البحر وبعد ليل متعب دون صيد، جاء الرب ووقف على الشاطئ وأجرى معجزة جديدة.. وتقابل مقابلة حاسمة مع بطرس، وهو مستعد أن يفعل اليوم الأمر نفسه معك.. فقط تجاوب مع كلمته..

المستهدف من المعجزة تلك كان بطرس فقط، فلا تتساءل لماذا لا يتعامل مع غيري هكذا.. بل اشكره لهذا الامتياز الذي خصّك به..
وربما اليوم، تكون أنت وحدك المُستهدف من هذا الكلام، خرجت عن خطة الرب أو تخدم بدوافع يلزمها تنقية، أو تخدم خدمة ترغبها أنت ولا يرغبها الرب، ويريد أن يقول لكَ: إرعَ خرافي !!!

قال لبطرس: لا شأن لك بالآخرين.. اتبعني أنت.
واليوم يقول لك: لا شأن لك بما يجري مع الآخرين.. اتبعني أنت..
فهل ستلبي الدعوة؟

وتذكّر أنَّ صرخة: إنَّهُ الرب تنتظر من اشتاق إليها جدّيًا.