خلقنا لمقاصد عظمى
     
 

" لأنَّكم بالنعمة مخلّصون، بالإيمان، وذلك ليس منكم، هوَ عطية الله، ليسَ من أعمال كي لا يفتخر أحد، فإننا نحن تحفة الله، وقد خلقنا في المسيح يسوع، لأعمال صالحة أعدَّها سلفًا لنسلك فيها " (أفسس 2 : 8 – 10).

 

بالنعمة خلَّصنا، بالإيمان، الذي ليسَ منَّا بل عطيَّة مجانية من الله، ليس بسبب أي عمل قمنا بهِ، لكي لا يفتخر أحد على الله.. وذهبَ الله خطوة أبعد.. إذ يقول أننا تحفته الخاصة.. وعندما خلقنا في المسيح يسوع، وبسبب محبته غير المشروطة، أعدَّ لنا مُسبقًا أعمال صالحة، وخطَّة عظيمة – لكل واحد منَّا بالتحديد – لكي نسلك فيها.

 

وهذا الأمر بعيد كل البعد عن القدرية، وعن جعلنا مُسيَّرين، إذ قد يقول البعض:

" إن كان قد خلقنا وخلَّصنا بنعمته المجانية، بالإيمان الذي ليس منَّا بل هوَ عطية مجانية أيضًا، وأعدَّ لنا مُسبقًا أعمال وخطة جاهزة لنسلك فيها، فما هوَ دور الإنسان؟ وماذا عن حريته؟ ".

 

- دور الإنسان هوَ أن يقبل هذه المحبة غير المشروطة والمجانية، أو أن يرفضها.. هذا من جهة الخلاص.

- دور الإنسان هوَ أن يقبل ما أعدَّ لهُ الله من أعمال صالحة وخطَّة رائعة، ستأتي لهُ بثمر كثير، أو أن يرفضها ويعتمد على فهمه وذراعه، ويرى النتائج،

   ويقارنها بنتائج السير في خطة الله.

- دور الإنسان أن يعي زمن وجوده ومكان وجوده، ودوره في ٱمتداد الملكوت، والقيام بهذا الدور بأمانة وبكد وبنشاط مهما غلت التضحيات، أو أن يرفض.

 

يقول بولس في رسالته لأهل رومية:

" ونحنُ نعلم أن كل الأشياء تعمل معًا للخير، للذين يُحبون الله، الذين هم مدعوون حسب قصده، لأنَّ الذين سبق فعرفهم، سبق فعيّنهم، ليكونوا مشابهين صورة ٱبنه، ليكون هو بكرًا بين إخوة كثيرين، والذين سبق فعيّنهم، فهؤلاء دعاهم أيضًا، والذين دعاهم فهؤلاء برَّرهم أيضًا، والذين برَّرهم فهؤلاء مجَّدهم أيضًا، فماذا نقول لهذا؟ إن كان الله معنا فمن علينا؟ الذي لم يُشفق على ٱبنه، بل بذله لأجلنا أجمعين، كيف لا يهبنا أيضًا معه كل شيء؟ " (رومية 8 : 28 – 32).

 

الصورة تتضح أكثر، وتتأكَّد أكثر، لجهة قصد الله لنا وخطته الرائعة لحياة كل واحد منَّا.

فالأب الصالح، يعمل ليل نهار لكي يُهيِّئ الأفضل لأولاده، ليسَ بدافع إرغامهم على فعل ما يريده، ولا بدافع السيطرة على تصرفاتهم وخطط حياتهم، بل بدافع محبته لهم، وفي النهاية فالخيار متروك لهم، إمَّا يقبلون بما أعدَّ وهيَّأَ لهم، وإمَّا يرفضون.

 

دعانا حسب قصده، وهوَ يجعل كل الأشياء – مهما كانت – تعمل لخيرنا، ثمَّ عيَّننا لنكون مشابهين للرب يسوع المسيح نفسه، وبرَّرنا ومجَّدنا، وهوَ دائمًا معنا، ولم يُشفق على ٱبنه الوحيد، أغلى ما عنده، بل بذلهُ من أجلنا، فكيف لا يهبنا معهُ كل شيء؟

وهذا ما فعلهُ.. وهبنا كل شيء، وهوَ ينتظر ردَّة فعل كل واحد منَّا.

ونذهب معًا إلى سفر أعمال الرسل لكي تتضح لنا الرسالة التي يريد الروح القدس أن يوصلها لنا اليوم:

" ‎وصنع من دم واحد كل أُمَّة من الناس، وأسكنهم بلاد الأرض كلها، وحدَّدَ مُسبقًا أزمنة وجودهم، وحدود أوطانهم، لكي يطلبوا الله لعلَّهم يتلمَّسونه فيجدوه، مع أنَّهُ عن كل واحد منا ليس بعيدًا، لأنَّنا به نحيا ونتحرك ونوجد، كما قال بعض شعرائكم أيضًا، لأنَّنا أيضًا ذرِّيته " (أعمال 17 : 26 – 28).

 

ما أُريد لفت نظرك إليه، هوَ أنَّ زمن وجودك ومكان وجودك ليسا صدفة أبدًا.. بل سبقَ لله بأن حدَّدَ مُسبقًا زمن وجودك ومكانه بالتحديد..

والمهم.. أن يجعلك هذا المفهوم الجديد وهذا الإعلان، أن تسأل الله اليوم بجدَّية وبجوع وعطش:

لماذا خلقتني في هذا الوقت بالتحديد، وفي هذا المكان بالتحديد؟

 

والجواب العام بالمطلق، هوَ ما سبق وذكرناه:

أنتَ تحفة الله، وقد خلقك في المسيح يسوع، لأعمال صالحة أعدَّها سلفًا لتسلك فيها.. وعلى هذا الأساس دعاك، برَّرك، مجَّدك، جعلك مشابهًا لصورة ٱبنه الرب يسوع، وجعل كل الأشياء تعمل لخيرك، وهوَ إلى جانبك، بذل ٱبنه من أجلك وأعطاك معه كل شيء.. وكلَّفك بدور مُحدَّد وواضح لتقوم به، في زمن مُحدَّد ومكان مُحدَّد.. والآن ينتظر ردَّة فعلك، هل تقبل أو ترفض.

 

فأنت إذًا لستَ موجودًا في هذا الزمن وفي هذا البلد وفي هذه الكنيسة أو الخدمة صدفةً..

وينبغي اليوم وبطريقة حازمة وواضحة أن نعلم أن الله خالق الكون وضابط الكل، ضابط الأوقات والأزمنة قد أوجدَ كل جيل منَّا في أزمنة مُعيَّنة، لكي نأتي بملكوته إلى أرضنا، وإذ قامَ بذلك، فهو يُفتِّش على من سيتشفَّع أو يقف في الثغر، لكي يتوسَّط بين الله وبين هذا العالم الشرير، لأنَّهُ عندما نُدرك في أعماقنا هذا السر العظيم، وهذا القصد العظيم، ونُدرك أنه هذا هو وقتنا بالتحديد لنقوم بهذا العمل، وهذا هوَ مكاننا بالتحديد لنقوم بهذا العمل، فسوف تتغيَّر أمورًا كثيرة، وسوف نرى ملكوت الله يمتد والنفوس تخلص.

وإذ يبدو واضحًا أهمية الوقت بالنسبة لله، فهو وضع على عاتقنا مسؤولية كبيرة حول نظرتنا وفهمنا للوقت، فمقدرتنا على قراءة الأوقات، ستُشكِّل الفرق بين أن " نحصل على " أو أن " نفقد " الموعد الإلهي الخاص بكل واحد منَّا والخاص بكنيستنا، والخاص ببلدنا ومنطقتنا، كما يُمكن أن يكون العامل المُقرِّر أو الحاسم، إن كنَّا سننتهز الفرصة لكي ننتصر على الصراعات التي تُواجهنا وستواجهنا على كل الصعد.

 

أحبائي:

" بلا رؤية يجمح الشعب " (أمثال 29 : 18).

دون أن تُدرك كل ما ذكرناه حتَّى الآن.. ودون أن تُدرك دورك وتلتزم به وبالرؤية التي يريدها الرب لكَ، لا بد أن تجمح وتشرد، وتكون سائرًا دون هدف محدد أو ضوابط معينة، والنتائج ستكون سيئة أو معدومة على الأقل.

فالغالبية العظمى من الناس – حتى لا أقول الجميع دون ٱستثناء – لديها خطة مُحدَّدة ورؤية واضحة لما تقوم به، ولو أجريـت دراسة أو إحصائية، ومن ضمنها لو سألت نفسك، لأدركت صحَّة ما أقوله، فالأشخاص إفراديًا، والجماعات والشركات والمؤسسات... الجميع لديه خطة ورؤية لتنفيذ طموحاته في هذه الحياة..

وإن كنت تريد أن تعرف ما هوَ طموحك في هذه الحياة، إسأل نفسك ما هوَ الأمر الذي يُشغل قلبك ليل نهار بغية تحقيقه، سواء في التفكير أو التخطيط أو التنفيذ العملي.. إذ دون خطَّة واضحة وإدراك عميق لسبب وجودك ودورك، لن يجعلك تعمل بحماس لتنفيذ هذه الخطة أو القيام بهذا الدور بجديَّة وبنشاط، بل ستكون فاترًا في عملك أو غير مبالٍ !!!

 

فالرب قال:

" لأنَّهُ حيث يكون كنزك، هناك يكون قلبك أيضًا " (متى 6 : 21).

فالعملية سهلة للغاية.. فإن كنت تريد أن تعرف ما هوَ ٱهتمامك الأول في هذه الحياة، أو بعبارة أُخرى ما هو كنزك، فتَّش عن الذي يُشغل قلبك على الدوام، فذاك سيكون كنزك بكل تأكيد..

ستجد نفسك مشغول ليل نهار بهذا الكنز أو بهذا العمل، تُفكِّر.. تُخطِّط.. تقلق.. تُضحِّي.. تصرف كل وقتك.. وما شابهها من أمور، لكي تُنجح هذا العمل..

إنه هاجسك الأول - حتى لا أقول الوحيد - يُرافقك إلى كل مكان، وفي كل الأوقات..

 

واليوم دعني أقول لكَ بصراحة وبوضوح، إن لم يكن الرب وعمله وخطته لحياتك، والأعمال التي سبق وأعدَّها لكي تسلك فيها، هاجسك الأول، لن تنجح ولن تأتي بالثمر الذي يريده الرب منك.. لا بل ستأتي بلعنة على حياتك، وستجد أمورك لا تسير كما أرادها الله لكَ، وستجد نفسك لا تتمتَّع بوعود الله الكثيرة لكَ، والمدوَّنة على صفحات الكتاب المقدَّس، فكلمة الله تقول:

" ملعون من يعمل عمل الرب برخاء أو بتهاون " (إرميا 48 : 10).

 

وللتوضيح.. فهذه الدعوة للقيام بعمل الرب بأمانة ونشاط وكد، والسلوك في الأعمال الصالحة التي أعدَّها الله لنا، ليست دعوة للتفرُّغ للخدمة الروحية المباشرة، بل هيَ دعوة لكي تُدرك زمن ومكان وجودك بالتحديد، وتسأل الله بجديَّة وبعطش وجوع ماذا يريد منك بالتحديد في هذا الزمان والمكان اللذين أوجدك فيهما، وتقوم بهذا الدور بنشاط وجديَّة وأمانة..

 

ولعلَّ أحد أهم العوامل الذي يجعلنا نعمل بفتور أو لا نعمل بحماس كما سبق وذكرنا، هوَ أننا لا نُدرك دورنا بالتحديد، وأهميته في نظر الله في الزمان والمكان اللذين حددهما لكل واحد منَّا..

 

لو تأملنا بسفر الرؤيا، في الإصحاحات التي يُوجِّه فيها الرب رسائل إلى الكنائس السبع، لاكتشفنا الضعفات والخطايا والمشاكل التي كانت متواجدة في تلك الكنائس، ولاكتشفنا أيضًا نقاط قوة عندها أيضًا.. كما هيَ حال كل كنائس اليوم، وحال كل واحد منَّا اليوم أيضًا.

لكن الملفت النظر هوَ وضع كنيسة لاودكية، فالآية المعروفة من الجميع:

" هانذا واقف على الباب وأقرع، إن سمع أحد صوتي وفتح الباب، أدخل إليه وأتعشَّى معهُ وهوَ معي " (رؤيا 3 : 20).

 

يعتقد الكل بأنها موجَّهة إلى غير المؤمنين، لكي يفتحوا باب قلبهم للرب لكي يدخل ويُعطيهم الخلاص والحياة الأبدية.. لكن لو تأملنا بهذه الآية في سياق النص الذي وردت فيه، لأدركنا أن الرب لم يكن يقرع على باب قلب غير المؤمنين، بل كان يقرع على باب كنيسته تلك..

ومن المهم أن نُدرك الصورة الرمزية لهذا الموضوع، فالكنائس الست الأخرى، كان الرب يتحرك بينها ليُشعل مصباحه في كل واحدة منها، لكي يجعلها تشع بضيائه، وكان يُصحِّح أخطاء كل منها ويُشجع شعبها، لكنه عندما وصل إلى كنيسة لاودكية:

لم يستطع الدخول !!!

والسبب كما قاله الرب بنفسه: الفتور الروحي:

" ليتكَ كنتَ باردًا أو حارًّا ".

 

فالبارد يرمز للذي يرفض الرب، والرب قادر على التعامل مع هذا الرفض، فالبارد لم يلتقِ يومًا مع محبة الرب، ويبقى هناك أمل له عندما يأتي يوم يُدرك فيه من هو الرب، وماذا فعل من أجله، فمن الممكن أن يتحوَّل بلحظة واحدة من بارد إلى حار.. والحار هوَ من تكون نار الرب مشتعلة في داخله، مجنون وملتهب للرب ولعمله ولخطته، وهؤلاء هم من يفتش الرب عنهم في كل الأجيال..

أما اللاودكيون فكانوا فاترين، لا يُقاومون عمل الرب وخططه، لكنهم في الوقت نفسه غير مُبالين وغير مهتمين بعمل الله وتقدمه، غير مُدركين بزمن تواجد كل واحد منهم، وبمكان كل واحد منهم، وبالدور المطلوب من كل واحد منهم، وهكذا وضع نال من الرب كلامًا عنيفًا:

" لأنَّكَ فاتر ولست باردًا ولا حارًّا، أنا مُزمع ان أتقيأك من فمي " (رؤية 3 : 16). 

وكأن الرب يقول: " مسيحية فاترة تجعلني أتقيَّأ ".

وهذا ما جعل الباب مُقفلاً في وجه الرب، فهوَ لا يستطيع الدخول إلى كنيسة كهذه..

 

لكن الرب لم يستسلم أمام ذلك الوضع، لأنه بقي واقفًا يقرع، مُنتظرًا أن يأتي أحد ما ويفتح له الباب، وكأنَّ الرب كان له الرجاء والأمل أنَّهُ إن فتح أحدهم الباب فسوف يدخل، وقال لملاك تلكَ الكنيسة:

" لأنَّكَ تقول أنِّي أنا غني وقد ٱستغنيت ولا حاجة لي إلى شيء، ولست تعلم أنَّك أنتَ الشقي والبائس، وفقير وأعمى وعريان، أُشير عليك أن تشتري مني ذهبًا مُصفَّى بالنار لكي تستغني، وثيابًا بيضًا لكي تلبس فلا يظهر خزي عريتك، وكحّل عينيك بكحل كي تُبصر " (رؤيا 3 : 17 – 18).

 

كي نُبصر البصيرة الروحية، ونرفض أن نكتفي بأننا نلنا الخلاص، نأتي إلى الكنيسة يوم الأحد، نُرنِّم ونستمع إلى عظة، عالمين أننا سوف نذهب إلى السماء في نهاية المطاف.. وكي لا نكون غير مُبالين، نسمح للظروف بأن تقودنا وتجذبنا وراءَها، ونسمح للشيطان بأن يُعمي أذهاننا ويُبعدنا عن قصد الله المُسبق لكل واحد فينا..

 

نُبصر بأننا جنس مختار وكهنوت ملوكي، أمَّة مُقدَّسة، شعب ٱقتناء، مُشابهين للرب يسوع المسيح، وهوَ قد خلقنا لمقاصد عظمى، دعانا وبرَّرنا ومجَّدنا وأعطانا ٱبنه الوحيد، ووهبنا معه كل شيء، حدَّدَ مُسبقًا زمن ومكان تواجدنا، وأعدَّ لنا أعمال صالحة، وخطة صالحة ومرضية وكاملة لكي نسلك فيها، أقامنا لنُغيِّر التاريخ والظروف والأوقات والأزمنة، لنقف في الثغر بين الله وبين عالم شرير، لكي نتشفَّع ونجلب النفوس الضائعة إلى ملكوت النور، ولكي نجعل ملكوته يمتد ومشيئته تكون كما في السماء كذلك على الأرض..

 

نُبصر أننا في حرب مُحتدمة، وسوف تحتدم أكثر في الأيام القادمة، لكي نصرخ إلى الرب، لكي يُحررنا من كل فتور ويجعلنا حارِّين ومجانين وملتهبين له، ولكي يكشف لنا خطط وٱستراتيجيات وتكتيكات جديدة، تتناسب مع حجم ونوع الحرب التي نخوضها، لكي ننقض أعمال مملكة الظلمة ونُفشلها ونهزمها، وننتصر في حربنا، ونتمتَّع بكل البركات التي أعدَّها الله لنا وما زال الشيطان يحجبها عنَّا، ولكي نُقيِّد القوي وندخل بيته ونُطلق النفوس الأسيرة وننهب الغنائم..

ولكي نُدرك أننا الحل الوحيد لهذه البشرية الساقطة والمعذبة..

 

لقد خلقنا لمقاصد عظمى.. فلا نسمح أبدًا للشيطان، ولا لفتورنا وتقصيرنا، ولا لعدم إدراكنا لزمن وجودنا ومكان وجودنا ودورنا، بأن يُضيِّعوا علينا هذه المقاصد !!!